تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


معمرة عراقية من مواليد 1898 :أنا نباتية.. ولا أشرب المنبهات.. ولا أذهب إلى الطبيب


سهام الشجيري

هويتها العثمانية الدفترية تقرأ أنها من مواليد حزيران 1898، بينما هوية الأحوال المدنية للدولة العراقية تقرأ من مواليد تموز 1900، وبين هذين التاريخين تجاوزت هذه السيدة عامها المئة بأكثر من ثلاثة عشر عاما، الحاجة (زهية سالم عليوي)، سيدة عراقية معمرة، الصدفة وحدها قادتني إلى بيتها، في محافظة بابل/ الحصوة، لها فرادة في طريقة حياتها، وسر فرادتها، يكمن في أسلوب حياتها، إذ لم تثنها السنوات(113) عن توقد ذاكرتها الحاضرة التي جعلتها تجيب عن جميع الأسئلة بروح ملؤها التفاؤل بغد أفضل، احتفظت بكامل بهجتها وخالص صفائها، تحمل من سيماء الصدق ما يصفي النفس، تفوح منها محبة لأنها امرأة تبرق بحنان كثيف، لم تعد تبكي كثيرا الآن، لكن دموعها سرعان ما تنهمر حين أيقظنا ذكرياتها المتقدة دائما، تقول أم علي:


- ( ما اكدر انسه أي شي صار بحياتي، لان ما اكدر الزم سجينة واكطع بيها كل الحبال الي تربطني بأهلي وبولدي، وبالمكان الي عشت بي).

شاهد عيان لا يخطئ
بوجهها الذي تكرمش مثل حبة كمثرى نضجت من شدة الشمس، وعينيها الجامدتين الغارقتين في قعر رأسها، استقبلتنا، في بيتها المتواضع، الذي تملكه، وجه فلت من الحروب، والفيضانات، والحرائق والعنف والفواجع والموت اليومي، وهي بهذا تدعو التاريخ لزيارتها، لأنها شاهد عيان لا يخطئ،  تتمتع بجسم صحي سليم، وذاكرة شابة تمارس طقوسها اليومية من زيارات الأقارب ومراقد الأئمة الأطهار، متى سنحت لها الفرصة، روت لنا كيف اختارتها مجندات انكليزيات ملكة جمال العالم ولم تكن تلك المسابقة معروفة بعد، مما دعا والدها لتزويجها بأسرع وقت، وكيف رأت بغداد أول مرة، وأول مرة ترى فيها التلفزيون، و..و.. ذكريات قرن كامل لم تعطلها الحروب والمآسي التي مر بها العراق، لكنها تضع وجهها بين راحتيها لتردد:
- ( الدنيا بغير شخصك شلي بيها).

ولدت(زهية سالم)، في محافظة واسط، من أبوين فلاحين، هي الأخت الثانية من بين أربعة إخوة، هي من نوع الأطفال اليتامى، يأكلها الحنين، فهي يتيمة محبة، لكن وجود أبناء أولاد أخيها يسليها ويذهب وحشتها ووحدتها، بالرغم من قناعتها بوجود ما يلبي حاجتها اليومية:-
- (يمه اني قنوعه واقبل بكلشي، القناعة اهم شي بالحياة، بس اشوف الناس هسه ما عدهم قناعة باي شي، وهذا يتعبهم، ويمرضهم).

- دائما، تتذكر بيت العائلة في واسط ، بيت كبير وواسع ذو فناء مفتوح تحيطه الأشجار من كل جانب، مثلما تدخله الشمس، كانت الشمس في ما مضى تمنحه بريقا ونقاء، لم تكن الشمس بهذه الحرارة أبدا، - تقول الحاجة زهية- حتى حرارة الشمس تغيرت، بدت أكثر قسوة، كانوا حين تغمرهم بأشعتها يتجولون في الحقل وكأنها شلال مائي تحط على الرؤوس، فيما تحيطهم أشجار الفاكهة من كل جانب.

وأنا أتقدم نحوها، أمسكت يدها لأعينها على الجلوس وضعت يدي بين يديها، فقد وشمت شمس تموز ظاهر كفيها بالسمرة وبرزت الأوردة من تحت الجلد كأنها تنبئنا عن القرن الماضي بكل ما فيه من أفراح ومآس، مثلما تنبئنا تجاعيدها بمواضع الابتسامات على وجهها، وقد وشمته بسنوات القرن إذ كل وشم يخبرنا بالمزيد من الحكايا والقصص.

 *سألتها كيف يبدأ يومك يا حاجة؟
- أجابتني وكأنها تنتظر السؤال، فهي منذ أصبحت شابة وصاحبة مسؤولية إلى يومها هذا لم تغير عاداتها أبدا، تستيقظ  من الفجر تبدأ بالصلاة والدعاء والتسبيح، تتحرك في البيت لا تستطيع إلا أن تتحرك، وحين ينبلج الصبح تفتح نوافذ البيت، المطل على النهر، تنظر للصبية من خلف النافذة، يغريها منظرهم وهم يسبحون، يذكرها بما كانت تفعله حين كانت صبية  تستحم بماء النهرالمقدس مع بنات قريتها، كان النهر يرتفع إليهن حين يهبطن بأعماقه، لعل حيويّتهن كانت من حيوية النهر المتدفق،
تغص بعبرتها وتردد:
- ( يمه هسه جف النهر، انمله نفايات، وفضلات، ابجي من اشوفه يابس).


تلد أولادها بالحقل
لا تنسى أبدا مواسم الحصاد أو جني ثمار الفواكه والخضراوات تشعر بأن أجمل أيامها قضتها في وسط الحقل حيث الخضرة والماء، كما لا تنسى أنها أنجبت ولديها في أثناء الجني والحصاد:-
-(جبت ولدي اثنينهم واني احصد، كطعت مسر الجاهل بالمنجل، لفيت الولد بدشداشتي، وشلته ورجعت للبيت، ومن رجعت، عجنت وخبزت وطبخت ومن اجه ابوهم قدمتله الاكل، وهو ياكل سمع صراخ الولد، وعرف اني جايبه هسه).
 
لم أزر الطبيب في حياتي
هي امرأة نباتية تحب الفاكهة والخضراوات فقط، لم تذق اللحوم في حياتها أبدا بكل أنواعها، لكنها كما تقول بأنها طباخة ماهرة لعائلتها، وتبتعد دائما عن تناول جميع أنواع المشروبات المصنعة، كما تبتعد عن الشاي والقهوة، لكنها تحب مشروبات الإعشاب كالنعناع والاسكنجبيل والبلنكو، والبابونج وخاصة في الشتاء لأنها كما تعتقد طاردة للزكام، كما أنها تتعطر بالأعشاب أيضا، كالمسك والعنبر والرشوش، وماء الورد، وحبات القرنفل، لم تذهب يوما إلى الطبيب قط منذ ولادتها إلا بعد التسعين من عمرها حين مرضت بمعدتها استدعى منها مراجعة الطبيب، والمرة الثانية التي ذهبت فيها للطبيب في العام الماضي، أي في (عام 2010) اثر انزلاقها وسقوطها على الارض، مما تسبب في كسر حوضها، لكن الطبيب اعتذر عن علاجها بفعل الشيخوخة، مكتفيا بالمهدئات، تردد أم علي على مسامعنا:-
- (يمه عمري ماشربت حباية ما احب الطبيب ولا الحبوب، ولا الدوه، عندي اعشاب اقرأ عليها دعاء واشربها والله المشافي).

قشور الرمان للشعر الحرير
-هي تعلمت من أمها وجدتها منذ كانت شابة كيفية الاعتناء بالشعر، تخلط شعرها كل أسبوع بقشور الرمان بعد أن تطحنها، تسميه  (دباغ الرمان) لان قشور الرمان كما تظن تحافظ على متانة وقوة ولون الشعر، حتى أن رأسها لا يصيبه الصداع، والوجع  وكل أسبوعين تضع الحناء الأصلية، بالتناوب مع تشكيلة عشبية متكونة من( بعض الزئبق، وجوزة البوة، والقرنفل، وعود الديرم) تطحن معا وتوضع على الشعر، فهي الدواء لشعرها ورأسها معا، ولم تترك هذه العادة إلى الآن.
هي تحب نفسها كثيرا ولا تعد ذلك أنانية منها أبدا، لان الإنسان كما تقول إذا لم يستطع أن يحب نفسه لا يستطيع أن يحب من حوله، وان الذين يكرهون أنفسهم غير قادرين على حب الآخرين.
والحاجة أم علي سمعت ذات يوم أن الملك غازي و الملك فيصل مرا في مدينتها وهرع الناس لرؤيتهما، لكنها لم ترهما أبدا، بينما تروي لنا كيف بكى والدها وعمها حين سمعا بمقتل الملك غازي:
-( ابويه وعمي كانوا دائما يكولون الانكليز همه الي كتلوا الملك، وكنت اسمع منهم اشلون العثمانيين رموا الشباب بالشط واحد وره واحد، لأن كانوا ضد الاحتلال).

حين قطع أبوها ضفيرتها بالفأس
سألت أم علي عن القصة التي يتداولها أهل مدينتها، عن المجندات الانكليزيات اللواتي التقين بها وهي في الحقل مع مجموعة من نساء القرية،ابتسمت ثم بدأت تسلسل الاحداث بذاكرة حاضرة:
- هي كانت بعمر يقارب العشرين عاما، وكانت في المزرعة في موسم حصاد ومعها مجموعة من بنات القرية، ومرت حينذاك امرأتان ومعهما ثلاثة أو أربعة رجال على ما تتذكر، كن يرتدين ملابس تشبه ملابس الرجال، كما تصفهن، ويحملن بأيديهن دفاتر وأشياء أخرى لا تعرفها (زهية)، ولم يسبق لها أن رأت مثلها، تركن الجميع وتوجهن نحوها، تكلمن معها بكلام لم تفهم منه شيئا، لكن الرجل الذي برفقتهن تحدث معها وفسر كلام المرأة الانكليزية، وصفت بريق وجهها بشعاع الشمس، مما جذب انتباهها وجاءت نحوها مسرعة لجمالها، وقد أعجبت بضفائرها الصفراء فقد كان شعر(زهية) اصفر وعيناها ذات لون شديد الخضرة، تقدمت هذه السيدة ووضعت باتجاه وجهها علبة شبيهة بعلبة المعجون ، كما وصفتها، عرفت في ما بعد أنها كاميرا، التقطت لها عدة صور، وحدها ومع مجموعة من بنات القرية ومعها أيضا، قال لها الرجل إن المجندة تقول إنك أجمل ما رأت عيناها، ثم رفعت غطاء رأس (زهية) الذي بانت من تحته ضفائرها، شهقت حين لمست ضفائرها، أمسكتها ومررت أصابعها على طولها، وبحياء سحبت أم علي غطاء رأسها، وأعادته فيما ابتسمت المرأة الانكليزية، وعادت لتصورها بعلبتها المدورة، وهي مستمرة بالحديث دون أن تفهم شيئاً من حديثها، والرجل يشرح لها ما تقول:-

- أنت أجمل امرأة رأتها في العالم منذ جاءت إلى العراق قبل سنتين، وأضاف مازحا :اختارتك ملكة جمال العالم،و حين سمعت بنات القرية صفقن لها وزغردن، ولا يعرفن بالطبع ما الذي يعنيه ذلك، وتوالت عليها القبلات، والانكليزيات أيضا تقدمن وقبلن (زهية)، ثم غادر الجميع، لكنهم عادوا في اليوم التالي وفعلوا مافعلوه في  اليوم السابق، والتقطوا مزيداً من الصور وهم فرحون، لكن هذه المرة قدموا هدية لـ (زهية)، هما قطعتان من القماش، لم تر في حياتها مثلهما، وبعض علب عرفت في ما بعد إنها عطور، ورحلوا ولم ترهم بعد ذلك أبدا، فيما طلبت من بنات قريتها  ألا يصل خبر حديثها مع الانكليز إلى أهلها، لكن البراءة، والدهشة، جعلتا صديقاتها يروين الحادثة لأهلهن، فوصلت إلى أسماع أبيها، الذي كان حازما وقويا، ولم يقتنع بأن ابنته يمكن أن تتحدث مع الانكليز، ولا يفهم بأن مزحة عابرة، جعلت من ابنته ملكة للجمال الذي مساحته قريتها لا غير كما يظن، وعد ذلك عارا يلحق بالعائلة، قام بحبسها في البيت، ومنعها من الخروج، إلى الحقل، ثم اجبرها بعد ذلك على الزواج من ابن خالها، ومع إصرارها على الرفض، ضربها بالفأس على رأسها وقطع بضربته القوية ضفيرتها اليمنى وكادت تموت لولا عناية الله، قبلت الزواج من ابن خالها بضفيرة واحدة!
أنجبت زهية ولدين، كبرا وتزوجا ولم ينجبا قط، خاصة وان الأصغر (علي) تزوج مرتين ولم يرزق بأطفال، استشهد الكبير (عبود)، في الحرب العراقية الإيرانية، ضمن قواطع الجيش الشعبي، واستشهد الثاني، عام 2004 بلعبة أطفال عبارة عن عبوة، تشعر الآن بأن( دارها انطفأت):-تشبك يديها وتردد على مسامعنا، شعرا:
- ( كنت اتهجه طولك لمن اتفوت).
ثم بدأت تتمتم ببعض كلمات نائحة:
- ( طبع بينه الجرح ندعيله حتى ايطيب والك بيه جرح ادعيله مايشفه).

حلم رؤية بغداد أصبح كابوساً
حين سألتها عن بغداد ظل السؤال معلقا بين فكيها الخاليين من الأسنان: تتذكر ذلك كأنه حدث بالأمس، لم يفارق خيالها، تتذكر حين دخلت بغداد لأول مرة بصحبة زوجها لزيارة الإمامين الكاظمين، في الأربعينيات، رأت منظرا بشعا كما تصفه لم تنسه طوال قرن كامل من عمرها ،فقد مرت بهما السيارة الخشبية من أمام ساحة المدينة في وسط بغداد - كما تتذكر- رأت  ثلاثة أو أربعة رجال معلقين بالحبال، من رقابهم على أعمدة خشبية، صرخت لكن زوجها سرعان ما وضع يده على فمها بطلب من السائق الذي صرخ بزوجها:-
- (عمي سكت المره لا تبلينه).
- وبدأ السائق يروي لزوجها حكاية هؤلاء الرجال المعلقين لكنها لا تتذكر ماذا قال، لم تنم حينها ولم تتناول الطعام، وما زال منظرهم يترآى أمام عينيها.

الصندوق العجيب
- تتذكر إنها شاهدت التلفزيزن أول مرة في مقهى المدينة تظن في بداية السبعينيات، كان عبارة عن صندوق خشبي، لونه جوزي، وقفت بعيدا عن مجلس الرجال كي لا يراها احد حياء منهم، صحبها ابنها الكبير لزيارة الإمام الكاظم ووقفت أمام احد المقاهي لمشاهدة هذا الجهاز العجيب، وحين عادت لأهلها بقيت تتحدث عن ذلك لأشهر، أما الآن فهي تشاهد التلفزيون لكنها لا ترغب بما يقدم فيه وتعده جهازا بدون حياء، ورفضت أن تتحدث أكثر عنه.
- تتذكر كل أعوام التعداد العام للسكان واسمها مسجل فيها فقد كانت كبيرة السن في أول تعداد جرى في العراق.
- تعلمت من والديها صرامتهما وقوتهما إلى جانب طيبتهما المفرطة ومحبة الله والأرض والناس.
- ألم تضجري من طول العمر؟ سألتها بشيء من المرارة، لكنها لم تجب هذه المرة تركتني وانشغلت بالتسبيح والدعاء أعتقد أنها تعيش أمسيات ذابلة.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2