تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


محلة الجامعين عاصمة الحلة القديمة


ساجدة ناهي -تصوير / حيدر الحيدري

أجمل ما يميز محلة الجامعين والمحلات الشعبية القديمة المجاورة في مدينة الحلة, انها مدن بلا سيارات، إذ لا يمكن لأي سيارة ومهما كان حجمها ونوعها الولوج في أزقتها الضيقة, التي قد لا يتجاوز عرض بعضها نصف المتر , والتي تلتف حول بعضها كالأفعى, فتشعرك عندما تجوبها على أقدامك مضطرا، وكأنك تدور في حلقة مفرعة , وتدخل في متاهة شبيهة بمتاهات التسلية, ولكنها متاهات جميلة وموغلة في القدم ..


 أبوابها الصاج القديمة تحكي سنوات طويلة من الألفة وحب الانتماء, ومثلها تحكي منازلها المتلاصقة التي قد لا يتجاوز مساحة بعضها الـ 20 مترا , وأكثرها بمساحة مئة متر فقط . هناك في الجامعين منازل, تتسلق سلما بسيطا للوصول إليها, وأخرى تحتاج إلى أن تهبط سلما آخر للنزول إليها, وبعضها الآخر تقودك أبوابها إلى ممرات أخرى, لتصل إلى المنزل , وتشكل بمجملها تشكيلة رائعة من التصاميم الفوضوية التي لا تملك إزاءها، إلا أن تمنع نفسك جاهدا من محاولة النظر إلى ما بداخلها، وما تحتويه من تصاميم جميلة لبيوت هي أشبه بالمنازل, تتفق اغلبها على عدم وجود أي اثر يذكر لحديقة . ويبدو أن يد التطور قد وصلت إلى بعضها، حيث قام أصحابها بترميمها , فيما فضّل آخرون أن يسقط البناء القديم على الأرض، ويبنى في تلك المساحة الصغيرة منزل (دبل فاليوم ) ليكون شاخصا للعيان , متباهيا بحداثته أمام المنازل القديمة التي أصرت على أن تحافظ على هويتها العتيقة، وتقاوم إغراءات العصر الحديث, بالرغم من شوارعها التي بلطت حديثا، والتي زادتها أصالة وجمالا . كان السكان ينظرون إلينا باستغراب, فالنسيج الاجتماعي المتين الذي يسود الجامعين يستطيع تمييز الغرباء بكل سهولة , وكانت كل الدلائل تشير إلى اننا غرباء عن المحلة, وربما لاحظ البعض نظراتنا المتشعبة التي نلقيها على كل زاوية منها , فيما تصور البعض الآخر اننا نبحث عن شيء, فابتدرتنا إحدى النساء -وكانت تحمل (علاكة المسواك ) الثقيلة فوق كتفها - ، بالسؤال : هل تبحثون عن منزل للإيجار ؟.. إلا انها عندما عرفت مهمتنا الصحفية , قالت ان محلة الجامعين جميلة، وسكانها طيبون جدا, وقد بلطت في زمن اسكندر (وتقصد محافظ الحلة الأسبق اسكندر وتوت)، فيما رحب بنا أحد أصحاب المحال التجارية بقوله (أهلا بكم في العاصمة... ) !!. دكة عاكف السيد عبد الحسين حاتم من سكان محلة الجامعين القدماء , وهو متقاعد من مواليد 1942, قال: إن الجامعين هي أقدم محلة في الحلة , وقد سميت بهذا الاسم نسبة إلى مجموعة من العلماء الذين دفنوا فيها , خاصة ان الحوزة العلمية التي اتخذت من مدينة الحلة مقرا لها, كانت قد خرّجت ما يقارب 360 عالما في عام واحد, إذ ما زالت مراقدهم شاخصة في أنحاء مختلفة من هذه المحلة , وقد لا يتعدى بعض هذه المراقد الغرف الصغيرة التي أفرد لها السكان ركنا خاصا من منازلهم , وهي تطل على الشارع من خلال باب صغير، وشباك تستطيع من خلاله رؤية ضريح العالم الديني . كما ان هناك قبورا ما زالت موجودة في بيوت خربة , ومن أشهر العلماء المدفونين فيها سيد محمد المعروف بـ ( أبو دميعة )، و( أبو الطوق )، وتدور على ألسنة الناس معلومة تؤكد اكتشاف أربعة أو سبعة قبور جديدة لعلماء آخرين . واستذكر حاتم: ان الجامعين وبحكم موقعها الجغرافي المطل على شط الحلة الفرع الشرقي لنهر الفرات, كانت في ثلاثينيات وعشرينيات القرن الماضي أشبه بالميناء, حيث كانت السفن ترسو على ضفافها بعد أن تخترق الجسر العتيق الذي كان يفتح ذراعيه في السابق لاستقبالها والسماح لها بالمرور, وهو أقدم جسر بناه الانكليز في هذه المدينة . ذكريات ونظريات تقاطرت ذكريات السيد حاتم علينا , فاستذكر قائلا: ان اليهود كانوا يعيشون بسلام في هذه المحلة، وقد سكنت محلة الجامعين عوائل مهمة ما زال البنان يشير إليها باحترام , مثل بيت علوش والقزاونة , وهي من العوائل القديمة التي أنجبت لمدينة الحلة العديد من العلماء والأطباء والمحامين, إضافة إلى بيت الشلاه وبيت غزوان وبيت جاعد ، وكانت تسود هذه المحلة علاقات اجتماعية تسمو فوق كل شيء , وكانت تعيش وكأنها عائلة واحدة , بعلاقة تترصد المستطرق الغريب الذي يجوب طرقاتها , والذي لا يسلم ممن يعترض طريقه لسؤاله عن سبب دخوله المحلة , وهو استفسار يصل في بعض الأحيان إلى حد المنع والاعتراض . أما ان لم يفلح في إقناع من اعترض طريقه, فإن مصيره سيكون الضرب بمئة ( زوبة ) خيزرانة في أقل تقدير . النساج الأخير في محله الصغير , انهمك الحاج حسين حمزة هزوم - وهو من مواليد 1948- في مزاولة عمله اليومي, الذي يمارسه منذ أن كان عمره (12) سنة فقط , واتخذها منذ ذلك الوقت مهنة توارثها من والده وعمه من قبل . الحاج حسين هو ليس الحائك أو النساج الأقدم في الجامعين, بل هو الوحيد أو الأخير الذي بقي في الجامعين بعد أن توفى من قبل جميع من كان يمارس مهنة النساجة . يقول الحاج هزوم: ان عمله يتضمن نساجة الخيوط الصوف التي تصنع منها العباءة الرجالية الأصلية, التي ما زال يواظب على ارتدائها رجال العشائر والوجهاء والشيوخ, والتي تتميز بخاصية فريدة، وهي أن بالإمكان أن تلم لتوضع في راحة اليد لجودة قماشها ورقته في الوقت نفسه, كما يمكن أن تبرم وتوضع في الجيب، وهي ما تسمى بـ (الخاجية ) , والتي تعد عمود شيخ العشيرة الذي لا يفضل أن يلبس عباءة مصنوعة من الأقمشة المستوردة, وهي عباءة راقية جدا وغالية السعر لأنها تصنع من أرقى أنواع الصوف , ويختلف لونها حسب لون صوف الغنم , لذا يصل سعرها إلى 300 أو 400 ألف دينار, فيما يصل سعر العباءة الاعتيادية إلى سبعين ألف دينار فقط . وبالرغم من أن هذه المهنة أصبحت من المهن التراثية النادرة, إلا أن الحاج هزوم يقول - وحسب تعبيره- ( إنها شغلة ميتة وما اتعيــّش )، لذلك رفض أن يعلمها لأحد من أولاده, والسبب هو الأقمشة المستوردة التي نافست وبنجاح عمل النساج العراقي . ويضيف: انه يقضي ثلاثة أو أربعة أيام في حياكة أو صناعة نسيج العباءة, ليتقاضى بعد هذه المشقة عشرين ألف دينار عن قماش العباءة الواحدة فقط, علما أنها تمر بعدة مراحل قبل أن تصل إلى يد هزوم . وبوفاة النيار الوحيد في الحلة، والذي يعتمد عليه النساج في تزويده بالماكنة التي تصنع باليد , يكون الحائك هزوم آخر ما تبقى في الحلة من هذه المهنة التراثية, وبرحيله بعد عمر طويل وعافية , ستنتهي صناعة العباءة الرجالية الأصيلة في هذه المدينة . جامعان ومراقد والجامعين تلفظ بالمجرور المثنى , ولهذه التسمية عدة آراء.. ولكن يستوقفنا رأي العلامة السيد هادي كمال الدين الذي يقول فيه : سميت بالجامعين نسبة إلى وجود جامعين اثنين , هما جامع ومرقد الصحابي عبد العزيز بن سراي , وهو من أصحاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) , إذ جرح في حرب صفين، واستشهد في هذا المكان، ودفن هنا في المرقد الذي يحمل اسمه , والموجود لغاية اليوم قرب منطقة باب مشهد مجاور مقام الإمام علي بن أبي طالب (حي الشاوي حاليا ) , عند عودته من حرب صفين ومروره بمدينة الحلة . أما الجامع الثاني، فهو جامع ومقام الإمام جعفر الصادق ( ع ) المتوفى سنة 148 هـ , والذي كان مكانه على حافة نهر الحلة , ونقل سنة 1954 م , القريب حاليا من مرقد العلامة أبي المعالي الفارسي الهيتي المتوفى بحدود 499 هــ , ولا يزال أثره باقيا ليومنا هذا . ولوجود هذين الجامعين ( الجامعان الاثنان المتقابلان ) سميت المنطقة المحصورة والمجاورة لهما بـ (الجامعين) قبل عشرات السنين من تمصيرها من قبل سيف الدولة الأسدي سنة 495 هــ , والتي حملت فيما بعد اسم الحلة السيفية، وبقيت الجامعين محلة عتيدة . ابن بطوطة زار الجامعين الرحالة العربي المعروف ابن بطوطة سنة 727 هــ , وقال عنها في كتابه ( تحفة الأنظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار ) انها مدينة كبيرة مستطيلة مع الفرات, وهو بشرقها, ولها أسواق حسنة جامعة للمرافق والصناعات, وهي كثيرة العمارة وحدائق النخيل منتظمة بها داخلا وخارجا, ودورها بين الحدائق, ولها جسر عظيم معقود على مراكب متصلة منتظمة فيما بين الشطين , تحف بها من جانبيها سلاسل من حديد مربوطة من كلا الجانبين إلى خشبة عظيمة مثبتة بالساحل. يقول عبد الرضا عوض في كتابه (شعراء الحلة السيفية): ان الجامعين اليوم تمثل مركز الحلة القديمة, وقد نقلت إلينا مشاهدات كبار السن ومنهم والدي, الذي اطلع على مدة تنظيم وفتح الشوارع، وكان وقتها صبيا, إذ يقول ( كان يحيط بالجامعين من الجهة الغربية سور بني بطابوق بابل المدينة الأثرية, نقل إلى الجامعين بواسطة القفف النهرية, وكان ممتدا من واجهة نهر الحلة مارا بالشارع الذي يفصل الجامعين عن محلة ( الجديدة ) الحديثة ، وللسور أبواب تغلق عند غروب الشمس, وعليها حراس يسهرون لحماية المدينة من الغزو ...).



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2