تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


قلب الرصافة الذي توقف نبضه ساحة الميدان .. تاريخ عريق طواه البؤس والإهمال


بشرى الهلالي

واحدة من أشهر وأقدم معالم ومناطق بغداد، وأكثرها إيغالا في عمق التاريخ البغدادي، وأكثرها تنوعا في صور الحياة حتى انها تبدو لمن يحاول سبر غورها ليعيد اكتشافها من جديد، مزيجاً متبايناً من التراث والحداثة والبؤس والنعيم, ففي (محلة الميدان) تتكرر المشاهد، وكأنها منهج يومي متفق عليه حيث يحاور مثقف حد النخاع أميا بسيطا في (مقهى الزهاوي)،


ويتبادل وجيها مع بائع صحف آهات الطرب في مقهى السيدة، وتجاور بناية آلت إلى السقوط بناية حديثة البناء والمعمار .. تكتسب محلة الميدان أهمية تاريخية في حياة البغداديين وذاكرتهم، فقد احتضنت أهم المراكز الحكومية طيلة القرن الماضي، فضلا عن ان ساحة الميدان التي تتوسطها كانت، ولمدة قريبة، اكبر وأنشط محطة للنقل الداخلي، ووصلة الوصل بين مناطق بغداد الشمالية والغربية والشرقية حيث تنطلق منها على مدار اليوم مئات الرحلات الداخلية التي يقودها (الباص ذو الطابقين) بلونه الأحمر المميز... لمحة تاريخية تشير المصادر التاريخية إلى ان تسمية المحلة والساحة المشهورة التي تتوسطها باسم (الميدان) يعود إلى المدة العباسية حيث أسست الساحة على مقربة من قصور خلفاء وأمراء العباسيين لتسليتهم من خلال ممارسة لعبة الكرة والصولجان، التي تؤكد تلك المصادر ان أول معرفة العراقيين بها كانت في زمن العباسيين. بينما ينسب بعض تسميتها إلى تحولها لساحة لتدريب واستعراض الجيش العثماني أيام حكم العثمانيين في مطلع القرن التاسع، وهو ما يعرف في الأعراف والمصطلحات العسكرية بالميدان. ويشير الباحث في تاريخ بغداد (إبراهيم عبد الرحمن) إلى ان " الساحة حُولت فيما بعد من مكان لتدريبات للجيش العثماني إلى سوق لبيع الأعلاف لخيول العربات التي تنقل السلع والبضائع والمسافرين إلى بغداد حيث كانت ساحة الميدان المحطة الرئيسة لمدخل بغداد الشمالي، وكانت تستخدم أيضا لعرض وبيع العبيد المستقدمين من بلدان روسيا والقوقاز وأرمينيا ووسط آسيا، ومن أسوأ المراحل التي عصفت بتاريخ الساحة هو تخصيصها لمكان لتنفيذ أحكام الإعدام بالسيف في العهد العثماني، والتي كان ينفذها أشهر جلادي تلك المدة (طه ناعور الأعور) أيام الجمع بعد الصلاة وسط حشود المصلين ومع قرع الطبول". وتشير مصادر أخرى إلى ان تسمية الساحة تعود إلى القرن التاسع عشر نسبة إلى شاعر يدعى عمر الميداني كان كثير التردد عليها في تلك الآونة. مساحة صغيرة وعالم كبير تقع محلة الميدان في بداية شارع الرشيد، بالقرب من مبنى وزارة الدفاع القديم، وتشكل مربعا تتكون أضلاعه الأربعة من محلتي الصابونجية والحيدر خانة وشارعي الرشيد والجمهورية، وتجاورها بناية وزارة الدفاع والسراي والقشلة. وتعد مركز الرصافة ونهاية حدود باب بغداد الشمالي الذي يعرف حاليا بباب المعظم. ومن أهم محلاتها محلة جديد حسن باشا التي كانت تضم بيت كامل الجادرجي وجريدة الرأي العام التابعة للشاعر محمد مهدي الجوهري، وأول مركز بريد أو (البوست أوفيس)، كما كان يسمى، والمدرسة الغربية وأفران صمون الجيش ، ومحلة الصابونجية التي ضمت بيت وصفي طاهر وبيت رفعت الحاج سري وبيت جميل المدفعي والمكتبة الوطنية التي قامت المس بيل بتأسيسها. يقول السيد (عبد الرزاق الحافظ) أستاذ تاريخ وباحث: "كانت (الميدان) مركز بغداد حيث احتضنت المراكز الحكومية المهمة مثل مصلحة إسالة الماء التي انتقلت إلى مجمع أمانة بغداد في ألخلاني وأمانة العاصمة التي حُولت بعد ثورة 17 تموز لتكون محافظة بغداد ووزارة الخارجية التي انتقلت فيما بعد إلى منطقة علاوي الحلة، وكانت المنطقة تضم أيضا نادي الضباط ومجلس النواب وقريبا منها القشلة، وفيها الوزارات، ومن أهمها وزارة الداخلية حين كان صالح جبر وزيرها آنذاك". ويشير الحافظ إلى دور المنطقة بشكل عام في الحياة السياسية في العراق من خلال القرن الماضي "فقد كانت نقطة انطلاق الشرارات الأولى للتظاهرات والانقلابات ، فمن جامع الحيدرخانة انطلقت التظاهرة المؤيدة لثورة العشرين وقادتها فضلا عن انتفاضة 1932، وانتفاضة 1952، وتظاهرة 1956 التي انطلقت للتعبير عن مساندة مصر من خلال العدوان الثلاثي، فضلا عما كان يجري في خانات ودهاليز وأقبية الميدان من اجتماعات ونشاطات وطنية معادية للاحتلال البريطاني، والتي جعلت من المنطقة مكانا شبه دائم لتواجد أجهزة الأمن لملاحقة الوطنيين". مركز بغداد الترفيهي والى جانب أهميتها السياسية والإدارية كانت تعد مركز بغداد الترفيهي والسياحي حيث ضمت مجموعة من أشهر مقاهي بغداد وأكثرها تماسا مع حياتهم. يقول الحاج (أبو رحومي) من أقدم سكنة محلة الحيدرخانة: كان (مقهى خليفة) من اكبر مقاهي المنطقة ، و خليفة هذا هو احد أشهر وأشجع شقاوات بغداد، لذلك كان بمنأى عن محاسبة مراقبي البلدية بالرغم من اغتصابه بدون غطاء قانوني لأغلب المنطقة ، فضلا عن مقهى (سيد بكر) ، وكانت ملتقى الصم والبكم وهواة ومربي (البلابل)، و(مقهى البلدية) التي كانت ملتقى الوزراء والطلبة والمثقفين والسياسيين والفنانين أمثال الراحلين، محمد الكبنجي, ويوسف عمر, وعباس جميل، وانتهى أمر (مقهى البلدية) بقيام دوائر البلدية بهدمها في منتصف السبعينيات بأمر من الحكومة السابقة لأسباب مجهولة بالرغم من ان بعضا اعتبرها سياسية بحتة". وبحكم موقعها كمركز للرصافة التي كانت قلب بغداد، كانت منطقة الميدان بمحلاتها وساحتها موقع التسلية واللهو الرئيس ، حيث تشير المصادر التاريخية إلى وجود عدد من المسارح الغنائية والملاهي الليلية، ما يسمى بـ(التياترو) ، ومن أشهرها تياترو (حسن صفو) و (عزاوي) كما يقول (أبو رحومي) ، مضيفا: "كان الدخول إلى بعض المناطق كالصابونجية محظورا على الصغار، وقد كان الدخول إليها عبر باب، فكنت أرسم على شفتي العليا خطا أسودا ليبدو كالشارب كي أدخل إليها، وأشهر هذه الأماكن وهو (اوتيل الهلال) الذي كان مسرحا وسينما وملهى ليليا في آن واحد، والذي كان مركز استقطاب لشخصيات كبيرة على المستوى السياسي والاقتصادي في بغداد كانت تواظب على حضور عروض بدرية السواس الغنائية والراقصة فضلا عن سلطانة يوسف وبدرية أنور وسليمة مراد، وفيه أحيت فيه الفنانة أم كلثوم عددا من الحفلات عام 1935 ، ويومها اكتظ المكان حتى عجز عن استيعاب الحضور، فاستعان أصحابه بالساحة خارج الاوتيل مع نصب مكبرات خارجية للصوت. وضمت منطقة الميدان أيضا آنذاك دور سينما معروفة مثل سينما رويال الذي كان بالقرب من خان المدلل المشهور ببيع التبغ، والتي تعد من أقدم وأشهر دور السينما في بغداد، والتي اختفت معالمها اليوم أسوة بمعالم تراثية أخرى احتضنتها المنطقة بين جنباتها طوال عقود ، وأيضا سينما فلاش غوردن . سر النذور التي تقدم إلى (طوب أبو خزامة) يعد (الطوب أبو خزامة) احد أشهر وأطرف رموز ومعالم منطقة الميدان، والذي كان منتصبا أمام المبنى القديم لوزارة الدفاع القريب من الميدان إلى مدة قريبة بعد سقوط النظام السابق، ومما يثير الدهشة اختفاء الطوب بعد أحداث عام 2003 بشكل غامض، ولم تعرف الجهة التي رفعته من مكانه والى أين نقل؟!. أحاطت هالة الطوب من القدسية حيث اعتقد أهل بغداد بفضله في انتصار العرب على الفرس واستعادة بغداد من قبل العثمانيين، لذا اعتبره بسطاء البغداديين وليا مقدسا يزوره الناس وخصوصا النساء لاعتقادهم بأنه لا يخيب رجاء زائره الطوب فيربطون بخزامته قطع القماش ( العلك ) ، وتوقد حوله الشموع كل ليلة جمعة .



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2