تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


العمرة رحلة الوجود الروحي


عالية طالب

كلما رأيت جمعاً ممن يذهبون ويرجعون من بيت الله الحرام، تصطرع في داخلي مشاعر لا حصر لها، تمتزج مابين الشوق واللهفة والترقب ليوم أكون فيه معهم، ويمتزج كل هذا بدموع دافقة تفيض بها عيوني تذكرني بيوم ودعت أمي «رحمها الله» وأنا صغيرة وهي تؤدي فريضة الحج في السبعينات، ولكن دموعي اليوم هي دموع والهة لكي أكون معهم ولا أدري كيف أرتب كل مشاغلي ومشاريعي لأجد وقتا خاصاً للقائي بهذا


 اليوم المشهود،كل هذا كان في داخلي وأنا أستمع إلى حديث سعاد ابنة خالتي التي ذهبت لتأدية « العمرة» قبل سنتين وهاهي تنوي تأديتها مجدداً.قرار سريع ما أن فاتحتني بالموضوع حتى وجدت نفسي أقول لها بعد إصغاء قصير لحديثها :نعم سأذهب معكم دون ان أفكر بمسؤوليتي تجاه مجلة « نرجس» العزيزة ومهام اتحاد الأدباء الذي أنا عضوة مكتبه التنفيذي وروايتي التي اعمل عليها منذ أكثر من عام، وعمليتي الجراحية التي أرجئ اتخاذ قرارها منذ فترة، وعائلتي وأولادي والامتحانات التي سيبدأون فيها، ومهام لا حصر لها تأخذ كل ساعات يومي الذي أريده 48 ساعة بدلاً من 24، وضعت كل هذا وراء قلبي وأجبتها :نعم سأكون معكم، ما المطلوب مني الآن، أجابتني بابتسامة سعيدة: سأكون معك خطوة بخطوة، اطمئني. وفعلا تهيأ كل شيء خلال أيام انتظار صدور تأشيرة العمرة. من مطار بغداد الى جدة بعد انتظار قلق لعدة أيام كنا لا ندري فيها الموعد المحدد للانطلاق، كان قلبي يهتف معي كلما اتصلت بي «سعاد» لتحمل لي خبر يوم السفر الموعود، وما أن فعلت في ساعة متأخرة ليلا حتى هاجت مشاعري دفعة واحدة وهرب النوم من عيني حتى لاح الصباح، ذهبنا إلى المطار ظهراً يقودنا الحملدار «علي عبد المحسن » وهي الصفة الذي نطلقها على قائد حملة الحج والعمرة ولم نكن نعرف موعد الإقلاع بالضبط، أنا والحاجة «هيفاء» زوجة الأديب الراحل والسفير السابق عدنان الربيعي وبنات خالاتي الثلاث، المحامية «ملوك عبد الوهاب والمهندسة «سحر كبة» والمصرفية «سعاد العزاوي». ومعنا 41 من المعتمرين وطفل بعمر الخامسة . لم تقلع الطائرة إلا في الثامنة مساء ووصلنا مطار» جدة « في الحادية عشرة ليلا وكان بانتظارنا باص ينقلنا الى المدينة المنورة التي لم نصلها الا في الثامنة صباحا من اليوم التالي، يومان كاملان لم أذق فيهما النوم الا للحظات قصار كانت أشبه بالغيبوبة وليس النوم، وحين توقفنا فجرا في إحدى الاستراحات على الطريق كنت أشعر بأنني أتنفس ذات الهواء الذي تنفسه النبي محمد (ص) وآل بيته وصحبه في زمن ما وفي وقت ومكان قد يكونان مشابهين لوقتنا الآن. دخلنا المدينة ولم أفكر بالاستراحة التي وعدت نفسي بها ولا بالنوم ولو لساعة واحدة، كل ما أردته ان أركض الى المسجد النبوي الذي دخلته وأنا أبكي فرحا بوجودي فيه، لا أستطع ان أفسر مشاعري بوضوح كانت تندفع فتسحبني الى الفرح والفرح ولا فاصل بينهما إلا دموعي التي لا ادري لماذا تنزل بهذه القوة، لم أتذكر إنني بحاجة للنوم والأكل والاسترخاء، كل ما اعرفه انني الآن وسط هذا البهاء الفسيح من الضوء الذي يدخل قلبي ويدور فيه بألفة محببة وكأنني وسط مكان قضيت عمري فيه، بوابات عديدة تحمل أسماء الصحابة والخلفاء وتبتدئ بالبوابة التي تضم قبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم،وكلما مررت قرب تلك البوابة المقدسة، تلهفت نفسي لرؤية قبر الرسول عن قرب وحين اخبروني ان تلك البوابة لا تفتح للنساء إلا بأيام محددة من الشهر، توسلت ربي أن يجعل تلك الأيام تصادف الأيام الأربعة التي سنقضيها في هذا المكان الطاهر، وهذا ما حصل فعلاً. زيارة قبر الرسول الكريم (ص) بعد يومين من وجودنا في المدينة المنورة، كنت لا أستطيع البقاء في الفندق أكثر من ساعة او ساعتين، فما أن أجد نفسي فيه صحبة قريباتي حتى يقفز السؤال الى رأسي: هل يعقل ان أكون في الفندق ومسجد الرسول قربي؟ واجد أجوبتنا تتطابق ونطوي تعبنا ونغادر اليه.. الى البهاء الجميل الذي يرفل به ذلك المسجد الحبيب.. انهينا صلاة العشاء وجاءتني «سعاد» لتقول سمعت ان هناك زيارة في البوابة 25 وهي بوابة الخليفة عثمان بن عفان (رض) ولم نسأل عن ماهية هذه الزيارة بل توجهنا الى تلك البوابة ونحن نقطع مسافة طويلة، وما ان دخلنا حتى وجدت من يقسم وجود النسوة حسب جنسياتهن وطلبوا من العراقيات التوجه الى اليمين، لم نفهم لماذا وجلسنا نقرأ القرآن ونصلي وننتظر لنفهم فحوى الزيارة وبرغم تأكيد الخالة العزيزة «هيفاء» بأن هذا التقليد بتقسيم المعتمرين يعني ان قبر الرسول سيفتح لنا ولكن لا احد يعرف في أية ساعة سيتم هذا، فما كان منا الا ان اجبنا بصوت واحد سنبقى ننتظر حتى ولو جاء الصباح، الوقت يمر وعيني وقلبي ومشاعري وهواجسي تطارد اليمين والشمال بانتظار اللحظة التي يدعوننا فيها للتوجه الى القبر الكريم.. وبعد وقت لا اعرف تحديده تماماً انتبهت لصخب غير اعتيادي وحركة سريعة لجمع من النساء وركض باتجاه ممر فتح لهن، وفهمنا أنهن يركضن باتجاه الممرات التي تؤدي الى القبر الشريف الذي يقع في بداية المسجد النبوي، أمسكت ذراع ابنة خالتي وركضنا وراء الجمع، الممرات تتعرج يميناً ويساراً وخالتي تلهث وهي تتبعنا وقدمها لا تساعدها كثيراً، لا أقف بانتظارها وأنا أخشى ان تغلق البوابات إذا ما زاد الزحام، تتقطع أنفاسي وتسحب ذراعي سعاد وهي تحثني: لا تتلكئي الآن، أسرعي، واجد قوة تأتيني من حيث لا ادري وتتقارب المسافات وأنا في صخب مشاعر تجيش في رأسي وعقلي وكأنني سأجد رسول الله أمامي بعد قليل، تقترب المسافات وادخل الى البقعة الشريفة ورائحة المسك تفوح من المكان، يدور رأسي وتشهق روحي وتمطر دموعي واهتف باسم رسولنا الكريم واقف، أقف أمام ذلك القبر العظيم وجسدي يختض من قمة رأسي حتى قدمي، أبكي فرحا ولهفة وخشوعا وضعفا اجتاحني بتسلل غريب، أقف أمام القبر واركع لأصلي والأجساد تتقافز فوق رأسي ولا أبالي، تعتصرني الأجساد ولا أجد مسافة تحتوي نهوضي وركوعي ولا أبالي احشر جسدي بينهن واصلي ونشيجي يصخب في صوتي الذي اسمعه يتحدث طويلا معك أيها الرسول العظيم، أقف مشدوهة تماما، مسمرة في مكاني لا اسمع أصوات الآخرين ولا أرى أحداً الا قبرك الذي يحتل كل المسافات أمام عيني، اسجد ولا أريد النهوض، أريد ان أبقى ان لا تنتهي هذه الزيارة ان يتوقف الزمن ان يحتويني المكان ان أبقى أحدثك بكل ما في قلبي وعقلي من شوق إليك ولا أريد لدموعي ان تتوقف ولا ليدي التي ترتجف وهي تقترب أكثر من سياج قبرك ان تبتعد، أضع رأسي قرب ذلك السياج وأغمض عيني ويتوقف العالم والصوت والضوء والمكان والزمان كله وأنا أعيد تشكيل ذاتي بين رحابك المقدسة. مزارات المدينة المنورة جبل أحد بعد زيارتنا الشاهقة بروعتها قبر الرسول (ص) خرجنا وفرح الدنيا لا يسعنا ، وما ان وصلنا الى الفندق حتى أبلغنا «الحملدار» اننا سنقوم بجولة الى أهم المناطق التاريخية والدينية صباح الغد، وكنا قد سبقنا مجموعتنا بالتعرف على جبل أحد الذي ارتبط بذاكرتنا بوقوع غزوة أحد تحت سفحه بين المسلمين بقيادة النبي محمد وأعدائهم القرشيين من مكة سنة 3 هـ (625 م)، قادنا سائق سعودي اسمه «نايف» الى هناك ونحن في زمن تتداخل فيه الصور والشخوص وما قرأناه منذ كنا صغاراً عن هذا الجبل التاريخي، دار بنا نايف حول الجبل الذي اخبرنا ان اسم «محمد» يقرأ على شكله العلوي حين نكون بالطائرة فوقه، ولكم رغبت بالنزول اليه الا انه أخبرنا أننا حتماً سنزوره حسب برنامج عمرتنا الخاص، وهذا فعلاً ما حصل في اليوم التالي صباحاً، واستذكرت ما قرأته عنه وما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أحد جبل يحبنا ونحبه فإذا جئتموه فكلوا من شجره ولو من عضاهه). الناظر إلى هذا الجبل التاريخي الشهير من بعد يظنه جبلاً واحداً ولكنه في حقيقته سلسلة من الجبال المترادفة المتصلة متعددة القمم والشعب. وتمتد هذه السلسلة التي تحمل اسم ( أُحُد ) (بضمّ الهمزة والحاء) من طريق المطار شرقاً إلى طريق العيون غرباً. ويبلغ طوله ثمانية كيلو مترات، وعرضه كيلوان من الناحية الشرقية، وأكثر من ثلاثة كيلو مترات من الناحية الغربية.سمُي بهذا الاسم لتوحده وتفرده،. يبلغ ارتفاعه 1,077 م (3,533 قدم) ويقع شمالي المدينة ويبعد عن المسجد النبوي 4 كم، محيطه يقرب من 16 كم من الناحية الجنوبية،، وهو جبل جرانيتي أحمر اللون، طوله 7 كم وعرضه ثلاثة كيلومترات تقريباً، وهو أكبر جبال المدينة وأعلاها، عند سفحه تقع»مقبرة الشهداء» التي دفن فيها شهداء المسلمين يوم أحد، ومن أعظم من دفن في تلك المقبرة سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب. مقابر البقيع البقيع هو المقبرة الرئيسة لأهل المدينة المنورة منذ عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومن أقرب الأماكن التاريخية إلى مبنى المسجد النبوي حالياً حيث يقع شرق المسجد، في مواجهة القسم الجنوبي الشرقي من سوره، وقد ضمت إليه أراض مجاورة وبني حوله سور جديد مرتفع مكسو بالرخام. وتبلغ مساحته الحالية مئة وثمانين ألف متر مربع. يضم البقيع رفات الآلاف المؤلفة من أهل المدينة ومن توفي فيها من المجاورين والزائرين أو نقل جثمانهم على مدى العصور الماضية، وفي مقدمتهم الصحابة الكرام، ويروى أن عشرة آلاف صحابي دفنوا فيه، منهم أمهات المؤمنين زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم عدا خديجة وميمونة، ويقال ان ابنته فاطمة الزهراء دفنت هناك أيضاً، وابنه إبراهيم وعمه العباس وعمته صفية وحفيده الإمام الحسن بن علي والأئمة علي بن الحسين ومحمد الباقر وجعفر الصادق (ع)، وغيرهم كثير. مسجد القبلتين يقع هذا المسجد على ربوة من الحرة الغربية (حرة الوبرة) في الطريق الشمالي الغربي للمدينة المنورة ويشتهر ببياضه الناصع. بناه بنو سواد بن غنم بن كعب في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في العام الثاني للهجرة النبوية المباركة وكانت مواد البناء آنذاك هي اللبن والسعف وجذوع النخيل، مساحته3920 م2 تعلوه قبتان الأولى قطرها 8 م والثانية 7 م والارتفاع ما يقارب 17 م لكل منهما، ولهذا المسجد أهمية خاصة في التاريخ الإسلامي.ففيه نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالتحول إلى قبلة الكعبة المشرفة بعد أن كانت القبلة هي بيت المقدس،كان ذلك يوم 15/شعبان من العام الثاني للهجرة الموافق 11 شباط / فبراير 642 م وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يزور أم بشر من بني سلمة معزياً فصنعت له طعاماً وعند صلاة الظهر نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وبعد أن أتم ركعتين نزل عليه الوحي بالتحول إلى الكعبة المشرفة. ومنذ ذلك الحين عرف المسجد باسم (مسجد القبلتين) لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى فيه شطر صلاته قبل المسجد الأقصى والشطر الآخر قبل المسجد الحرام. مسجد قباء: أوّ ل مسجد في الإسلام مسجد قباء هو أوّل مسجد بُني في الإسلام، بناه الرسول(ص) عندما وصل المدينة مهاجراً من مكة، وشارك (ص) في وضع أحجاره الأولى ثم أكمله المسلمون، ويُقال إن الصحابي الجليل عمّار بن ياسر هو صاحب فكرة بناء هذا المسجد. يقع مسجد قباء في الجنوب الغربي للمدينة المنورة، ويبعد عن المسجد النبوي نحو 4 كيلومترات، وله محراب ومنارة ومنبر رخامي، وفيه مصلى رسول الله (ص) وبئر تنسب للصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري، وتبلغ مساحة المصلّى، حالياً، أكثر من خمسة آلاف متر مربع، وتبلغ المساحة التي يشغلها مبنى المسجد مع مرافق الخدمة التابعة له نحو 13.500 متر مربّع، كما ألحقت به مكتبة وسوق لخدمة الزائرين. مكة المكرمة في الثانية بعد الظهر وبعد ان قضينا أربعة أيام في المدينة المنورة ودعنا المسجد الشريف والقبر الكريم لنبينا العظيم، كنت أغالب دموعي وأنا أودع المكان وأدعو الله ان يسهل لي عودتي لاحقا الى هذا المكان المريح الذي لم اعد راغبة بتركه أبداً، ودعنا المكان متوجهين الى مكة المكرمة لأداء العمرة حيث ارتدينا ملابس الإحرام في مسجد «بيار علي» الذي يبعد 400 كم عن مكة المكرمة. واخبرنا الحملدار بوصايا عديدة منها: ان نقص إظفارنا ولا نحك جلودنا ولا نقتل حشرة ولا ننظر الى مرآة ونردد العبارة الإيمانية الرائعة «لبيك اللهم لبيك» كنت ارددها خاشعة ولا أجد أجمل منها من عبارة توقفت كل اللغة التي اعرفها وأجيد استخدامها أمام هذه الكلمات الثلاث التي نعقبها بعبارة «ان الحمد والشكر لك لبيك، لا شريك لك» واشعر بدفق نوراني يشع أمامي يفتح لي مسالك لا حدود لها، أرتفع بروحي عن كل ما حولي واستغرق بمشاعري مصغية الى صوت الله في داخلي وأنا البيه خاشعة والهة وكأنني على موعد لقاء معه بعد ساعات. الطريق يطول وتستضيفنا إحدى الاستراحات المعدة للحجيج في صمت هذا الليل البهي الذي يقودنا الى بيت الله الحرام، نترقب الوصول وننسى التعب ويختفي صوت محرك السيارة على هدير أصواتنا التي تلبي نداء الله، نقترب من مكة المكرمة وتلوح لنا ساعة البيت الحرام المرتفعة ونصل الى حدود الحرم حيث تقع مكة المكرمة في غرب المملكة العربية السعودية.. وتحديداً على سفوح جبال السروات وتمثل نقطة التقاء تهامة بالجبال التي تحيط بمكة من جميع الجهات، فمكة المكرمة مجموعة من الأودية المتخللة هذه الجبال. لقاء المسجد الحرام قبل ان نصل الى بيت الله الحرام سائرين على أقدامنا اخبرنا الحملدار ان لقاء بيت الله الحرام سيصيبنا بالرهبة وان علينا ان نعرف كيف نناجي الله لحظة وقوع أنظارنا على بيته المكرم، تلك اللحظة الوجيزة أخذت من قلبي مساحات وزمان ومكان ما زال الى اليوم يجد متسعاً للحديث عنه، لحظة نزولي السلالم القصيرة التي توصلنا الى ساحة الطواف حول المسجد، صمت عقلي حينها وصور كثيرة تتحرك أمام عيني، رؤية من يطوفون حول المسجد، أصواتهم التي تدعو الله، أركان البيت العظيم، ستارة البيت السوداء، الأضواء التي تحيل المكان الى صباح مستمر، صوتي الذي صخب داخل عقلي ولم اشعر بشفتي تتحركان رغم هدير الكلمات والدعاء داخل عقلي الذي تحرك مشدوها الى جدران الكعبة بلا وعي وكأن هناك من يدعوني ويومئ لي، نطوف بالبيت وامسك الحجر اليماني وأقترب من الحجر الأسود وأمسك أطرافه بقوة وكأنني لا أريد الابتعاد عنه، اقترب من جدار الكعبة واضع رأسي على كسوته السوداء وألوذ به مني ومن كل العالم حولي ويغرق وجهي بدموع لا أدري كيف تنبثق عني بكل هذه الغزارة التي لا أريد ان تتوقف أبداً.. نكمل الطواف واشرب ماء زمزم، أرتوي بحب منه بدعة بليونة حنونة وتهدأ روحي قبل ان نبدأ السعي بين جبل الصفا والمروة. مقام إبراهيم ما أن أكملنا الطواف سبع مرات حول الكعبة الشريفة حتى ذهبنا الى مقام النبي إبراهيم لتأدية الصلاة، كما قال تعالى: «وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى «صليت ركعتين وانصرفت بقلبي الى الله لا أدري أي الدعوات اسبقها إلى شفتي وأنا ألمس أرضاً مقدسة بجبهتي وأرفع رأسي لأرى جدار الكعبة أمامي بكسوتها السوداء المهيبة. كسوة الكعبة المشرفة هي قطعة من الحرير المنقوش عليه آيات من القرآن الكريم تكسى بها الكعبة المشرفة، ويقال ان الثابت تاريخيا أن أول من كسا الكعبة كسوة كاملة هو تبع أبي كرب أسعد ملك حمير في عام 220 قبل الهجرة، مع بداية الدولة الفاطمية أهتم الحكام الفاطميون بإرسال كسوة الكعبة كل عام من مصر، وكانت الكسوة بيضاء اللون وتوقفت مصر عن إرسال كسوة الكعبة لما تولت المملكة العربية السعودية شرف صناعتها، ويتم تغيير كسوة الكعبة مرة في السنة وذلك خلال شعبان وموسم الحج، والكسوة التي تتم إزالتها من الكعبة تقطع إلى قطع صغيرة ويتم إهداؤها إلى شخصيات إسلامية،، ويبلغ ارتفاع الكسوة 14 متراً، في الثلث الأعلى من هذا الارتفاع يوجد حزام الكسوة بعرض 95سم وبطول 47 مترا مكتوب عليه آيات قرآنية مختلفة بالخط الثلث المركب. الصفا والمروة الطريق الذي بين الصفا والمروة هو المسعى، والمسعى الآن داخل في المسجد الحرام نتيجة التوسعة السعودية سنة 1375 هـ.وعدد مرات السعي المطلوبة سبع، على أساس أن الذهاب من الصفا إلى المروة يعتبر مرة، والعودة من المروة إلى الصفا يعتبر مرة، وهكذا حتى تتم سبعة أشواط تبدأ بالصفا وتنتهي بالمروة.. المكان يمور بالنساء والرجال والأطفال والشباب من كلا الجنسين وأنا أسير وسط حلقتنا وأردد وراء الأصوات ما نقرأه من آيات القران الكريم، المسافة ما بين الصفا والمروة تمتد وأتذكر زوجة النبي إبراهيم (ع) وهي تسعى بينهما طلبا للماء لطفلها وتتخيل السراب ماء فتركض ما بين الجبلين اللذين أراهما الآن أمامي والمس أحجارهما التي لمستها زوجة النبي يوماً ما، أسير وأنا أحث ركبتي ان لا تخذلني بكل ألمها الذي بدأ منذ أيام يطاردني، امسح حبات العرق عن وجهي وأدعو الله ان يزيح همومنا نحن العراقيين المبتلين بشتى ألام الأرض وتنزل دموعي وأنا اطلب الغفران من ربي الذي يرقبنا جميعنا ونحن نؤدي شعائره التي أوصانا بها كما جاء في كتابه العزيز «إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه ان يطوف بهما ومن تطوع خيراً فان الله شاكر عليم»، «البقرة/158»، كنا نردد تلك الآية الكريمة كلما اقتربنا من الصفا ونلتفت الى بيت الله الحرام الذي يشرف على الصفا ونسلم ونكمل الشوط الى المروة. استعين بأصغر بنات خالاتي واتعكز عليها وقدمي تخذلني بالمسير « المهندسة سحر» والتي تنازلت عن صفة الأصغر لكثرة ما اثقلنا عليها من واجبات وطلبات واستعانات لا حد لها . أبواب الحرم أول باب للمسجد الحرام هو باب بني شيبة وهو منسوب إلى شيبة بن عثمان الحجبي سادن الكعبة المشرفة لأنه كان بجوار بيته، ويقال لهذا الباب: باب السلام. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل من هذا الباب لأنه مواجه للكعبة أمام مقام إبراهيم عليه السلام، ومن ابرز الأبواب الرئيسية في الوقت الحاضر: - باب الملك عبد العزيز - باب الملك فهد - باب الفتح - باب العمرة، ومن أبرز الأبواب الفرعية: باب أجياد، وبلال، وحنين. مزارات مكة المكرمة كما فعلنا بالمدينة المنورة ونحن نذهب الى مزاراتها شددنا الرحال صباحاً الى مزارات مكة المكرمة وأولها كانت الجبال التي تحيط بالمدينة وهي: جبل النور يوم أطلقت على ابنتي الكبرى اسم «حراء» كنت أصر على أن يلفظ بصورة صحيحة بكسر الحاء وليس بفتحها، وها أنا اليوم أقترب من ذلك الغار الذي ضم حضور النبي العظيم أياماً قبل ان ينزل عليه الوحي فيه، حسبت المسافة ما بين بيت الرسول الذي كان يسكن فيه مع خديجة الكبرى «رض» وتحول الآن الى مكتبة عامة تقابل الحرم المكي وتحته بئر زمزم، وما بين غار حراء، كانت مسافة بعيدة استغرقت أكثر من نصف ساعة بالسيارة، فيما كان الرسول يقطعها مشياً في الحر والبرد ليعبد الله وحيداً في هذا الجبل الذي يأخذ سيراً على الأقدام ثلاث ساعات لنصل الى غار حراء، تطلعت الى جبل ثور الذي وفر الحماية للرسول «ص» والخليفة أبي بكر الصديق «رض» من مطاردة الكفار لهم وعاد التأريخ ليتمثل أمامي وكأنني اسمع أصواتاً تأتيني من كل الاتجاهات وأنا أرتقي تلك الجبال التي تشرفت بآثار قدمي الرسول عليها يوما ما. يقع الجبل في شمال شرق المسجد الحرام، ويطل على طريق العدل وسمي بهذا الاسم لظهور أنوار النبوة فيه، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يخلو فيه بنفسه ليعبد الله قبل البعثة في غار حراء، ويبلغ ارتفاع هذا الجبل 642 متراً، وينحدر انحداراً شديداً من 380 متراً حتى يصل إلى مستوى 500 متر. جبل ثور هو الواقع جنوبي مكة المكرمة ويرتفع إلى 759متراً فوق سطح البحر. ويمتد من الشمال إلى الجنوب على مسافة 4123 متراً ومن الشرق إلى الغرب على مسافة 4000 متر تقريباً. جبل عرفة (الرحمة) هو جبل يقع على بعد 20 كيلو متراً شرقي مكة، تقام عنده أهم مناسك الحج، والتي تسمى بوقفة عرفة وذلك في يوم التاسع من شهر ذي الحجة. وتعد الوقفة بعرفة أهم مناسك الحج كما قال الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم): «الحج عرفة»، وقد قيل أن عرفة سمي بذلك لأن الناس يتعارفون فيه أو لأن جبريل (ع) حين طاف بإبراهيم كان يريه المشاهد فيقول له: «أَعَرَفْتَ؟ أَعَرَفْتَ؟»، فيرد إبراهيم: «عَرَفْتُ، عَرَفْتُ»، أو لأن آدم وحواء «عندما هبطا من الجنة» التقيا فعرفها وعرفته في هذا المكان، صعدت الى عرفة وأنا أحلم باليوم الذي اصعد فيه اليه بموسم الحج وتطلعت الى الأرض حولي من مكانه المرتفع وتخيلت إنني أقف فعلاً فيه في يوم حج قريب بإذنه تعالى. مزدلفة بعد أن زرنا «عرفة» توجهنا الى المزدلفة وهي من المشاعر المقدسة التي يمر بها الحجيج تقع بين مشعري منى وعرفات ويبيت الحجاج بها بعد نفرتهم من عرفات ثم يقيمون فيها صلاتي المغرب والعشاء جمعاً وقصراً ويجمعون فيها الحصى لرمي الجمرات بمنى ويمكث فيها الحجاج حتى صباح اليوم التالي يوم عيد الأضحى ليفيضوا بعد ذلك إلى منى. كان منظر الخيام البيضاء مهيباً ومتعدداً وواسعاً وأخبرتني خالتي «هيفاء وابنة خالتي ملوك» اللتان سبق لهما تأدية فريضة الحج أنهما قضيا ليلة المبيت في واحدة من هذه الخيام المخصصة للحجيج العراقيين وانهما مشياً لساعات طوال في هذا المكان القصي ليلا بتفرد روحاني رائع، كنت استمع اليهما وأتخيل منظر الحجيج في موسم الحج والزحام الإيماني الذي يجمع كل الجنسيات بلا فوارق ولا مناصب ولا درجات متفاوتة، فالكل سواسية في ارض الله المقدسة، كانت هناك جمال كثيرة مزينة بالورود وأصر رجل يقود أحد الجمال على ان تصعد ابنة الخالة «سحر» الى إحداها، لكنها لم تقبل رغم ان الجمال طوقتنا من كل الجهات وصعدت معها الى عرفة ونحن نرتقي سلالم متعددة توصلنا الى قمة تشرف على المكان. منى منى (بكسر الميم وفتح النون) هي منطقة تبعد عن شرق مكة المكرمة بنحو خمسة كيلومترات و تقع في الطريق بين مكة وجبل عرفة. تعرف المنطقة لدورها المهم بالنسبة لمؤدي مناسك الحج، حيث يمكث فيها العديد من الحجاج سنوياً مؤقتاً، كما أنها موقع رمي الجمرات، الذي يؤدى بين شروق وغروب الشمس في آخر أيام الحج. نهاية الزيارة كما هي كل الأشياء الجميلة فإنها سرعان ما تنتهي وكان الزمن يقصر فيها دوناً عن باقي الأزمان، اقتربنا من يوم العودة وقررنا ان نسهر تلك الليلة في المسجد الحرام ولا ننام، كنت ابكي لأنني لا أريد ان أعود، أكملنا الفجر والمدينة تضج بالناس من كل الجنسيات، وشوقي الى المكان ابتدأ يتضخم من لحظة علمي بأننا سنغادر بعد ساعات، ودعت المكان وتواعدنا نحن الخمسة ان نعود في العام المقبل وكل عام حتى نصل الى يوم يترتب لنا فيه الحج الأكبر ان شاء الله.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2