تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


عقوق الوالدين .. موضة العصر


حمد فؤاد جهاد 
انتفضت بوجل مشيرة إلى حياتها المحترقة بكل من حولها ، تتطاير عبارات الألم والضعف، وتلتصق بقسوة خلف ملامح أبت أن تفارق بسمتها الرمادية ، تشدد بامتعاض على أبنائها الذين تركوها تتوه على أرصفة الغربة .. إنها حكاية عقوق الوالدين التي أصبحت موضة العصر الحديث ، فكم من ابن وابنة شغلتهم الحياة في البحث عن المال، وأمور أخرى،


 متناسين أمهاتهم وآباءهم، مكتفين بحمل ( هواتفهم النقال )، والاتصال بهم للسؤال ، فيما البعض الآخر قد لا يمتلك الوقت الكافي حتى في السؤال.أ أهملوني أم حسين امرأة طاعنة في السن تجلس على الرصيف ، لتبيع التوابل والدبابيس، وبعض حاجيات رخيصة في سوق حي العامل الشعبي ، بجزع تقول: بالرغم من تلك المحاولات العقيمة التي يلجأ إليها أبنائي ، إلا أنني رفضت العيش من رزقهم، وآثرت على نفسي الجلوس على الأرصفة لجمع قوت يومي. تستدرك أم حسين حديثها قائلة : ربيتهم بدموع العيون بعد وفاة والدهم، وتحملت من اجلهم كل شيء ، ليقابلوا ذلك بالسخط والمنة في كبرهم ، أهملوني واهتموا بحياتهم، وان احتجت لشيء منهم تتعالى صرخاتهم متذمرين عليّ، ومنهم من يسب ويلعن ، وأنا التي أهملت سنين عمري أنتظرهم يكبرون أمامي حتى أرتاح. مضيفة: وبالرغم من قلقي عليهم، إلا أن أهانتهم لي وقعها مرير وموجع، فآثرت على نفسي أن لا أمد يدي إليهم لأشحذ لقمة عيشي. زوجي يرفض في تواطؤ غريب بين مصاعب الحياة ومشاعر ورحمة البشر ، بدا الكون بأكمله شاحباً، وبات الأبناء يوشمون قلوبهم بالقسوة معرضين عن تحمل مسؤولية آبائهم بعد أن شاخ بهم الدهر .. إذ تحدثنا فاطمة الياسري عن معاناتها مع زوجها الذي يرفض احتضانها لوالدتها المريضة في منزلهم ، فتقول: بعدما فقدت والدتي شقيقي الوحيد ، لم يعد لها مأوى . مضيفة: كلما أخبرت زوجي عن رغبتي بإحضار والدتي للعيش معنا تتعثر كلماته بلسان غضب وملامح عبوسة وينتفض في وجهي رافضاً استقبال والدتي ، إلا أني دائما ما كنت أتجاهل تصرفاته، وأبتلعها بصبر، مما اضطررت إلى أن أستأجر لوالدتي غرفة كنزيلة في إحدى الفنادق الشعبية متكفلة بمصاريفها كافة ، متأسفة بقولها: أشعر بالذنب تجاهها لعدم استطاعتي احتضانها. الطفلة البريئة زوّجت ولدي من ابنة أخي الذي كان لا يمتلك أي رغبة للارتباط بها ، ولكني حاولت إقناعه بمشاعري اتجاهها وقربها مني ، فوالدتها قد توفيت عندما كانت طفلة، لذلك كنا نشعر بالشفقة عليها ، حتى أقتنع أبني بالزواج منها ، هذه كانت أول العبارات التي قالتها أم علي. مستدركة: في بداية زواجهما كانت تتصرف ابنة شقيقي معي بشكل عفوي وطبيعي ، ولكني بدأت أشعر بتمردها عندما أطلب منها أي مساعدة أو عمل ، إلى أن بدأت تفتعل المشكلات عند غياب ابني، وعند عودته تتظاهر أمامه بملامح الطفلة البريئة، لكنها في الوقت نفسه تحاول استفزازي من خلال بعض التصرفات والحركات ، لتكبر الخلافات أكثر وأكثر ، وفي يوم حصلت مشكلة كبيرة على أثرها قام ولدي بالتجاوز عليّ، وإهانتي، مما اضطررت لترك المنزل والذهاب إلى منزل شقيقتي. رأي الدين ويفسر لنا حامد ناصر / أستاذ جامعي بأن الله سبحانه وتعالى قال ((وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا)) )الإسراء: 23( ، وقال تعالى: ((ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنًا على وهن وفصاله في عامين أن شكر لي ولوالديك إليّ المصير)) )لقمان 14 (. . وقد حذر سبحانه وتعالى الأبناء من عقوق الوالدين وإهمالهما، وعمل ما لا يرضيان عليه وعدم طاعتهما. مضيفاً: كما أشار ديننا الإسلامي إلى عدم إيذائهما وأحزانهما لأنها تعد من العقوق ، وهذا الأمر بات غير مهم عند أبنائنا، وأصبحت قضية العقوق بكل أسف عادة منتشرة نتيجة غياب التربية الصحيحة أولا ، وثانيا بسبب الاختلاط بأبناء السوء ، وكذلك انتقام الله سبحانه لمن عاق والديه بأن يلاقي ما لاقى والداه عند كبره من أولاده ، ناهيك عن ابتلاء الله سبحانه وتعالى للمسلم حتى يختبر مدى صبره على الأذى ، وقوله صلى الله عليه وأله وسلم: (كل الذنوب يؤخِّر الله منها ما شاء إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين، فإن الله يعجله لصاحبه في الحياة قبل الممات). ويضيف: ان الدين الإسلامي حث على العشرة الطيبة بين الوالدين والأبناء ، والتربية الإسلامية الصحيحة تؤكد ذلك ، فكلما ابتعدنا عن الدين ازدادت مشكلاتنا فيما بيننا. حروب واحتلال من جهته يؤكد الدكتور محمود عادل الخزرجي : ان ظاهرة عقوق الوالدين أفرزتها الحياة التي مر بها الفرد العراقي من حروب واحتلال وفقر وعوز وعنف ، مما ولدت حالة التحلل الأسري عند فقدان احد الوالدين ، ناهيك عن التناقض الذي يحصل في تربية الأبناء بعد فقدان ذويهم ليصبحوا من مكان إلى آخر او من مربي إلى آخر. ويضيف الدكتور الخزرجي: ان التفرقة في تربية الأبناء كان لها أيضا دور كبير في خلق العداء والكراهية، ويصب هذا السلوك في نهاية الأمر على احد الوالدين. وعن الإهمال الحاصل في متابعة الأبناء من قبل الآباء، يؤكد الخزرجي: ان له دوراً كبيراً في خلق فجوة كبيرة بين الطرفين، مما يولد التباعد بينهما، ومن ثم تعطش الأبناء لعطف وحنان الأبوين الذي يصب في الحرمان العاطفي، وعدم الاكتراث بأهمية العلاقة الحميمة بين الأبناء والآباء التي تتضح معالمها عند الكبر .



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2