تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


أعطوني دوائي فقط.. وسأجد بنفسي حياتي


بغداد/ ابتهال بليبل

فاطمة.. هكذا بدأ الجميع يناديها.. ينادونها بينما هي تنتظر أحلامها الملقاة هناك على رصيف تلوح بيدها –الوداع- تنكس رأسها بصحبة زفير وكأنها جسد دكه أنين تاه في دهاليز الخيال.. وتلعق فاطمة الأيدي الآمنة في طريق حياتها القصير الذي يعجّ بالغرباء بعدما فقدت رائحة أمها.. 

 


تجلس تنتظر الموت الذي شكلته فقاقيع المسؤولين ليزيد وضعها سوءاً.. ماتت «فاطمة» ماتت واحتشد الغرباء قرب قبرها الغريب، ينظرون شزراً إلى من حولهم بصمت وكأن كارثة تظللهم، وتغيم الدنيا في عين» الممرضة أم محمد» وتبكي بصوتٍ غائر يتسرب بهلع من أعماق مظلمة تغيبها عن معالم المكان والزمان. قبل موت فاطمة بأشهر اتصل بي أحدهم يخبرني عن طفلة مجهولة الهوية، تهيم على وجهها في قاعة انتظار أحد مستشفيات العاصمة بغداد، تُركت في عربتها الصغيرة وحدها.. بعد انتهاء الدوام الصباحي للمستشفى، تلقفتها إحدى الممرضات وحاولت الاعتناء بها لأن حالتها الصحية سيئة، لحين العثور على أهلها.. بعدها بأيام قليلة قابلت «الممرضة أم محمد» التي ضيفت هذه الطفلة لأجدها مهمومة بقصتها وقضيتها. عطف أم محمد كانت الصورة الأولى التي طالعتني عن الطفلة المجهولة ذات العام ونصف العام من عمرها بحسب تقدير الأطباء حزينة تعيسة، فهذه البريئة لم تكن لي بالمكان المناسب.. وكان لها عدة أيام وهي راقدة في المستشفى على سرير في غرفة وحدها غريبة ويبدو على مظهرها المرض والسكون والاستسلام.. وعندما رأيتها سرحت طويلاً في تساؤلاتي، فصوت بكائها أيقظ الكثير من المآسي.. ورغم أنني لم أكن أسمعه جيداً وإنما كنت أصغي إلى روحها الحزينة شعرت بتوهانها الغامض، ووجه «أم محمد» الدامع ويداها التي يخيل إليك وكأن بداخلهما شحنة خفية من الحنان تتلمسها وتحذر من ارتفاع حرارة جسدها. إنقاذ حياتها يقال «إننا نعيش في زمن القبض على الجمر» في مواسم القحط - قحط الإنسانية - بعد أن أطلقته جيوش القسوة من مدافع بغيضة، عتيقة، كعزاء مباغت أتى بعد طول انتظار.. ثلاثة أشهر والطفلة فاطمة لم تجد من ينظر إليها بعين الرحمة، منحوها بعض توقيعات قلم تارة بلون أحمر وتارة أخرى بلون أخضر، وأياماً قادمة تمخر من عطش الصحارى، منحوها عزاء يعرفه الجميع وله معنى واحد ولا يحتمل التأويل، يتبعه المعزون نحو القبر وحضن التراب.. وفي طيات الكلام تسرد «الممرضة أم محمد» حكاية الطفلة فاطمة فتقول: وجدت طفلة نائمة في عربتها الصغيرة في المستشفى، وبقينا ننتظر أن يقترب أحد منها أو يسأل عنها حتى ساعة متأخرة من الليل من ذاك اليوم، ولكن من دون جدوى، فنقلناها إلى غرفة وخصصنا لها سريراً للاعتناء بها كون حالتها الصحية خطيرة بحسب تشخيص الأطباء في المستشفى ذاتها، مشيرة الى أنها تحتاج للسفر خارج البلاد لمعالجتها، وهذا الرحلة يجب توفير المال الكثير لها، وعلى الرغم من ظهور رجل وزوجته ومحاولتهما تبني هذه الطفلة والتكفل بعلاجها وإنقاذ حياتها، ولكن لا مناص إذا كان لابد من أن يقول القدر ما اعتزم الجميع قوله كلما عرضنا حالة فاطمة عليهم بأنها طفلة مجهولة ومريضة ولا داعي لتحمل مسؤوليتها والإنفاق عليها، ولذلك السبب لجأنا إلى اقتراح مطروق وهو الحصول على مقابلة مع شخص مسؤول، وبدلاً من محاولة إنقاذ حياتها، بل الإصرار على إيجاد أهلها.. لتمر الأيام والطفلة ملقاة في غرفة بداخل المستشفى لا يقوى أي أحد من الملاكات الطبية على إنقاذ حياتها، فالقرارات ترى أنه من الواجب حضور ولي أمرها للبت في قضية معالجتها وإنقاذ حياتها. تبني الطفلة فاطمة ويروي عدي نجم الرجل الذي حاول تبني الطفلة فاطمة حكايته معها بالقول: كنت أنتظر في باحة المستشفى أنا وزوجتي دور طفلتنا المريضة للدخول إلى الطبيب المختص، فوجئنا بحديث تناقلته المعينات في المستشفى عن طفلة تركها أهلها في المستشفى وهربوا، الطفلة مجهولة الهوية وعمرها لا يتجاوز العامين بحسب تقدير أطباء المستشفى، ومصابة بمرض خطير وحالتها متطورة وتحتاج إلى زرع في الكبد، مشيراً إلى أنه حاول بكل الوسائل رؤية الطفلة، فهو أب وله أطفال ويشعر بمعاناتهم وحاجتهم إلى من يحتضنهم، وعندما شاهدها بكى كثيراً. في ذلك اليوم لم يستطع عدي ولا زوجته أن يتناسى موضوع الطفلة، وفكرا في احتضانها وتبنيها رسمياً، لمعالجتها والاهتمام بها ريثما تتحسن حالتها الصحية. ويضيف عدي: متى تصل قسوة الآباء على أبناؤهم إلى ذروتها، ومتى تجازف الأم وترمي بأطفالها إلى المجهول، لم أستطع تحمل وضع هذه الطفلة، وأخبرت زوجتي بأننا نربي أطفالنا لأنفسنا لأنهم منا، دعينا نربي طفلاً لله. ويضيف عدي رحبت زوجتي بهذه الدعوة ووعدتني أن تعتني بها وتربيها كأطفالنا الباقين، وسارعت بعدها إلى المستشفى وطرحت الفكرة على القائمين هناك، رحبوا بالفكرة والى الآن وأنا أقوم بإجراءات التبني. ويؤكد عدي أن الأطباء المختصين أخبروه بأن حالة الطفلة خطيرة وتحتاج للسفر إلى خارج البلاد لتلقي العلاج بأسرع وقت ممكن، وبالفعل جهزت نفسي للسفر بها بعد استكمال معاملة التبني، وأخذتها إلى طبيب وجراح كبير في العاصمة بغداد لاستبيان حالتها، والذي أكد لي أن المرض الذي أصيبت به هذه الطفلة غير معروف في بلادنا ونادر وطلب مني اصطحابها إلى خارج البلاد لمعالجتها، وبعد البحث والتقصي، تبين لي أن حياتها مرتبطة بعملية جراحية تجري في الهند، إلا إنني أصبت بخيبة أمل كبيرة، حيث أن تكاليف سفرها وإجراء العملية باهظة جداً، وتصل إلى أكثر من الذي أستطع توفيره لإنقاذ حياتها. ويشير عدي إلى أنه طرق جميع الأبواب في سبيل إنقاذ حياة الطفلة المجهولة، واتصل بمنظمات المجتمع المدني إلا أن الجميع يتعاطفون مع حالة هذه الطفلة ولكن لم يقدموا لها أي مساعدة تذكر. ألم الولادة كان غائباً عن الوعي! وبات جسد فاطمة يصفعه ضوء الواقع بقوة جعل رداءه باهتاً، خشناً كالخشب المسنن من قسوته.. واندفع القدر الحزين كالمسمار باتجاه حياتها.. أثقلها المرض، فرفعت عينها إلى السماء، وحتى لا يلتفت إليها الموت، شقت طريق نظرها بصعوبة واخترقت قسوة الدهر ولملمت فتات أيامها الخارج من تمائم الرحمة، توقد فتيل التسول لدواء تمضي فيه حياتها اعتكافاً.. ذلك عُمرها المهموز بطين المسافة يتقاطر من أفواه بصقت ريق الجبروت بفضفضة الألم.. تغتالها أَنْفاس الغرباء لتوقظ قداسة النوم علَى أحضان التشرد.. فاض صمت الوجع المسفُوك بقبر ينتظرها حسرة لقمع ضجيج المارين على حياة المتألمين... وينخر الوقت المبتلين بفاطمة ويحاولون إنقاذها بشتى الطرق، وبعد أيام طويلة من المراجعات لدى الجهات المسؤولة وبعد العديد من القرارات والتوقيعات والتوقعات، حصلت فاطمة على الموافقات الرسمية بسفرها إلى خارج البلاد لعلاجها على نفقة الدولة.. ولكن بعد فوات الأوان فحجرات عمرها صارت معتمة وأغلقت صناديق الأمل بأقفال شبيهة بالموت، أشعة الأمل لم تنفذ في قلبها سوى للحظات، والمرض كان يدوي، وبسبب التأخير الظالم لم نفلح في طمس صوت القبر وهو يرتفع منادياً لفاطمة بزيارته، يرتفع الصوت ويرتفع الألم أمطرت السماء بلحظات الوداع الأليمة. وهكذا ... خرج جسد فاطمة من عربتها التي تركتها لها أمها.. هكذا أبكت فاطمة الغرباء.. ولا نعلم هل بكت ولادتها ساعة والدتها أم أن ألم الولادة كان غائباً عن الوعي هو الأخر؟!



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2