تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


أقدم موزع للبريد في بغداد.. يعمل مجاناً!!


علي ناصر الكناني

التقيته قبل أيام وهو يقود دراجته التي اعتدت ان أراه بين فترة وأخرى وهو يقودها بأناة وبطء يجوب شوارع مدينة الكاظمية تارة والمناطق والأزقة المحيطة بها تارة أخرى انه ساعي البريد المتقاعد رضا محمد علي القباني الذي تربطني به معرفة سابقه والذي ما ان رآني حتى ترجل من دراجته وأقبل علي بخطواته الوئيدة لنسلم على بعضنا ولأسارع بالسؤال عن صحته وأحواله، والملفت للانتباه في الأمر انه مازال يرتدي زيه القديم ويعتمر قبعته الخاصة بموزعي البريد ويحمل على يساره حقيبته الجلدية المخصصة للرسائل.


رغم إحالته الى التقاعد قبيل سنوات، عجبت لإصرار هذا الرجل على التواصل في عمله بنشاط وحيوية على الرغم من تجاوزه الثامنة والستين من العمر مما اثار إعجابي لما سمعته من احد المسؤولين عنه ممن يعملون في دائرة البريد بانه يصر على إيصال الرسائل بنفسه الى زبائنه ومعارفه القدامى وبدون مقابل !!! تقديرا منه ومنهم لعلاقة حميمة قديمة تنم عن احترام واعتزاز كبير بينهما. وحين سألته عن سبب ذلك قال: ان عمله الذي أمضى سنوات طوالا فيه صار جزءا من حياته اليومية وصار شغله الشاغل الذي لا يستطيع الاستغناء عنه ولعلي أجده محقا بذلك لاسيما انه مازال يعد أقدم موزع بريد في بغداد، حيث ذكر لي مرة انه التحق بعمله هذا منذ عام 1959 وليتم تثبيته بعد عام في وظيفته ليعمل في دائرة البريد المركزي التي كان مقرها آنذاك في (القشلة) وبراتب شهري مقداره عشرة دنانير ونصف وحدثني كيف كان يجوب أزقة ومحلات منطقة الحيدرخانه وباب المعظم وشارع الرشيد والوزيرية والاعظمية من رصافة بغداد لإيصال الرسائل والبريد لساكني تلك المناطق من المواطنين والدوائر الحكومية، فذاكرته مازالت تحتفظ بالكثير من المواقف والحكايات والذكريات والأحداث التي صادفته ومرت به خلال عمله اليومي رغم مرور زمن طويل عليها فهو مازال يعتز بتلك اللحظات الفريدة التي التقى فيها الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم مصادفة حين كان يهم بإيصال البريد الخاص برئاسة مجلس الوزراء آنذاك ولشدة ارتباكه ودهشته لرؤية الزعيم تعثرت قدماه بالسلالم الأرضية لمدخل البناية ليتناثر ما كان يحمله من طرود ورسائل على الأرض ليأمر الزعيم بعض الحرس الموجودين هناك بتقديم العون له وليأمر له بمكافأة مقدارها خمسة دنانير. يواصل القباني حديثه عن ذكرياته الأثيرة تلك قائلاً: بعد وصولي الى البيت وإخبار والدتي بالأمر راحت تزغرد وتسارع من شدة فرحها لتبث للجيران ذلك الخبر السار.. خبر تكريم الزعيم لولدها الوحيد رضا. وعن علاقاته الإنسانية الوثيقة بعدد من أعلام وشخصيات العراق الفكرية المعروفين أمثال: مصطفى جواد وعلي الوردي وحسين علي محفوظ ويوسف عز الدين وآخرين غيرهم، إنه مازال كما يقول يحتفظ بكتبهم التي أهدوها له تقديرا منهم لعمله في إيصال الرسائل لهم. ما نريد قوله هنا هو ألا يستحق هذا الرجل المثابر ومن أمثاله ممن خدموا الدولة والمجتمع وممن قدموا ومازالوا يقدمون الكثير من البذل والعطاء متوسمين بذلك حبهم وإخلاصهم لبلدهم يدفعهم لذلك إيمانهم العميق بوطنيتهم وعراقيتهم الأصيلة، إلا ان نحتفي بهم لانهم حقا يستحقون منا الكثير بما يشعرهم بالعرفان والتقدير.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2