تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


النساء المعاقات في العراق.. واقع مأساوي ومصير مجهول


 

الموقف الذي تعرض له المواطن علي حيدر كان بمثابة نهاية لحياته الزوجية بسبب تعرض زوجته لحادث انفجار سيارة مفخخة.. علي الذي يعمل سائق سيارة أجرة والبالغ من العمر 44 عاماً كان يقود سيارته المحملة بأفراد أسرته في أحد شوارع العاصمة بغداد وفي طريقهم حدث انفجار.. زوجته، التي كانت تجلس في المقعد الأمامي للسيارة تأثرت في الانفجار بصورة كبيرة، 

 


 

نرجس/ ابتهال بليبل

      / أسماء عبيد

 

ولم يتمكنوا سوى إنقاذ جزء من جسدها بينما تعرض الجزء الآخر لعمليات جراحية، على أثرها أصبحت امرأة معوقة تجلس على كرسي متحرك. في العراق، هناك ما يقرب المليوني معاق وربما أكثر، هذا الارتفاع المفاجئ كان بسبب أعمال العنف التي شهدتها البلاد بعد عام 2003 وسوء الأوضاع والخدمات الصحية المقدمة، والتي لم يطغى بسببها على الجهات الحكومية أي قلق يذكر لما تعانيه هذه الشريحة من المجتمع العراقي وتحديداً النساء، حيث معاناتهن أكثر من الرجال ولأسباب عديدة أهمها: التقاليد العشائرية التي تميز بها المجتمع العراقي، فالمرأة المعاقة في منظور العشيرة وجودها أقرب إلى العار الذي يلحق بأسرتها، فلا يسمح بخروجها أو إطلاع الآخرين عليها أو حتى تلقيها العلاج، وتحبس دائما في زاوية من البيت أو في غرفة منعزلة خوفاً منها لا عليها.  سوء المعاملة أو الاستغلال ويبدو أن القلق يتفاقم إزاء الظروف الصعبة التي تواجهها المرأة المعاقة من خلال تعرضها لأشكال متعددة ومتفاقمة من التمييز على أساس الجنس والملكية، أو السن أو الثقافة أو أي وضع آخر، حيث تعترف العديد من النساء والفتيات من ذوات الإعاقة في أن حياتهن في خطر دائم ومصيرهن مجهول، سواء داخل البيت أو خارجه بسبب الإهمال، والعنف، أو الضرر والإساءة بأشكالها كافة أو المعاملة المنطوية على سوء المعاملة أو الاستغلال، رغم الحاجة إلى الإدماج لتعزيز التمتع الكامل بحقوق الإنسان والحريات الأساسية للمعاقين. وتؤكد العديد منهن أنهن يواجهن عددا لا يحصى من العقبات المادية والاجتماعية، وافتقارهن إلى فرص العمل (والتي عادة ما تكون من بين أكثر فئات المجتمع تهميشا).. من جهتها عبرت نور حسين بأنها تواجه عوائق تحول دون المساواة الكاملة مع اقرأنها في مرحلة الدراسة الجامعية،  بسبب قامتها القصيرة، لافتة إلى أن استمرار هذه الحواجز تجعلها ضحية للتمييز كونها امرأة من ذوي الاحتياجات الخاصة، مشيرة إلى أنها تتعرض يومياً إلى سماع الكثير من التعليقات والكلمات والتي وصفتها بالنابية والجارحة. وترى حسين أن المجتمع لا يستوعب وجود امرأة قصيرة القامة في ما بينهم ويعاملها وكأنها أقل مستوى منهم، أو كائن غير مرغوب فيه.  تقارير ومصادر دولية ومحلية الصراعات المسلحة والطائفية في البلاد خلقت أرقاماً عالية من اللاجئين والمشردين والغالبية العظمى من هؤلاء من النساء والأطفال، وعالمياً فإن تقديرات الأمم المتحدة الحالية تؤكد أن هناك ما لا يقل عن 35000 من المدنيين الذين يقتلون كل عام، وهناك آلاف من الأطفال والنساء فقدوا أعضاء من أجسادهم، إضافة إلى الصدمات العاطفية، وإصابات الحبل الشوكي والدماغ، وفقدان القدرة على الرؤية والسمع بسبب العصف والألغام الأرضية وغيرها من المتفجرات. في المقابل فقد أكدت دراسة أعدتها منظمة اليونيسيف عن تأثير النزاعات المسلحة على النساء والأطفال، لافتة إلى أنهم في حاجة عاجلة لخدمات التأهيل، بما في ذلك المساعدات التقنية والتكنولوجيا الملائمة، واللافت أن هناك ورشة عمل دولية عن «الأطفال والنساء والألغام الأرضية» أعطت للزوجة المعاقة شهادة بأن حياتها الزوجية قد انتهت يوم أصيبت بالعوق، بسبب عزل هؤلاء النساء عن أسرهم ومجتمعاتهم المحلية، وتدمير مستقبلهم، وروت نفس المصادر بأن المجتمع لا ينظر إلى المرأة المعاقة باعتبارها زوجة أو احتمالية أن تصبح أماً في المستقبل، ومحاولة إبعادها عن المجتمع، على الرغم من حاجة هذه المرأة إلى المساعدة للانضمام إلى هذا المجتمع. ولأن العوق بسبب حوادث الانفجارات جزء من المشهد المعتاد في العراق، فإن التقارير الدولية تشير إلى أن أغلب الدول الموقعة على اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق ذوي الإعاقات تهدف إلى ضمان حقوقهم ودمجهم مع المجتمع لا تلتزم ببنود هذه الاتفاقية ومن بينهم العراق. وتقول التقارير التي أعدتها منظمات إنسانية محلية إن كثيرا من المعاقين يعانون اضطرابات نفسية باتت تؤثر على علاقتهم الأسرية، وأنهم يجدون أنفسهم فجأة وقد تحولوا إلى عالة على عوائلهم بعد أن كانوا يعيلونها فيتحولون إلى الغضب الدائم من كل شيء. كما أثبتت آخر الدراسات التي قامت بها وزارة الصحة بالتعاون مع منظمة المعوقين الدولية وممثلي وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، أن عدد المعوقين في العراق بلغ أكثر من مليون شخص تتراوح شدة إعاقتهم بين العجز الكلي والمحدود، وان عدد معوقي الحرب المنسوبين إلى هيئة رعاية معوقي الحرب بلغ ( 43600) مصاب منهم (5600) من ذوي العجز الكلي، فيما بلغ عدد المبتورين (100) ألف تقريباً، أما عدد المكفوفين في الوقت الحاضر فبلغ أكثر من (100) ألف، في حين يقدر عدد المهددين بالعمى وضعف البصر بنحو (205) آلاف. إن هذه الأعداد الهائلة في بلد لا يزيد عدد نفوسه على (27) مليون نسمة، هي نتيجة مباشرة للحروب والقمع السياسي الذي تعرض له العراق. فيما تؤكد وزارة الصحة بأنها لا تمتلك سوى 21 مركزاً لإعادة التأهيل و12 ورشة للأطراف الصناعية ولا تستطيع افتتاح المزيد لأنها تفتقر إلى الأطباء والفنيين. وأشارت إلى أن ربع الأشخاص الذين يحتاجون إلى أطراف صناعية فقط هم الذين يحصلون عليها لأن المواد الخام غير متوفرة.  حياة المرأة المعاقة عن غيرها وحقيقة الأمر أن الوضع الحالي بالنسبة إلى النساء المعاقات في العراق، هو أسوأ السيناريوهات الممكنة، وضع تصفه المعاقة أنوار علي بالمعيب لبلد يطفو على بحيرة من النفط، لافتة إلى معاناتها التي بدت وكأنها أزلية بسبب عوقها وعدم استطاعتها العيش كباقي البشر، مشيرة إلى أن المعاق في جميع دول العالم العربي والغربي يتلقى دعماً واهتماماً كبيرين بينما في العراق لا يعد المعاق من بين البشر. في المقابل، كانت نغمة حديث المعاقة زهراء محسن تتسم بنوع من التحسر وهي تسرد حكايتها فتقول: إنه لأمر معيب أن يتطلب من أسرنا التحفظ على أشياء تريد قولها عن أحد أفرادها أن كان معاقاً، وتحديداً المرأة المعاقة، فالمرأة المعاقة تجلب العار لعائلتها، ووجودها يتطلب الحذر، حيث تعتبر أغلب العوائل العراقية أن المعاقة نقطة ضعف يمكن استغلالها من قبل الآخرين، كونها لا تستطيع الحفاظ على نفسها أو الدفاع عنها، وتواصل حديثها بإطناب عن قضايا تراوحت بين المطالب التي تعتقد أن على الحكومة توفيرها للمرأة المعاقة وبين مشاعرها تجاه الآخرين وعدم تقبلهم فكرة اندماج المرأة المعاقة في المجتمع، مشيرة إلى أن الفتاة الشابة المعاقة لا تمتلك أحلاماً كباقي الفتيات،على الرغم من أنها تمتلك مشاعر وتحب وتعاني، متسائلة من يفكر في الارتباط والزواج من امرأة معاقة، ألا يجدر بحكومتنا أن تتبنى قضيتنا ووضع ما يميز حياة المرأة المعاقة عن غيرها؟  الجنس والإعاقة في الواقع، خلال السنوات الماضية التي سادت القيود فيها رغم الانفتاح الكبير الذي شهدته البلاد، كانت المرأة المعاقة معزولة، ونظام حياتها أصبح معقداً وغير شفاف لدرجة أن الكثير من النساء المعاقات لم تكن لديهن أي فكرة عن القيمة الحقيقية في الحياة، بل لم يكن لديهن أي حافز للتحدي وإثبات الذات، لتكون المرأة المعاقة كائناً يعيش على هامش الحياة ويرفض الاندماج مع المجتمع. وعلى ما يبدو أن المعاقات بمختلف أنواع إعاقاتهن في بلادنا قد استسلمن للوضع القائم، وبتن حبيسات لكرسي متحرك بداخل المنزل.. فلن نسمع عن معاقة قدمت اختراعاً أو ابتكاراً علمياً جديداً، ولم نر واحدة من المعاقات في بلادنا، كان لها نشاط كباقي النساء المعاقات عربياً وعالمياً، النساء المعاقات معرضات للخطر والتمييز أكثر من الرجال المعاقين الكثير التركيز على الآثار السلبية للمرأة كالحواجز الثقافية التي تجعل منهن ضحايا التمييز، فالكثيرين اهتموا بقضية التمييز ضد المرأة، ولكن القليل جدا  طرح قضية النساء المعوقات، ووضعت بعض المحاولات في هذا الأمر على نهج خاطئ، لأنها تعالج مشكلة  الإعاقة كجزء من الموضوع عام وهو التمييز ضد المرأة، على الرغم من أن هناك عاملين منفصلين وهما الجنس والإعاقة إلا أنهما اجتمعا في امرأة واحدة.. إذ تقول المعاقة نورا سعد بأنها تواجه صعوبات كثيرة منها: لا تستطع العمل، مشيرة إلى أن المرأة المعاقة تلاقي التمييز في هذه الفقرة مع الرجل المعاق وينظر إليها من منظور الجنسين، حيث أن الرجل المعاق يمتلك عملاً على عكس المرأة المعاقة فلا أحد يفكر في توظيفها، هناك عدم تكافؤ في الحصول على فرص التدريب والعمل وعدم تكافؤ فرص الحصول على القروض والموارد الإنتاجية الأخرى، وعدم المساواة في الأجر عن العمل المتساوي، والعزل المهني، وأنها نادرا ما تشارك في صنع القرار الاقتصادي. وبغض النظر عن كل شيء، ففي بلادنا يتم توظيف المرأة المعاقة بمعدلات أقل بكثير من الرجال المعاقين، وكذلك فإن الفتيات لديهنَّ فرص أقل للحصول على التعليم، والمراهقات المعوقات لديهنَّ فرص أقل للاختلاط أو تلقي توجيهات حول تخطيط مستقبلهن، والأمر مماثل بالنسبة للبالغات حيث فرص تأهيلهن وحصولهن على الخدمات أقل أو تكاد تكون معدومة من حيث إدخالهن في برامج التدريب أو في سوق العمل، بالإضافة إلى ذلك، وخلافاً لغيرهن من النساء غير المعاقات فلديهن فرصة ضئيلة للزواج أو الحصول على الإرث الذي يمكن أن يقدم شكلاً  من أشكال الأمن المالي لهن.  التمييز والاندماج في المجتمع وتعتقد الدراسات المطروحة على الفتيات المعاقات، أنهن لم يستفدن من التعليم، لان تعليم المعاقات قد لا يؤدي إلى مشاركتهنّ في المجتمع بما في ذلك العمل، فالتقارير الواردة كان التركيز الرئيسي فيها بخصوص المرأة المعاقة على الحالة القاتمة في العمل، كما أن تنامي ظاهرة تنمية الأعمال التجارية الصغيرة كان من قبل رجال الأعمال المعاقين فقط، على الرغم من أن التقارير أفادت بأن إدارة الأعمال من قبل المرأة المعاقة أفضل بكثير من الرجل المعاق. تقول الناشطة بحقوق المرأة فريال علي: المرأة العاجزة في أي مجتمع يعني ذلك التبعية والضعف، وعدم الإنتاج وبالتالي فقد أظهرت الدراسات أن النساء المعاقات اللواتي لم يتمكنَّ من اختراق أسوار التمييز والاندماج في المجتمع أو مع جماعات الدعم مثل أقرانهم، كالانتماء إلى منظمات فاعلة على الصعيدين المحلي والدولي، لتمكين الفتيات والنساء المعاقات في دعم بعضهن البعض من خلال الجهود المبذولة للانضمام بعدها إلى العالم. وناشدت الناشطة الجهات الرسمية بالالتزام بقوانين الدستور العراقي ووفقاً للمادة 32 التي تنص على أن (ترعى الدولة المعاقين وتكفل اندماجهم بالمجتمع ويصدر ذلك بقانون).. لضمان حق المعاقين في العراق وتأسيس هيئة مختصة لهم، كما أكدت ضرورة الالتفات لمعاناة أسرهنَّ في توفير احتياجات أبنائها المعاقين وإطلاق رواتب النساء المعاقات، لافتة إلى أهمية زيادة الراتب الشهري المخصص لهن لما يتناسب مع تلك الاحتياجات. وتضيف: على الدولة أن توفر مراكز ترفيهية وخدمية وفرص عمل للمعاقين واندماجهم مع المجتمع ليشعروا بأنهم لا يفرقون عنهم، مطالبة بتوفير خطوط الانترنيت مجانية لذوي الاحتياجات الخاصة حتى يتواصلوا مع العالم ويشعروا بوجودهم.  ضغوط تشريعية وسياسية واجتماعية وفي مناخ مشابه أكدت المستشارة القانونية جنان كريم بقولها: في مجتمعنا هناك ضغوط تشريعية وأحياناً سياسية واجتماعية لمنع ولادة أطفال معاقين، لحرمان المرأة من حقها في إنجاب الأطفال، وتشجيع القتل الرحيم وكأنه «خيار» كرسه المجتمع لذوي الإعاقة، وبذلك نجد أن المرأة المعاقة  تتعرض للعقم القسري، أو إلى ضغوط اللجوء إلى الإجهاض ورفض الرعاية الصحية المناسبة أو مساعدتها أثناء الحمل والولادة.  العنف والأمية أما من ناحية العنف، فالباحثة الاجتماعية ابتسام طارق ترى أن العنف الجسدي والجنسي ضد الفتيات والنساء المعاقات يحدث بمعدلات تنذر بالخطر داخل الأسر والمؤسسات، بل وفي جميع قطاعات المجتمع، كما أن المرأة المعاقة لا يمكنها الدفاع عن حريتها وحقوقها كفرد في المجتمع وتعالج هذه القضية ما لم تنتم إلى منظمات مدنية تتبنى من خلالها الدفاع عن نفسها من المقررات والضغوط الحالية، والضغط من أجل أن توفر الجهات المعنية ملاجئ تقدم خدمات للنساء المعنفات. وتلفت طارق إلى قضية مهمة والتي تعتبر شكلاً من أشكال العنف ضد المرأة وتخلق العجز وهي قضية (الختان) للإناث المعاقات، والتي يمكن أن تسبب العقم والعجز الجنسي والكثير من الحالات الخطيرة الجارية حالياً. وتتابع طارق حديثها بالقول: النساء يشكلن أكثر من 65٪ من الأميين في العالم وهناك حوالي 600 مليون امرأة لا تعرف القراءة أو الكتابة، وترتفع هذه النسبة إلى 85٪ عند المرأة المعاقة، وقد أكدت الدراسات الحديثة لليونسكو أن هناك حوالي 1-2 ٪ من الأطفال المعاقين في البلدان النامية تلقوا نوعاً معيناً من التعليم، والمتعارف من هذه الدراسات الميدانية أن الأولاد المعاقين يلتحقون بالمدارس بشكل أكبر من البنات المعاقات. كما أكدت هذه الدراسات التي قدمت من خبراء الأمم المتحدة حول المرأة والإعاقة، فإنه لا تزال هناك قاعدة في العديد من البلدان في أن الفتاة المعاقة عاجزة ودائماً ما تشق طريقها الوحيد في حياة التسول في الشوارع من أجل البقاء. فالمواطنة عبير ناظم ترى أنها دائما ما تشاهد المرأة المعاقة والطاعنة في السن تمتهن التسول في الأسواق المحلية والشوارع الرئيسية، لافتة إلى ضرورة احتضان هذه الشريحة من النساء، في المقابل ترد الباحثة الاجتماعية ابتسام طارق على قضية تسول النساء المعاقات وتحديداً الطاعنات في السن يعود إلى الإهمال الذي تتعرض له هؤلاء النساء من قبل عوائلهن، فهناك الكثير من الأبناء يرفضون الاهتمام بوالدتهم المعاقة ويتملصون من رعايتها، فلا تجد هذه المرأة غير التسول، وبالطبع أن للبيئة التي تحيط بهذه العائلة دوراً كبيراً في بناء نظرة معينة لهذه القضية. وعن الجهات المعنية، فإن ما تقدمه من منح مالية كل ثلاثة أشهر يعتبر شيئاً مخجلاً، ولا يفي بالغرض.. فالمعاقة مي محمد فاضل تعاني معاناة كبيرة عند مراجعتها لتسلم راتب الرعاية الاجتماعية فتقول: لم توفر الدولة للمعاقين أي وسيلة يستطيعون من خلالها الاندماج في المجتمع، وأبسطها قضية تسلم الراتب والذي يبلغ (150) ألف دينار عراقي كل ثلاثة أشهر، وتكمن المعاناة في الزحام الحاصل في تلك الدوائر في أيام توزيع رواتب المعاقين، إضافة إلى وجود معاناة أخرى للمرأة المعاقة على حد قول مي وهي عدم استطاعتها مراجعة دوائر الدولة لاستكمال المعاملات، فلا توجد مدرج خاص للمعاقين ولا سيارات تقلهم ولا حتى أماكن للجلوس أو الانتظار. وتشتكي أم علي والدة المعاقة نادية والتي لم يتجاوز عمرها الخمسة أعوام، من ضعف حالتهم المادية فتقول: الراتب الذي أحصل عليه من الرعاية خصصته لشراء (الحفاظات الداخلية) لطفلتي، مستغربة من كونه لا يكفي لأي شيء تحاول شراءه لطفلتها.  بطالة النساء المعاقات يبلغ 100٪ من جهتها عبرت الناشطة بحقوق المرأة لمياء محمود بقولها: واقع لا مفر منه في أن معظم النساء ذوات الإعاقة يعانين الفقر، فهناك مقولة تقول أن المرأة المعاقة هي أفقر الفقراء في جميع أنحاء العالم، حيث أن معدل بطالة النساء المعاقات يبلغ 100٪، مشيرة إلى أن المرأة المعاقة تعاني نسبة عالية من الإساءة - الجسدية والعاطفية والجنسية- حيث تم تعطيل الكثير من النساء بسبب ممارسة ختان الإناث المعاقات، إضافة إلى أن الدعم والخدمات للأم المعاقة تقريبا غير قابل للوصول إليها أو غير موجود، كما أن الكثير من الأطباء يجدون صعوبة في التعامل مع المرأة بالنسبة للحامل المعاقة. وتلفت محمود إلى أن الطفلة المعاقة تواجه عوائق إضافية، وتحتاج إلى ضمان عدم التمييز والتمتع بجميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية وفقاً للقواعد الموحدة بشأن تحقيق تكافؤ الفرص للمعاقين، والفتيات والنساء من جميع الأعمار الذين يعانون أي شكل من أشكال الإعاقة هي من بين الأكثر ضعفاً وتهميشاً في المجتمع، هناك حاجة إلى أن تراعى وتعالج اهتماماتهن في جميع عمليات صنع السياسات والبرمجة ووضع تدابير خاصة على جميع المستويات لدمجهم في التيار الرئيسي للتنمية، كما أن الحجج التي تسوق لصالح المشاركة الكاملة للمرأة في مختلف مجالات الحياة الثقافية والسياسية والاقتصادية وغيرها، قابلة للتطبيق على نحو مضاعف للمعوقات، ليس فقط في ما يتعلق بالحقوق المتساوية، ولكن أيضا في ما يتعلق بالآثار السلبية للمجتمع من حيث إهمال الموارد البشرية، لعدم استخدامه من قبل هذا المجتمع وتحويله إلى عبء.  البقاء على قيد الحياة أما من الناحية الطبية فقد أكدت الدكتورة أمل نادر – اختصاص جملة عصبية بأن الإناث من ذوي الاحتياجات الخاصة أعلى معدل في الوفيات من الذكور المعاقين. على سبيل المثال، البحوث والدراسات تشير إلى أن عدد الإناث المصابات بشلل الأطفال ضعف عدد الذكور، أن مثل هذه الدراسة تدعم مراقبة واستجابة العائلة في أن تكون أكثر جدية لمرض أو لإعاقة أطفالها من الذكور وتقديم الخدمات الطبية والصحية، إضافة إلى ذلك، عندما تقترن الممارسات التقليدية في كثير من الأحيان فإن الطفلة المعوقة تعاني دائماً  سوء التغذية والأمراض والعاهات التي تهدد حياتها، ولأن مجتمعنا يفضل – الابن على البنت -  ثقافياً، والفتيات، وخاصة الفتيات من ذوي الإعاقة، يكنّ بحاجة إلى المساعدة في البقاء على قيد الحياة والحصول على نوعية أفضل من الحياة. وترى الدكتورة نادر أن الكثير من النساء المعاقات لا يتلقين أي علاج طبيعي، بسبب النظرة العشائرية، كما يمنع عرضها على طبيب متخصص، ناهيك عن المعاناة الأزلية في توفير ملاكات نسائية عاملة في مجال العلاج الطبيعي للمرأة المعاقة. لكنه من الواضح إن المرأة المعاقة لا تزال تكافح للتخلص من إرث رماه المجتمع وراء ظهره منذ زمن بعيد.. فبالمقارنة مع الرجل المعاق فإن المجتمع متهم بالتأخر والجهل، والقمع للمرأة المعاقة وظل متردد في قبول أي مسؤولية عن دورهم في ما يحصل، في المقابل فإن المرأة المعاقة تجد نفسها ضحية.  منظمة صوت المرأة المستقلة تتبنى الدفاع عن حقوق المعاقين أطلقت المعاقات في العراق صرخة مدوية للمطالبة بحقوقهن ورفع الحيف الذي لحق بهن ومنحهن رواتب مجزية ونسبة من الوظائف الحكومية المناسبة لضمان العيش الكريم لهن. جاء ذلك ضمن فعاليات مؤتمر المرأة المعاقة الذي عقدته منظمة (المرأة المستقلة) في نادي الصيد العراقي تحت شعار (لن نستسلم ولن ننحني أمام قسوة وتجاهل المجتمع)، حيث طالبت المعاقات بتغيير نظرة المجتمع إليهن وزيادة الراتب الممنوح للمعاقين كونه لا يسد رمقهم ليومين أو ثلاثة إذ يحصلون على مبلغ 50 ألف دينار فقط يفترض أن تكون شهرية إلاّ ان تسلميها لهم يتأخر شهرين أو أكثر، كما طالبن بتخصيص نسبة من الدرجات الوظيفية الحكومية لهن وتوزيع الكراسي عليهن وللمعاقين عموماً مجاناً لارتفاع أسعارها في السوق المحلية.  إقرار قانون وإحصاءات مرتقبة النائبة صفية السهيل أكدت عن قرب مناقشة وإقرار قانون رعاية المعاقين في العراق من قبل البرلمان خلال مدة لا تتعدى الشهر الواحد، فيما طالبت وزيرة شؤون المرأة بضرورة إجراء مسح سكاني لإحصاء عدد المعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة بشكل دقيق. وأوصى المؤتمرون - في غياب وزيري العمل والشؤون الاجتماعية وحقوق الإنسان الأمر الذي أثار استياء المشاركين والمعاقين منهم خصوصاً - بالمطالبة بإقرار قانون ذوي احتياجات الخاصة والتوقيع على الاتفاقية الدولية الخاصة بذلك التي وقعت عليها 139 دولة من بينها 16 دولة عربية  وتخصيص نسبة من فرص العمل للمعاقين في دوائر الدولة كافة في مهن يمكن القيام بها ولا تحتاج إلى جهد، والمطالبة بتشكيل الهيئة العليا للمعاقين وتوزيع الكراسي عليهم مجاناً وإعداد برامج تلفازية مختصة بشؤون المعاقين ومعاناتهم وعرض إنجازاتهم وإبداعاتهم، إضافة إلى المطالبة برواتب مجزية لأفراد هذه الشريحة ومراعاة وضعهم الخاص عند تخطيط الشوارع والمدن لتسهيل استخدامهم الطرق. وطالبت السيدة (لامعة طالباني) رئيسة منظمة (صوت المرأة المستقلة) في كلمة الافتتاح الرئاسات الثلاث بالالتزام بالمواثيق والاتفاقيات الدولية الخاصة بذوي الإعاقة والتوقيع على الاتفاقية الدولية للمعاقين التي دخلت حيز التنفيذ في أيار/2008 لجعلها منهجاً ومرجعاً في رسم سياسات الدولة لحل هذه المشكلة وأيضاً تشريع قانون وطني خاص يتواءم مع الاتفاقية الدولية وتخصيص جزء كبير منها حول حقوق المرأة المعاقة على أن تشارك الأخيرة في صياغتها. فيما أكدت وزيرة شؤون المرأة (ابتهال الزيدي) أن نسبة البطالة بين المعاقين تبلغ ثلاثة أضعاف نسبة البطالة في العراق، داعية إلى إجراء مسح سكاني عام لوضع قاعدة بيانات دقيقة عن أعداد المعاقين من ذوي الاحتياجات الخاصة وتغيير سياسات الدولة بشأنهم على أساس نتائج المسح، كما طالبت بتفعيل المادة (32) من الدستور التي تنص على رعاية الدولة للمعاقين وأيضاً تفعيل عمل دائرة ذوي الاحتياجات الخاصة في وزارة العمل والشـــؤون الاجتماعيــة وتشكيــل نقابــة باسم (متَحَدي الإعاقة) تضم المعاقين الذين يتحدون عوقهم والناشطين من منظمات المجتمع المدني. وشددت ممثلة رئاسة مجلس الوزراء وزير الدولة (بشرى الزويني) على أهمية الإسراع بإقرار قانون رعاية المعاقين بشكل عاجل.  المعوقون: هناك من يتلاعب بحقوق المعاق ورفضت المعاقة (نادية علي) التي ألقت كلمة القيادية المعاقة أن تتصدق الحكومة على المعاقين بمبالغ زهيدة مخجلة لا تسد رمقهم ليوم أو يومين ولا تغطي تكاليف شراء كرسي متحرك لمن يحتاجونه، وقال بغضب: «اشتريت من السوق المحلية كرسياً بمبلغ 225 ألف دينار ربما أنا استطعت شراءه ولكن ليس بإمكان الكثير من المعاقات والمعاقين شراءه بهذا السعر فما هو دور الدول إذن إذا لم تأخذ على عاتقها توفير أبسط متطلبات المعاق»، وأكدت «توفير الحكومة للكراسي المتحركة فإنها غالباً ما تكون ذات نوعية رديئة، إذن هناك من يتلاعب بحقوق المعاق، كما يوجد فساد إداري بهذا الخصوص». وعرضت المعاقة (لمياء) معاناتها قائلة: أعيش مع والدتي وأضطر للعمل في الجمعيات والورش لتنفيذ أعمال يدوية على القطعة وكثيراً من الأحيان لا يوجد عمل فلا أملك أجرة باص النقل، وتساءلت حول إمكانية تعيين المعاقين ممن عملوا سنوات طويلة في تلك الورش والجمعيات على ملاك عدد من دوائر الدولة والشركات التي لديها ورش مماثلة. في ما دمعت أعين الحاضرين لقصة المعاقة (عذراء) المتزوجة من معاق وشقيقة زوجها أيضاً معاقة وهي تعمل في جمعية للحياكة والأشغال اليدوية على القطعة وقالت ربما يقع الطلاق مع زوجها بسبب ضعف الحالة المادية.  أربعة ملايين معاق في العراق وكانت هيئة رئاسة المؤتمر المؤلفة من (غادة العاملي وسعاد الجزائري وبان عبد اللطيف ممثلة عن شريحة المعاقين) قد افتتحت المؤتمر بتأكيد العاملي على وجود أربعة ملايين معاق في العراق من أصل 650 مليون حالة إعاقة في العالم، مشيرة إلى مفارقة أن الدول التي تدعي الديمقراطية وهي أمريكا وإسرائيل وكندا واليابان واستراليا لم توقع على الاتفاقية العامة لرعاية المعاقين. ومن جهته أوضح وكيل وزارة حقوق الإنسان سبب عدم حضور الوزير للمؤتمر نظراً لانشغاله بعمل رسمي، مؤكداً أن ذلك لا يعني عدم اهتمامه بشريحة المعاقين، مشيراً إلى عدم وجود تصنيف خاص بالمعاقين في استمارة التعداد العام للسكان المزمع إجراؤه لتفيد الوزارة في وضع برامج وخطط مستقبلية للمعاقين. وفي مداخلة لممثلة وزارة الصحة أوضحت أن الوزارة تهتم بالمعاقين وتعقد ندوات ومؤتمرات بها الخصوص ولديها مركز متخصص لصناعة الأطراف والمساند. وطرحت الدكتورة (إيمان عبد الأمير) الأستاذة في كلية التربية الرياضية بجامعة بغداد معاناة وإنجازات المرأة الرياضية المعاقة في كلمة استعرضت فيها إنجازات النساء المعاقات المنخرطات في الفرق الرياضية وحصولهن على ميداليات في بطولات دولية. وفي الإطار ذاته أكدت الرياضية المعاقة (ذكرى) أنها تشعر بالفخر لأنها وزميلاتها تمكن من رفع علم العراق في المحافل الرياضية الدولية مرات عدة والعلم (لا يرفع إلاّ لرئيس دولة) على حد تعبيرها. وتناولت (أريج صبري) من مديرية تربية الكرخ الثانية/ النشاط المدرسي التابعة لوزارة التربية بنود الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وقدمت شرحاً مفصلاً عنها. وفي ختام كلمتها تساءلت: لماذا لم يوقع العراق على الاتفاقية لحد الآن ألا يوجد معاقون في العراق؟ وكان للصم والبكم كلمتهم ألقتها عن جمعية (العوق الفيزياوي) كل من ريزان عبد القادر ومريم سعد وعرضتا معاناة وظروف الصم والبكم والمطالبة بضمان حقوقهم وتوفير فرص العلاج لهم مجاناً. وألقت السيدة (مواهب) رئيسة منظمة (البصيرة) قصيدة مؤثرة تعبر عن معاناة المرأة التي فقدت نعمة البصر ومن ثم ألقت المحامية البصيرة (نغم جبار) كلمة المنظمة مطالبة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بتخصيص نسبة من مقاعد الدراسات العليا لشريحة المعاقين وتقديم إعانات لطلبة الكليات والمعاهد منهم لمساعدتهم على إتمام دراستهم ورفع مبلغ رواتب المعاقين وجعله في الأقل 100 ألف دينار شهرياً على أن يوزع بانتظام، وشددت على ضرورة تخصيص منازل للمعاقين من كبار السن وسن قانون بدل الإعاقة أسوة بالدول المتقدمة وتخصيص ورش عمل حرفية للمعاقين من قبل الدولة. وأكد الدكتور (توفيق عبد الحسن) رئيس جمعية إنقاذ ذوي العوق السمعي والبصري في العراق أن المعاق العراقي أقوى من المعاقين في كل دول العالم وأكثر تحدياً لإعاقاتهم والإنجازات التي حققوها في مختلف المجالات دليل على ذلك، مشيراً إلى وجود 75 ألف كفيف وكفيفة في العراق وأن 93 ألف طفل في العراق في طريقهم إلى فقدان البصر إذا لم تتم معالجتهم بسرعة وتساءل : ما هو دور وزارات الصحة والتربية والدولة عموماً بهذا الخصوص؟ وحضرت الدكتورة (علا كمال) رئيسة قسم الأطراف والمساند في المعهد الطبي التقني في باب المعظم جانباً من المؤتمر ووعدت  بالمشاركة الفعالة في المؤتمرات المقبلة ببحوث متخصصة بهذا المجال إذا ما تم توجيه دعوة رسمية للمعهد أو إلى هيئة التعليم التقني، ومن جهتها دعت مسؤولة إعلام هيئة التعليم التقني للمعاقين من فاقدي الأطراف وممن يحتاجون إلى المساند إلى مراجعة المعهد المذكور كونه يقوم بإجراء الفحوصات الطبية لهم مجاناً ويزودهم بالأطراف والمساند الصناعية بأسعار مناسبة جداً وبدعم من رئاسة هيئة التعليم التقني والصليب الأحمر الدولي. وتضمنت فعاليات المؤتمر عزفاً منفرداً على العود لأحد الفنانين الشباب ومعرض لوحات تشكيلية للفنان المعاق (عاصف عامر) الذي أقام المعرض على نفقته الخاصة برغم الكفاف وقد شكا إلينا أنه حصل على مكافأة من رئيس الوزراء، وكان لبعض الوجوه الفنية والاجتماعية البارزة حضور لافت لدعم صرخة المعاقات والمطالبة بضمان حقوقهن ومن بين الضيوف كانت الفنانة المبدعة فاطمة الربيعي والمخرجة رجاء كاظم والمهندسة هيام الخزاعي من سيدات الأعمال والشاعرة سناء وتوت بين المدعوين.

 

 



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2