تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


في لقاء معه قبل عشرين عاماً أقدم مصلحي الساعات في بغداد


بغداد/ علي ناصر الكناني

وأنا في طريقي لكتابة هذا التحقيق عن الساعات القديمة وأقدم مصلحيها فكرت في أن ألتقي أولاً السيد ناجي جواد الساعاتي الباحث المعروف لتكوين فكرة تاريخية عن أوائل الساعات في العراق ولعل من المفيد هنا


ان نذكر انه ألف العديد من الكتب من بينها كتاب (قصة الوقت) إضافة الى انه كان قد مارس تصليح الساعات في بداية حياته لفترة طويلة لعل ما يؤكد اعتزازه بهذه المهنة التي توارثها عن والده أنه أهدى قبل أكثر من خمسة عشر عاماً مجموعة كبيرة من الساعات القديمة بمختلف أنواعها يزيد عددها على المئة ساعة الى المتحف البغدادي  كدليل محبة ووفاء الى مدينته بغداد..

 وخلال لقائنا به طلبنا منه ان يعطينا فكرة عن أوائل الساعات في العراق فقال:
- أود ان أشير الى ان أول ساعة أهديت من العراق الى شارلمان ملك الإفرنج في زمن الخليفة هارون الرشيد كانت ساعة مائية على شكل إناء فخاري مخروطي الشكل وقد رقمت من الداخل وهي أشبه (بحب الماء) ويقاس الوقت من خلال ارتفاع الماء الى الأعلى وتحتوي على كرة برونزية أشبه بالطوافة فكلما يرتفع الماء تسقط الكرة البرونزية على صينية كبيرة من النحاس فتحدث صوتاً عالياً، ولذلك سميت بالساعة الدقاقة وقد ذكر الدكتور مصطفى جواد بأن ساعة مائية مشابهة لساعة هارون الرشيد قد ثبتت في مدخل المدرسة المستنصرية، أما شقيقه الحاج إبراهيم الحاج جواد الساعاتي مواليد 1901 فلقد حدثنا عن بداياته مع هذه المهنة قائلاً:
- ورثت المهنة من والدي منذ طفولتي في سوق الخفافين وكان يسمى سوق الساعجية وكنت أساعد والدي في تصليح تلك الساعات.

 وماذا عن أشهر الساعات في ذلك الوقت؟
- هناك العديد من أنواع الساعات وأشهرها أم الطمغة (سركيسوف) قسطنطينية أم الجيب وساعة أخرى تسمى (قبطان) و(لونجين)، وتوجد أيضاً ساعات أخرى منها ام الانكر وزينيت ويقال ان صناعة الساعات هي أصلاً في العراق ثم انتقلت في ما بعد الى أوروبا، إنني أمارس مهنتي هذه منذ تسعين عاماً وحتى الآن.

 وكم كانت أجور التصليح آنذاك ومدى دقته؟
- كانت أجور التصليح (بيشلغ) أي درهم ثم صارت الربية فأصبحت أسعار التصليح ربية أي ما يعادل 75 فلساً او ربيتين ثم تعلمت تصليح الكراموفون بعد دخول الاسطوانات الى العراق مما جعلني أترك عمل تصليح الساعات وهناك تشابه نسبي في المسننات بين الكراموفون والساعات وكان يتردد علينا الفنان الراحل محمد القبانجي ورشيد القندرجي وحسن خيوكة وغيرهم ولم ترجع ساعة قمنا بتصليحها حتى الآن وأقصد ان أهم شيء عند الساعاتي هي سمعته، ومن الذين كانوا مشهورين في هذا المجال عمي لطيف الساعاتي وأخي كاظم جواد الساعاتي رحمهما الله وكان عدد الساعاتية قليلاً في بغداد ولعل أحسنهم بلا منازع كان الاسطة (حسين بن جعفر) وطبعا كان ذلك أيام العصملي.

ثم سألنا شيخ المصلحين عن مستوى مهارة ودقة التصليح عند ساعاتية هذه الأيام فقال:
- رغم ان عملنا الآن محصور بتصليح الساعات الكبيرة فقط بسبب كبر السن وشحة مواد التصليح، إلا إنني قمت بتصليح إحدى الساعات التي كانت عبارة عن محبس وكانت مكوناتها صغيرة جداً وأنجزتها بالشكل الصحيح، أما الساعاتية في الوقت الحاضر فهم اقل مهارة واقل صدقاً في القول والعمل، ومن الطريف انه كان في السابق ان صاحب الساعة يسأل عن أخلاق الساعجي أولاً ليطمئن على دقة التصليح.
وكان سعر الساعة بين ليرتين الى 30 ربية (لأم الطمغة)، ورغم ان نوعية ساعات اليوم هي أضبط من السابق ولكن دقة الساعة القديمة تثيرني نماتها لأنها تذكرني بأيام الشباب، ومرة قمت بتصليح ساعة الإذاعة عندما أصابها عطل قبل 40 سنة وتم تصليحها باليوم نفسه، وأود أن أذكر لك ان أقدم ساعة عندي عمرها يتجاوز الـ (150) سنة وان ساعة القشلة هي أقدم ساعة في بغداد وذلك في زمن مدحت باشا حيث كان الناس يضبطون ساعاتهم عليها او على ساعتي الحضرتين الكاظمية والكيلانية، وأتذكر مرة إنني قمت بتصليح ساعة جدارية تعود الى الملك غازي ورفضت أن اخذ أجراً على عملي.

ثم انتقلنا بالحديث الى مصلح قديم آخر هو الحاج فاضل جودي مصطفى من مواليد عام 1923 والذي حدثنا هو الآخر قائلاً:
- زاولت مهنة تصليح الساعات منذ عام 1936 وكنت آنذاك تلميذا في المرحلة الابتدائية ثم اشتغلت فيما بعد مع شخص يدعى أبو داود وكان هناك شخص آخر يدعى يوسف إبراهيم الذي كان مسؤولاً عن استيراد الساعات الى العراق ثم انتقلت الى بيت عبدو وأعلى أجر تقاضيته ذلك الوقت كان (400) فلس وكان سعر الزمبلك لا يزيد على عشرة فلوس.

وما أطرف ما مر بك خلال عملك في هذه المهنة؟
- مرة قمت بتصليح ساعة احد الأشخاص وترك عندي كيساً كان يحمله على انه سيعود بعد قليل ليدفع لي الأجرة فأخذ الساعة ولم يعد وعندما تفحصت الكيس وجدته مليئا بالحجارة! ومرة جلب لي الشاعر المعروف عبد الرحمن البناء ساعته فارتجل بحقي أبياتاً من الشعر قال فيها:
ساعات أوقاتي غدت مضبوطة
في ساعاتي ودقائق الساعات
حتى الثواني قد علت دقاتها
بندى جميل فاضل الساعاتي
ويحق لنا الفخر هنا أن نذكر أن المرحوم عبد الرزاق محسوب الاعظمي كان من المبدعين الأوائل في صناعة الساعات الذين علينا ان نتذكرهم دائما فهو الذي كان وراء صناعة ساعة الإمام الأعظم في زمن الملك فيصل الأول في العشرينات ومن بين من كانوا يترددون علينا أيام زمان من الشخصيات الأدبية والسياسية المعروفة الملا عبود الكرخي ومعروف الرصافي والقبانجي.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2