تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


الأرملة الحزينة تتحدث عن مهام عملها ومسؤولياتها كأم..


ذاقت مرارة اليتم وهي طفلة صغيرة، كانت تحن الى ذراعي والدها وهو يرفعها ويركض بها في حديقة الدار، وعاشت ولوعة اليتم تعتصر قلبها الصغير، وعندما كبرت وتزوجت وأنجبت ابنتها كتب لهذه الابنة ان تعيش نفس أحلام أمها وهي ان ترفعها ذراعا والدها ويدور وان تشعر بأن والدها هو كل عالمها، الا ان والد الابنة (زوجها) اغتيل غدرا وترك الصغيرة تحلم به، كما خطفت يد الأقدار والد الأم .. وتنظر محدثتي الى السماء وتقول، سبحان الله، عانيت اليتم وأنا صغيرة كما تعاني ابنتي الآن اليتم، في بلد يحرم الصغار من ابسط حقوقهم، وهو حنان الأب، وتصمت المهندسة ثورة أحمد إبراهيم (من مواليد 1963) مدير عام بلدية الكرخ الأرملة التي فقدت زوجها في عام 2006 اثناء عمله كمهندس في إحدى مناطق بغداد.

 


أردت ان أخرجها من ذلك الحزن الواضح على محياها الذي لفها وأحال ابتسامتها المشرقة وتفاؤلها الدائم الى وجوم حزين فطلبت منها ان تحدثني عن حياتها وهي صغيرة ولماذا اختارت مهنة الهندسة المدنية، وبعد ان رحبت بمجلة نرجس قالت: عندما كنت صغيرة كنت أحب ان أكون مهندسة، مع العلم ان أخي الكبير كان يطلب مني ان ادرس الطب، كنت أخافه واحترمه ولا أريد ان اخرج عن إرادته، فأقول له نعم سوف أتخصص في دراسة الطب وأكون طبيبة، ولكن بعد ان اجتزت امتحان البكالوريا قلت لامي انني لا ارغب في الطب بل في دراسة الهندسة، وكان لي ما أردت، ومن الغريب الآن انني اطلب من ابنتي ان تكون طبيبة وكانت ترفض مثلما كنت افعل، الا انها في النهاية وافقت على طلبي. وتواصل المهندسة ثورة حديثها عن فقدان زوجها اثناء العمل عام 2006 فتقول: - كان شريك حياتي رجلا متسامحا وطيبا وكان يساعدني كثيرا في مهمات البيت بل كان احد اهم أركانه وقد أنجبنا ولدين جميلين وكان يتابعهما في دراستهما، وكان بيتنا ترفرف عليه السعادة الا ان يد الإرهاب اختطفت من ذلك البيت رب الأسرة وهو يؤدي عمله، فخيم الحزن علينا انا والأولاد، الا انني أقسمت ان أكون تلك الشجرة التي لا تنحني للريح، لملمت جراحي ووقفت شامخة بوجه الأحزان، زادتني الفاجعة إصراراً على مواجهة مصاعب الحياة بكل حكمة وصبر، فوزعت يومي بين عملي وبين بيتي وابنيّ. المرأة القيادية وتؤكد المهندسة ثورة ان حرصها وتفانيها في عملها قد فتح لها الأبواب لكي تتسلم مسؤولية الإدارة العامة لواحدة من أصعب وأعقد المهن عند الرجال فكيف بالمرأة تتصدى لهذه المسؤولية؟ لان المهنة تجعل المدير العام وجها لوجه مع المواطن الذي لا يثق بالجهد البلدي المقدم له كما ان أمزجة وشخصيات المواطنين تختلف من منطقة الى أخرى، كما تختلف ثقافتهم ووعيهم، وتستطرد: صممت ان أكون قريبة من معاناة المواطن وألبي ما استطيع عليه من مطالب أراها من صميم عمل البلدية التي أديرها، وعن علاقتها بالكادر العامل معها وخاصة الرجال وكيف تقبلوا ان ترأسهم سيدة أشارت المهندسة ثورة ان علاقتها بهم جيدة جداً، ولم تجد صعوبة تذكر في تقبلهم لكل ما تطرحه من خطط ومشاريع للنهوض بالواقع الخدمي في كل المناطق التي عملت بها. جولة في الشواكة وللاطلاع على سير العمل في المناطق التابعة لبلدية الكرخ قمنا بجولة مع المهندسة إبراهيم في منطقة الشواكة وفي سوقها بالذات وسرنا اننا وجدنا شارع السوق وقد تم تبليطه بشكل ممتاز، واذكر انني قد قصدت ذلك السوق قبل ثلاث سنوات فكانت أرضيته مكونة من مجموعة من الحفر وبرك الماء وطفح المجاري، ووقفنا أمام محل شيخ كبير السن (أبو طارق) الذي قال انه يعمل في هذا الدكان منذ 70 سنة ولم يجد من يهتم بهذه المنطقة مثل المهندسة ثورة ثم اخذ يدعو لها بطول العمر والتوفيق لانها تهتم كثيرا بهذا السوق الذي أعادت له الحياة بعد ان كان ميتا، وحدثتنا المهندسة ثورة عن عملها في هذه المنطقة فقالت: - كما ترون ان هذه الأزقة ضيقة جداً، بحيث لا يزيد عرضها على مترين الا اننا وصلنا اليها، وهذا الشارع لم يبلط منذ مدة 30 سنة، كما قمنا بتنظيف المجاري وتسليكها في هذه المنطقة، وتشير المهندسة ثورة الى ان الثقة كانت معدومة بين الأمانة وسكان المنطقة، الا اننا استطعنا كسر الحاجز من خلال تواجدنا في المنطقة وتقديم الجهد البلدي لساكنيها، وتذكر لنا المهندسة ثورة انها كانت كلما تسير في هذا الشارع تخرج لها سيدة خرساء تطلب منها (بالإشارات) ان تدخل الى بيتها لترى ما تعانيه من طفح المجاري، وتقول انها دخلت مع تلك السيدة الخرساء الى بيتها لترى ماذا تطلب، فوجدت ان حالة الدار لا تطاق وان طفح المجاري كان واسعا ما جعلها تطلب من دائرة المجاري إنقاذ هذه السيدة مع العلم ان المجاري ليس من اختصاص دائرتها، ما افرح المرأة الخرساء كثيراً! وعن أوقات العمل تؤكد المهندسة ثورة ان العمل في البلدية على وجبتين الأولى الصباحية وهي الأهم تبدأ من الساعة السابعة صباحا الى الساعة الثانية بعد الظهر، وتشير الى ان المردود المعنوي هو الأكبر والاهم الذي قدمته لساكني هذه المنطقة. المرأة في الجهد البلدي وتؤكد المهندسة ثورة من انها اول مدير عام امرأة في تاريخ أمانة بغداد، وان عملها هذا يجعلها أمام موظفين من شتى الاختصاصات والمستويات، وهذا وحده يحتاج الى صبر ووعي وقد تم اختيارها بالصدفة فقد كانت تعمل رئيسة قسم الإجازات في بلدية الرشيد عام 2004 وشاءت الصدفة ان تكون هناك زيارة لأمين بغداد الدكتور علاء التميمي الى المنطقة والى دائرة بلدية الرشيد الذي جاء في الساعة 5 و2 ظهراً وفي تلك الظروف الصعبة من عام 2004 ولم يكن هناك في الدائرة سواها كرئيسة قسم الإجازات ومعاون المدير وبعض الموظفين، وصاحبت الأمين في كل الجولات التي قام بها في البلدية وبعدها سألها بعض الأسئلة عن عملها واختصاصها وما قدمته للدائرة من جهد، وبعد شهر من تلك الزيارة تم تنصيبها معاون مدير عام بلدية المنصور، وبعد مرور 6 أشهر تم اختيارها كمدير عام بلدية الكرادة، وبعد ذلك مدير عام بلدية الكرخ ، وتشيد المهندسة ثورة برعاية واهتمام أمين بغداد بعملها وتشجيعه لها. الأرملة والأم بعد ان تحدثنا كثيراً عن العمل سألت المهندسة ثورة هل يصاحبها منصب المدير العام الى البيت أيضاً وكيف توفق بين عملها ومسؤولياتها كأم وربة بيت خاصة بعد ان فقدت شريك حياتها، فقالت: - بعد اغتيال زوجي أصبحت مسؤوليتي أمام الأولاد كبيرة وان أعوضهم حنان الأب وأنا المنهمكة بمسؤولياتي في العمل، كما كنت انا أيضاً مهددة بخطر الإرهاب، وكنت اشعر بالرعب، خاصة وانني كنت في منطقة ساخنة وهي الزعفرانية، كنت أوقع البريد وأنا في الشارع اثناء العمل، ومررت بفترة صعبة جداً إما ان اترك العمل او أخلع لباس الخوف، واخترت الأخير، وكنت اثناء العمل اتصل بالأولاد لأطمئن عليهم، كنت أتابعهم بقلبي ومشاعري كأم حتى انني كنت اعلم اين هم يذهبون دون ان يقولوا لي ذلك فقد قلت ذات مرة لابني انت الآن لست في بيت خالك أليس ذلك؟ أجابني نعم هذا صحيح! ومع كل التزاماتي المهنية استطعت ان أوفق في تربية الأبناء فابني الكبير الآن في الكلية وأخته الصغرى في الإعدادية وسوف تدخل كلية الطب إن شاء الله، وأنا سيدة بيت شاطرة وطباخة ماهرة، اما كوني أرملة فأشعر بالحزن ولكن أداري حزني في التفاني في عملي. السيدة عراق وفي ختام اللقاء تحدثت المهندسة ثورة عن مشروع المدى (السيدة عراق) وأشادت باللقاء الذي جرى بين مجموعة من الأرامل وفخامة رئيس الجمهورية جلال طالباني، وكيف وجدت شخصية رئيس الجمهورية المتواضعة والمتفهمة لدور نساء العراق في الحياة السياسية والاجتماعية، وكيف استطاعت المرأة التي فقدت المعيل ان تتكيف في حياتها لتشعر العائلة بالسعادة على حساب أحزانها وآلامها وجهدها المتواصل في العمل سواء كانت خياطة او سائقة كيا او حتى مديراً عاماً.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2