تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


دور منظمات المجتمع المدني في الحد من الفاقة والفقر!


ابتهال بليبل / نرجس
تقارير عدة منها ما هو أمني – سياسي ومنها ما هو اقتصادي – اجتماعي، تصدر كل يوم على الساحة العراقية تدق نفير الخطر من تفاقم أزمة الفقر المدقق، وينصح مطلعون بمحاولة الحد من تلك الفاقة نهائياً، من خلال وضع آليات عمل حقيقية تساهم فيها كل من مؤسسات الدولة والجهات المعنية ومنظمات المجتمع المدني، وبالرغم من أن هذا الحديث يتصاعد منذ أعوام، إلا من يقرأ التقارير يدرك على الفور أن هناك أزمة


كبيرة وطاحنة يعيشها الفرد العراقي في طريقها إلى التفاقم أكثر فأكثر دون حلول تذكر، بل أنها أصبحت ظاهرة بادية للعنان، ولا يحتاج المرء أن يكون خبيراً بتفاصيل الجوع والحرمان ليعرف هوية الضحايا في مثل هذا الحال: الفقراء من النساء الأرامل، والمطلقات، والفاقدات لأزواجهن، والعاطلين عن العمل من شباب وكبار السن. ولما غدا العمل نادراً لهم، فلا بد أذن من الانزلاق في الفقر من دون استثناء.
ولم يكن مفاجئاً تزايد نسب الذين يعيشون تحت وطأة الفقر، ونتيجة لذلك يستغرب مراقبون من عدم مساهمة منظمات المجتمع المدني في الحد من فاقة الفقر التي يعانيها الفرد العراقي ووضع صيغ علمية دقيقة والسعي لإصدار قوانين من قبل البرلمان العراقي للحد من أو القضاء على جذور هذه الأزمة.

لعنة المرض
لم يدر بخلد أبو يوسف أن إصابة زوجته بمرض السرطان سيضطره إلى بيع سيارته التي كانت تعينه على توفير بعض المصاريف اليومية، الأمر الذي جعله يستغني عنها لتسديد المبالغ التي تجاوزت الأربعة ملايين دينار عراقي مقابل علاج زوجته المريضة.
فيقول أبو يوسف: أن الأسرة التي يصاب احد أفرادها بمرض السرطان، تحل عليهم المصيبة الكبيرة، فتكاليف العلاج باهظة جداً والتحاليل السريرية لهذا المرض أسعارها تفوق الخيال، مشيراً إلى أنه موظف وراتبه الشهري لا يتعدى 400 ألف دينار، بينما عليه توفير مبلغ 70 ألف دينار كل خمسة أيام لتوفير علاج زوجته المريضة.
ولم يكن أبو يوسف الوحيد الذي يعاني في هذا البلد ارتفاع تكاليف الأدوية والعلاجات الطبية، فأغلب العراقيين اليوم بات أي مرض يصيب احد أفراد عائلاتهم يجعلهم يعيشون في دوامة توفير تكاليف العلاج، حيث أبرزت التطورات الحاصلة في البلاد مناحي جديدة من تفاقم الأزمات التي وصلت إلى غاية المعاناة في توفير مبالغ (الدفن) للمتوفى على نحو يدل على دخولها في نفق الفقر الذي أصاب شرائح كبيرة من هذا الشعب، وهو عامل يزيد الأمور تعقيدا ويكشف عن أبعاد أخرى لما يجري على الساحة العراقية من تطورات خطيرة.
وهنا نتساءل إذا كانت الجهات المعنية لا تستطيع توفير العلاج المناسب إلى الكم الهائل من المرضى، فأين الجهة التي تضع الأمور في نصابها، أين المنظمات التي تستحوذ على المساعدات والدعم، هل يكفي أن تجمع وثائق هؤلاء المرضى لرفع ملفاتهم إلى المنظمات الدولية والعالمية للحصول على الدعم المالي لها، بدلاً من منحه لهؤلاء المرضى؟
فلم يكد ينتهي تجميع أعداد من المرضى ووثائقهم الثبوتية وصورهم من قبل البعض من المنظمات، للحصول على الموافقات الأصولية حتى تبدأ تتحول هذه المنظمات إلى منابر خطابية وجلسات تجمع فيها المسؤولين وكبار الشخصيات للاحتفاء بالبعض منهم، وتقديم مائدة تحوي مختلف الأنواع من المأكولات، فهي اليوم تحتفي بالدعم – الغنيمة - التي حصلت عليه، متناسية أنها بأسماء ووثائق المرضى استحوذت على ما تريد.
ورغم التناقض الذي يلف أهداف البعض من المنظمات المدنية، إلا أنها تتفق على أن وجودها لتحقيق مصالح فردية على الساحة العراقية قد صار ملموساً، حيث أن بصمات تنظيمها لهذا الأمر يبدو واضحاً في مجال استغلال المرضى من عامة الشعب لتحقيق مصالحها، كذلك فإن مسألة الدعم الذي تحصل عليه هذه المنظمات باتت مشكلة كبيرة بالنسبة لتلك المنظمات الفاعلة وفي الطريق لتفاقمها أيضاً.

تكاليف الأجور الطبية
وان تابعنا الوضع القائم فسنجد أن اغلب العوائل تتمنى أن يحدث انفجار ويأخذ عزيزاً عليها بدلا من انتظار موته ببطء نتيجة إصابته بمرض خطير، أم سعد وجدت بعد وفاة زوجها الذي ظل يعاني المرض قرابة الثلاثة أعوام، نهاية مريحة لهم حيث أنهم عجزوا عن كيفية توفير تكاليف علاجه بالرغم من تصريح الأطباء بأن الموت نهايته، فتقول: تعبنا وأصابنا اليأس واستدنا مبالغ لا يمكننا تسديدها حتى ولو بعد عشرة أعوام نتيجة مرض زوجي، مشيرة إلى أن اكبر مصيبة تقع على أهل المريض هو أن يعيشوا معه لسنوات وهم على يقين انه سيرحل في أية لحظة، ولكنهم في الوقت ذاته لا يستطيعون توفير العلاج له، بل يكونون ملزمين بتوفيره غاية في إطالة أيام بقائه التي ستنتهي لا محال.
وترى أم سعد أن تكاليف الأجور الطبية والأدوية والتحاليل أنهكتنا، والأطباء، بل وجميع الكوادر التي تعمل في هذا المجال تستغل الوضع الحالي وتضع أجوراً تفوق قدرة المريض، مشيرة إلى إن أدوية وعقاقير هذه الأمراض مرتفعة التكاليف جداً. متسائلة عن دور الجهات المعنية في عدم وضع تسعيرة مناسبة لمحدودي الدخل.
ويبدو أن في الساحة العراقية وحدها الفوضى هي السائدة، وهي كما تؤشر الأحداث تتجه نحو الفراغ بعد أن تنوعت مشكلات الفرد العراقي، وبات يتمنى أفضل الأمرين، هكذا أصبح حال العراقي في بلاد يقال أنها تطفو على بحيرة من النفط، ويعود من جديد تساؤلنا عن دور المنظمات المدنية التي تعنى بحقوق الإنسان، لقد بدأ صراع الفقر ينتقل إلى مفهوم معقد ويدفع بالفقراء الى نفق من الأزمات التي ليست لها حلول ايجابية، وإضافة إلى ذلك فإن إصرار هذه المنظمات على عدم أخذ دورها الفاعل في الضغط على وزارة الصحة لتسيير أمور مرضاها، والذي أقصد به فتح قنوات اتصال بينها وبين وزارة الصحة لتقديم قوائم بالمرضى كافة دون تحيز لأحد منهم ودون وضع شروط للفائدة المرجوة من تسهيل مهمة علاجه، لكن هذه المنظمات عملت على تفاقم وتزايد الحالة لأنها قائمة على نوايا ذاتية وفائدية بحتة.

منح الوزارة
وتبع المخاوف مما يحدث في أن تسعى هذه المنظمات إلى ممارسة الاستغلال بكافة إشكاله لتهيئ مكاناً مناسباً لها ولتنفيذ مخططاتها الربحية مقابل استغلال مصالح عامة الناس، حيث يرى نصر سالم- موظف أن منظمات المجتمع المدني تعلن دائما عن مساندتها ومساعدة المصابين بأمراض خطيرة من خلال فتح قنوات لتوفير سبل العلاج المجانية وتسفير الحالات التي تستدعي ذلك. في المقابل يلفت سالم إلى معاناة المواطن مع وزارة الصحة، حيث أن الأدوية والعقاقير التي تمنحها الوزارة للمصابين بأمراض مزمنة وخطيرة وفق البطاقة الدوائية من مناشئ صينية وهندية وهي غير فعالة ولا تفي بالغرض، فيضطر المريض إلى شراء أدويته من القطاع الخاص والتي تكون أسعارها مرتفعة جداً.
أما عن تسفير المصابين بحالات خطيرة ومستعجلة فيرى سالم أن هذه الفقرة تحديداً تقع فقط على المقربين والعلاقات، ويتحدى أي شخص مريض وفقير أن يحصل على هذه المنحة للعلاج من الوزارة بطريقة مناسبة وكحق من حقوقه على هذا البلد دون توسيط.
سالم وجد أن ما يصيب العراقيين اليوم من محن هو سبب الظروف والحروب والتصدعات السياسية والأمنية التي جرها الساسة إلى هذا المواطن الفقير الذي لا يقوى حتى على توفير تكاليف الدفن عندما يفقد عزيزاً عليه.

المحنة الكبيرة
وهكذا تعددت المعاناة والعنوان واحد هو "الفقر" عبارة تختصر صورة الواقع العراقي لبلد يعتبر من البلدان الغنية، وأفراده يعيشون على وقع القرارات الظنية المنتظرة سواء أكانت من قبل الجهات المعنية أو من قبل المنظمات المدنية، فيما هم يجترون الأمراض وانعكاساتها التي ترخي الكثير من الأمور، اقلها اعتبارهم أن الموت هو طلقة الرحمة التي تسعف الباقين لاستكمال حياتهم في انتظار المصير المجهول.. كثيرة هي التساؤلات المطروحة عن السيناريوهات المحتملة وكثيرة هي المخاوف. حيث يؤكد رسول العبيدي- باحث اجتماعي بقوله: مما لا شك فيه إننا أمام أزمة كبيرة عنوانها الفقر والعوز والحاجة نظراً لإمكانية تفاقمها بشكل يتعارض مع إيجاد الحلول المنطقية لها، فالمواطن العراقي بدأ يشعر بأنه مستهدف في كل الاحتمالات وتصفيته لم تكن من خلال التفجيرات والقتل والاغتيال فقط بل أنه يعتقد حتى معاناته مع المرض وعدم استطاعته توفير العلاج لقريب له لشفائه هو استهداف أيضاً، مشيراً إلى أن العراقي فقد الثقة بمن حوله، بل فقد الثقة حتى بالهواء الذي يستنشقه والماء الذي يشربه، متسائلاً كيف أصبحنا أمام هذه المحنة الكبيرة التي تتصدر عناوينها الأساسية العجز عن إحداث أي تغييرات ايجابية، ولم يعد بمقدور الجهات المعنية من معالجة هذه الأزمات.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2