تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


الفنان الراحل ناصر حكيم


بغداد : علي ناصر الكناني
ناصر حكيم.. ذلك الصوت الجنوبي الشجي الممتلئ عذوبة في الأداء لألحان وأغنيات كانت بالأمس وما زالت تشكل البدايات الأولى للأغنية الريفية في العراق يوم كنا نفتقد لأبسط مستلزمات التوثيق والتسجيل الصوتي الحديثة حتى انتشار جهاز الكراموفون(صندوق اليغني( كما كان يحلو للبعض تسميته الذي يعمل بواسطة التسجيل على الاسطوانات وذلك في بدايات القرن الماضي.



ان رحلة الاستذكار هذه عن سيرة وحياة هذا الفنان الرائد الكبير بعد ان مضى على رحيله عشرون عاما تجعلنا نستمتع حقا بالتعرف عن كثب على بدايات الاغنية الريفية في العراق وقبل اكثر من ثمانين عاما والتي هي في ذات الوقت رحلة استطلاع مشوقة لطبيعة الحياة بمختلف تفاصيلها واتجاهاتها الاجتماعية والثقافية في ذلكالوقت.
في ناحية العكيكة التابعة لقضاء سوق الشيوخ في مدينة الناصرية ذات الطبيعة الساحرة لمناظرها الخلابة وبساتينها الغناء المزدانة بأشجار النخيل العالية والممتدة على ضفاف الفرات وبالتحديد في منطقة ريفية تدعى (البندريات) ولد الفنان الكبير المرحوم ناصر حكيم عام 1910 ليكون تسلسله الاول بين إخوته الأربعة (مونس وعبد وعلوان وكريم) والذين لم يكن لهم مثلما كان لأخيهم من صيت ذائع وشهرة بل أبعدتهم مشاغل الحياة بالعمل في بستان والدهم الحاج حسين. فما ان بلغ الصبي ناصر العاشرة من عمره حتى راح يدندن بصوته الطفولي الجميل بأغنيات كانت ترددها (بنات العيد) وهن مجموعة من النساء كن يحملن الدفوف ويرددن بعض الاغاني التي شاعت انتشارها آنذاك ضمن تلك المناطق في المناسبات والافراح والاعياد، حتى احس المحيطون به بتفرده وموهبته العالية في امتلاك صوت غنائي محبب وجميل فاعجبوا به وشجعوه على استغلال تلك الموهبة في الغناء في اعراسهم ومناسباتهم الكبيرة.

الخطوة الأولى على طريق الشهرة
ما إن بلغ فناننا الراحل الخامسة عشرة من عمره حتى بدأت معالم شهرته تنتشر بشكل اكبر لتتجاوز محيط منطقته والمناطق المحيطة بها ليصل صدى تلك الشهرة الى اجواء مدينته الناصرية حيث كان يجتمع فيها العديد من كبار المطربين المعروفين آنذاك أمثال الملا جادر والملا منفي وغيرهم.
وفي احد ايام عام 1925 اقيم احتفال كبير في مركز المحافظة شارك فيه اكثر من ثلاثين مطربا كان من بينهم الفنان ناصر حكيم الذي سرعان ما لفت الانظار اليه ولصوته الشجي مما حدا بمندوب شركة بيلفون لتسجيل الاسطوانات للاتفاق معه على تسجيل مجموعة من الاغنيات على الاسطوانات في فرع الشركة في البصرة مقابل مبلغ من المال مقداره (50 ربية) لكل اسطوانة فرفض والده فكرة سفره الى البصرة خوفا عليه لكونه كان صغير السن ولكن تمكن مندوب الشركة وبعض معارفه من اقناع والده واستحصال موافقته على السفر فسجل سبعة اسطوانات بسبعة أطوار ومنها (الشطراوي ـ الحياوي ـ الجادري ـ والمجراوي والصبي) وغيرها، ومن الاغنيات الأولى التي سجلها آنذاك أغنية (هلبت منيرة ـ يمهيرة البدوان ـ بالشطرة شبت نار ـ رد يبوزويني ـ بوية سوادي) وغيرها من الاغنيات.

الخطوة الثانية كانت الى بغداد
وفي مطلع عام 1926 قررت شركات الاسطوانات ومنها بيلفون وبيضافون وغيرها من الشركات الاخرى الاتفاق مع المطرب ناصر حكيم بتسجيل عدد من الاسطوانات نظير (مائة ربية) للاسطوانة الواحدة إي ضعف ما كان يتقاضاه سابقا لاستحسانهم لصوته فاصطحب معه رفيق عمره المطرب الراحل حضيري ابو عزيز وخضير حسن وشجعهما على تسجيل اغنياتهم على الاسطوانات فقرر الاستقرار في بغداد بعد استئجاره لمقهى في منطقة علاوي الحلة صارت فيما بعد منتدى فني كبير يجتمع فيه الشعراء والمطربون ومتذوقي الغناء الشعبي بألوانه وأطواره المختلفة التي كان من روادها المطرب الراحل عبدالاميرالطويرجاوي وحضيري ابو عزيز وشخير سلطان وداخل حسن ومن الشعراء جبوري النجار وبدر الحلي واخرين .
عام 1936 تم افتتاح دار الاذاعة العراقية
وبعد افتتاح دار الاذاعة اللاسلكية العراقية عام 1936 تم استدعاؤه من قبل وزارة المعارف آنذاك والتي كانت تشرف على عمل الاذاعة ليتم تعيينه كمطرب وبراتب (ثمانية دنانير) شهريا وكانت الحفلات الغنائية تبث بشكل مباشر وحي لعدم وجود اجهزة التسجيل مثلما موجود في يومنا هذا. وفي عام 1948 شارك فناننا الراحل مع مجموعة من المطربين الاخرين من بينهم حضيري ابو عزيز وعلي مردان وناظم الغزالي في احياء عدد من الحفلات الغنائية الترفيهية لمقاتلي الجيش العراقي الذي كان يقاتل دفاعا عن الارض العربية في فلسطين وفي الخمسينيات سافر الى عدد من الدول العربية والخليجية لتسجيل عدد من الاغنيات والحفلات الغنائية مع عدد اخر من المطربين.
في عام 1971 اعتزل الغناء بعد احالته على التقاعد مع المطربين حضيري ابو عزيز وداخلحسن .
وفي التاسع من نيسان عام 1991 غادرنا ورحل عنا هذا الفنان المبدع واحد رواد الاغنية الريفية العراقية بعد صراع طويل مع المرض تاركا وراءه ارثا فنيا كبيرا سيبقى نبعا صافيا تغترف منه الاجيال اللاحقة ومصدرا مهما نعتمده حين نتحدث عن البدايات الاولى لمسيرة الغناء في العراق وعن الاصالة والصدق في تراثنا الفني الذي يمتد لعقود طوال من الزمن.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2