تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


سائقات كيا يعملن في شوارع بغداد أم زينة تغادر الطب بعد غياب معيلها نحو مهنة احتكرها الرجل


لم يدر بخلد الطالبة رائدة شاكر ان تنقلها تقلبات الزمن من مقعد الدراسة الى مقعد حافلة (الكيا) ليكون خيارها الصعب، التجوال بحافلتها في الشوارع بحثاً عن ركاب بدلا من أن تتجول بين المختبرات العلمية و القاعات الدراسية والكافتريا الطلابية. لعل منظر امرأة تقود حافلة أجرة في شوارع العاصمة يثير الاستغراب و الفضول لدى الناس في مدينة لم تعهد امتهان النساء مثل هذه الأعمال التي ظلت لزمن طويل حكرا على الرجال.


بغداد/ علي ناصر الكناني

شاءت المصادفة أن ألتقيها أثناء مروري بأشهر وأكثر ساحات العاصمة بغداد ازدحاماً (ساحة الطيران في الباب الشرقي) حين لفتت انتباهي امرأة متوسطة العمر وهي تقود سيارة أجره لنقل الركاب نوع (كيا)، فأسرعت الخطى لاقترب منها أثناء توقفها لاا نزال من كانت تقلهم من الركاب، يدفعني الفضول الصحفي الى ان اعرف المزيد عن هذا الأمر فحييتها مسلماً.. فردت علي السلام وقد علت وجهها ابتسامة شفيفة مشوبة بالاستغراب الذي سرعان ما تبدد بكلماتها وهي تسألني بلهجة شعبية دارجة (أتفضل عيني..اامر) فأخبرتها بطبيعة عملي وسر اهتمامي بموضوعها يكمن في كونها امرأة اتخذت من مهنة شاقة ومتعبة تكاد، تكون في مجتمعنا حكرا على الرجال فقط، فردت علي بثقة عالية، إشارة منها بأنها طالما أجابت عن هذا التساؤل لمرات عديدة ولم يتغير جوابها أكثر من أن تقول .. للضرورة أحكام أخي!
السيدة رافدة شاكر (أم زينة) امرأة عراقية من بين عشرات بل مئات النساء اللائي أجبرتهن ظروف الحياة القاهرة على العمل بشرف في شتى المجالات لدرء عوز الحاجة والفاقة عن أسرهم وعوائلهم بعد فقدهم آبائهم وأزواجهم لأسباب شتى ولعلنا اليوم نشعر بشيء من الزهو ونحن نسلط الضوء على حكاية هذه المرأة التي وضعتها الظروف الصعبة  بعد فقدها لزوجها وعشرة آخرين من اهلها وعائلتها خلال الأحداث الطائفية المقيتة التي شهدتها بغداد ومعظم المدن العراقية في السنوات الماضية التي أعيتها السبل، كما تقول.. في ان تجد عملا شريفا عله يكون حلا تبعد به شبح الحاجة والعوز عنها وعن اسرتها وعيالها، فما كان ذلك الا من خلال قيامها بالعمل على سيارة (كيا) لنقل الركاب بعد ان اتقنت تعلمها السياقة على يد زوجها الراحل.
لم أجد أمامي خيارا وأنا التقي هذه المرأة الا ان ادع تساؤلاتي عن أحوالها وحكايتها تنساب بهدوء وانبهار الواحدة تلو الأخرى أمام ذلك الإصرار المهيب الذي تحمله بانتزاع فرص الحياة بقوة شكيمة تفوق كونها ذلك الكائن الضعيف الذي طالما منحنا سر الحياة وسر البقاء حينما سألتها ان تحدثني عن عملها وحكايتها علت وجهها ابتسامة شفيفة تخفي خلفها رحلة تعب يومي مضن لساعات طويلة من عمل شاق فقالت: شاء القدر ان افقد زوجي وعدداً من أفراد عائلتي نتيجة اعمال العنف الطائفية فأصبحت المعيل الوحيد لبناتي وأبنائي الثمانية الذين أغلبهم من التوائم ويحق لي الفخر والاعتزاز لانني استطعت أن أوصل اثنتين من بناتي الى المرحلة الجامعية ورفضت العديد من طلبات الزواج ثانية إكراماً لأبنائي ولذكرى والدهم الراحل.
لقد دهشت حقاً حين سألتها عن سبب اختيارها مهنة شاقة كالسياقة والتي عرفت بكونها حكراً على الرجال فردت قائلة: قد لا تصدق بأني طالبة في المرحلة الثانية في كلية الطب وقد أجلت دراستي لثلاث سنوات لأتمكن من إعالة عائلتي وتحملي المسؤولية بعد وفاة زوجي فضلا عن عملي بمهن عديدة قبل السياقة ومنها خياطة الملابس وبيع الخضراوات ولكن صعوبة المعيشة وارتفاع الإيجار قد وضعني أمام خيار العمل كسائقة بعد أن خذلني جميع الذين ائتمنتهم بالعمل على السيارة الوحيدة التي نملكها والتي اشتريتها بالإقساط بمعاونة أهلي وبعض معارفي ومن الجدير بالذكر لابد ان نشير الى ان السيدة ام زينة قد اكتسبت خبرة ومهارة عالية وجيدة في تصليح العطلات الطارئة والمفاجئة التي تحصل في سيارتها ويسارع الجميع لإبداء المساعدة وخصوصاً رجال المرور والحرس الوطني وطالما ينادونها كما تقول: (أهلاً بالبطلة والمجاهدة ) والبعض الآخر ينادونها (بالعلم) ويحرصون على السماح لها بالتوقف لنقل الركاب من الشارع مباشرة من دون الذهاب الى الكراج الخاص بخطوط النقل الداخلي أي بطريقة (الجابك) ولعل من بين المواقف النبيلة والمشرفة التي قامت بها ام زينة والتي تستحق الذكر والثناء قيامها بنقل العديد من الجرحى في التفجيرات الإجرامية التي حصلت سابقا قرب مبنى وزارة الخارجية ومتنزه الزوراء على الرغم من إصابتها هي أيضاً لمرورها بالقرب من مكان الحادث الى جانب تذكرها للعديد من المواقف والحكايات التي لا تخلو من الإحراج والطرافة ومنها كما تقول : ان بعض النساء كن يترددن بالصعود معي في سيارتي لكوني امرأة فاضحك في سري ولسان حالي يقول ستتعودن على هذا الأمر في قادمات الأيام بعد ان تغزو نساء أخريات شوارع بغداد (كسائقات) في مهنة كانت ولزمن بعيد حكراً على الرجال.
«أم علي» تجاوزت الأربعين وهي تقوم بإصلاح عطلات سيارتها بنفسها
فيما تحدثت لنا السائقة (ام علي) التي تحملت هي الأخرى وزر مسؤولية إعالة أسرة كبيرة قوامها أربع بنات شابات وولد معاق بعد وفاة زوجها في أواسط التسعينيات من دون ان تتمكن من الحصول على راتب تقاعدي بعد توقفها عن العمل عقب أحداث نيسان 2003 كونها كما أخبرتني بانها كانت تعمل في إحدى دوائر الدولة ولديها خدمة وظيفية تجاوزت الـ(25) عاما وبعد ان أتعبها كما تقول: روتين المراجعات قررت ترك الامر للظروف والمستقبل.
قلت لـ(أم علي) التي طلبت عدم ذكر اسمها الصريح:

 كيف اخترت هذه المهنة التي قد لا تتناسب مع وضعك كامرأة وأين ومتى تعلمت السياقة؟
- لقد تعلمت مهنة السياقة منذ سنوات طوال وذلك خلال عملي قبل الحرب بإحدى دوائر الدولة، إضافة الى كون اغلب أشقائي وأقربائي يمتهنون السياقة مما شجعني لكسب المزيد من الثقة والخبرة في هذا المجال حيث استفدت من ذلك حين اتخذت من السياقة مهنة اعتاش منها وخاصة بعد أحداث عام 2003 واستمر الأمر حتى الآن، وأنا وعائلتي وجميع معارفي فخورون بذلك، وهم الذين شجعوني وساعدوني على شراء هذه السيارة (بالأقساط) للعمل فيها في شوارع بغداد ومناطقها أسوة ببقية سواق سيارات الأجرة.
 فقلت لها: لماذا  لم تحاولي العمل كسائقة ضمن احد خطوط النقل التي تسيرها اغلب دوائر الدولة والمؤسسات الرسمية والأهلية لنقل موظفيها لعل ذلك يدفع عنك بعض العناء والإحراج؟
-  لقد حاولت كثيرا للحصول على مثل هذه الفرصة ولكن وللأسف الشديد لم افلح في ذلك وأملي هنا ومن خلال مجلتكم ان احصل على ذلك وسأكون سعيدة ان تحقق هذا الأمر لي.

 لنعد ثانية الى رحلة العناء والتعب اليومي في مهنتك هذه.. واقصد متى يبدأ مشوارك هذا ومتى ينتهي؟
- يبدأ عملي اليومي من الساعة السادسة صباحا وحتى وقت الظهيرة لأعود الى عيالي وبيتي، كوني ما زلت لحد الآن اسكن مع أهلي لعدم مقدرتي وتمكني من شراء دار مستقلة لعائلتي حتى الآن لأداء الصلاة وتناول طعام الغداء مع أولادي ثم أعود ثانية الى الشارع لمواصلة العمل حتى مغيب الشمس وهكذا الحال في بقية الأيام.
وأخبرتني السيدة (ام علي ) بانها غالبا ما تقوم بإصلاح العطلات الطارئة التي تحصل لسيارتها بنفسها، مما اكسبها الخبرة والمهارة في هذا المجال كما تقوم بين فترة وأخرى بتلبية طلبات جيرانها ومعارفها بنقلهم الى بعض المحافظات القريبة او لأداء مراسيم الزيارة في مدينتي كربلاء والنجف الاشرف، وكذلك تقوم بتعليم من ترغب من النساء السياقة فقالت مازحة: أنا أشجع عمل المرأة بهذه المهنة وربما سنشكل مستقبلاً نقابة خاصة بالسائقات!

 الا تخشين معاكسة البعض لك اثناء عملك في الشارع كسائقة؟
- ان زحمة العمل اليومي وطبيعته لا تعطي للآخرين مجالا او فرصة لمثل هذه الأمور وان حصلت فعلا سأتجاوزها بلياقة من دون ان أسيء لأحد.

 وأخيراً.. ماذا تتمنين ان يتحقق من الأمنيات؟
- ان أعظم أمنياتي وأكبرها هو ان يعود الأمان لمدننا العراقية ولشعبنا العزيز بكل طوائفه وأقلياته وان أحقق لأبنائي أحلامهم المستقبلية.. واستبدل سيارتي هذه بأخرى جديدة ورفع الحواجز والسيطرات من الشوارع!



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2