تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


مشروع تطوير مدينة الكاظمية: الإستربادي.. أقدم أسواق الكاظمية بين مخاوف الإزالة وأمنيات التطوير!!


بغداد/ علي ناصر الكناني
ومن الجدير بالذكر ان هذا السوق قد تميز بقدمه وعراقته ويضم في كلا طابقيه أكثر من مئة محل وغرفة إلى جانب كونه يمثل في بنائه طرازاً معمارياً فريداً من بين بقية الأسواق البغدادية القديمة.قبل أيام قمنا بجولة استطلاعية داخل السوق والتقينا عدداً من أصحاب هذه المحال وتعرفنا من خلالهم على جوانب مهمة من تاريخ السوق إضافة إلى آرائهم بخصوص عملية التطوير والتأهيل له.


محفوظ والاستربادي.. ولكن في البدء حاولنا أولاً أن نتعرف على رأي علامة العراق وشيخ بغداد والكاظمية الدكتور الراحل حسين علي محفوظ في لقاء سابق أجريناه معه قبل رحيله استعرض لنا من خلاله جوانب مهمة عن مكانة هذا السوق التراثية والحضارية حيث قال: - سوق الاستربادي في الكاظمية من الأسواق الكبيرة في العراق وهو منسوب إلى بيت الاستربادي من بيوتات الكاظمية التجارية المعروفة ومن الأسر المعروفة في العراق، كان جدهم الحاج عبد الهادي الاستربادي من كبار تجار العراق في بغداد في أواخر القرن الثالث عشر للهجرة وهو الذي أشرف على بناء صحن الكاظمية الأخير الذي أنفق عليه فرهاد ميرزا وهو من العلماء الفضلاء المؤلفين إضافة إلى مكانته ووجاهته ورئاسته في عصره. ثم جاء بعده الحاج عبد الهادي بن الحاج مهدي الاستربادي وكان من رؤساء التجار ووجوههم في الكاظمية وبغداد والعراق، وكانت لبيت الاستربادي مراكب في نهر دجلة تنقل الزوار من الكاظمية إلى سامراء، وقد بيعت هذه المراكب وأنشئ بثمنها سوق الاستربادي الكبير في الكاظمية في موقعه الحالي جنوب شرقي الصحن الكاظمي الشريف في الثلث الأول من القرن الرابع عشر للهجرة. وهذا السوق يمتاز عن جميع الأسواق الكبيرة في العراق والشرق وربما في العالم أيضاً بأنه ذو طابقين، ففي الطابق الأول دكاكين والطابق الثاني حجرات للتجار، ويواصل العلامة محفوظ حديثه وذكرياته عن السوق قائلاً: لقد كان هذا السوق ومازال مجمع التجار والباعة والصنّاع والمحترفين في بعض الأحايين وكانت فيه حوانيت معروفة للكتبية ولاسيما مكتبة الشيخ عبد الكريم العطار البغدادي ثم مكتبة الشيخ تقي ومكتبة الشيخ عبد الحسين الغروي كانت تباع فيها مختلف أنواع الكتب ولاسيما ما يحتاج إليه طلبة العلم وطلاب الفقه وخصوصاً المطبوعات الحجرية. والشيخ عبد الكريم العطار هو من أسرة الشيخ أحمد بن درويش علي البغدادي صاحب كتاب (كنز الأديب) في 6 مجلدات في خطه الجيد والسابع فيه خلاصة المعارف الطبية في عصره ويسمى السابع كنز الطب وكان عند الشيخ عبد الكريم في مكتبته مخطوطات كثيرة قديمة وتحتوي مكتبة عباس العزاوي على طرف منها. ومما يجب أن يذكر أيضاً عن هذا السوق ان مركز الترامواي الكاظمية- بغداد كان في جنوبي الكاظمية- ناحية باب الدروازة اليوم وقد نقل المركز إلى الطرف الغربي من السوق لإنعاشه وأتذكر عبارة التاريخ منقوشة على الحجر في جبهة مرآب الكاريات ونص التاريخ كما أحفظه (أمر المحطة جهد عبد القادر). واسترباد التي تنسب إليها هذه الأسرة من المدن العلمية القديمة التي تقع في المنطقة إلى الشمال الشرقي من العراق وإيران وينتسب إليها فيلسوف النحاة رضي الدين الاستربادي صاحب شرح الكافي في النحو وشرح الشافي في الصرف ومن أكابر علماء العراق في القرن السابع للهجرة. وممّا يختص به سوق الاستربادي الخانات في فروعه الشمالية والجنوبية وكانت فيه محال للصرافين وأخرى للجماعين.. والجماعون هم الذين يصنعون من الصفر والورشو الدلال والآنية النحاسية، وكان فيها أيضاً العديد من البزازين وباعة الأحذية وباعة الجلابيب والسبح. أنا لا أوافق على التطوير إذا كان فيه تغيير وأدعو إلى المحافظة على الأبنية التراثية والآثارية والاهتمام بها والإفادة منها في حدود عدم المس في تركيبتها الحضرية والمعمارية. وفي الكاظمية كان هناك سوقان آخران غير الاستربادي أحدهما يسمى السوق الكبير وكان موازياً لشارع باب المراد حالياً والسوق الصغير وكان عند باب الفرهادية وهو الباب الصغير شمال شرقي صحن باب المراد. كان فيها دكان الشيخ إبراهيم العطار وهو من عطاري الكاظمية الكبار ويعد صيدلانياً على النمط القديم وكان دكان الشيخ عبد الكريم العطار الذي يحتوي على مكتبته الخاصة وما يعرضه للبيع من كتب من مجالس العلماء والأدباء وهكذا دكان الشيخ عبد الحسين الغروي ولكنه بصورة مصغرة وليست له أهمية كبيرة. في مطلع السوق دكان الشيخ محمد رضا البزاز وهو من أسرة السدنة وكان بزازاً معروفاً وكانت فيه دكاكين تقليدية للتتنجية والبرنوطي وهو مادة تستعمل للعطاس وهي إحدى مكونات التبغ والعطر ومن مكوناتها التبغ والعطر وكان فيها دكان مشهور للحاج حسين الكببجي من كبابجية الكاظمية المعروفين يقصده الناس من أطراف العراق وبغداد لتذوق كباب الكاظم.  أحاديث متفرقة.. وبغية التعرف على جوانب من أفكار وآراء بعض أصحاب المحال التقينا عدداً منهم، فكان المتحدث الأول هو الحاج علي إبراهيم الأسدي، حيث قال: توارثت العمل من والدي رحمه الله والذي كان من مواليد 1918، وكان السوق يعج في السنوات الماضية بحركة التجار والسياح والمتبضعين من مختلف دول العالم ومحافظات القطر الوافدين إلى الكاظمية لأداء مراسيم الزيارة كالكماليات والعبي الرجالية والنسائية ومختلف أنواع المنسوجات والملابس لتميز بضاعته بالجودة ورخص ثمنها. ويضيف الأسدي قائلاً: - لقد كانت محال السوق مفتوحة أمام الزائرين على مدار الساعة في الليل والنهار، ومن أصحاب المحال المعروفة فيه آنذاك الحاج سامي عباس التتنجي والحاج جليل التتنجي، وأذكر كيف كان الناس يقفون أمام محليهما لأوقات طويلة لكثرة الزحام عليهما من أجل الحصول على مادة التبغ التي عرفت بجودتها. وكان محل الحاج سامي عباس التتنجي يتميز بواجهته التراثية المصنوعة من خشب الساج بطريقة الأرابسك ذات النقوش والزخارف الجميلة، وقد حاول الكثيرون من هواة التراث شراء هذه الواجهة بعد وفاته، إلا أن عائلته رفضت ذلك وفضلت إهداءها إلى إدارة المتحف البغدادي في أمانة بغداد لتكون ضمن معروضاته كونها تمثل جزءاً من تراثنا الشعبي وموروثنا البغدادي الأصيل. ويستذكر الحاج الأسدي انه كان من بين زائري هذا السوق في الخمسينات سيدة الغناء العربي أم كلثوم عندما زارت في تلك الفترة العاصمة بغداد وتمّ تضييفها في ديوخانة بيت الاستربادي والتي مازالت موجودة حتى الآن في منطقة باب الدروازة وتعد من البيوت التراثية المتميزة في مدينة الكاظمية. كما زارها عدد من الشخصيات السياسية التي حكمت العراق والتي من بينها نوري السعيد وعبد الكريم قاسم، إضافة إلى تردد العديد من الشخصيات الفكرية والمعرفية المعروفة عليه كعلي الوردي وحسين علي محفوظ وغيرهم لمرقد الإمامين الكاظمين (ع) وشراء البضائع والحاجات التي أشتهر بها السوق من الشعراء والأدباء على محل والدي الذي كان بمثابة منتدى أدبي وثقافي كانت تجتمع فيه نخبة من أعلام العراق ومثقفيه فبادرني بالقول مستفسراً فهل بعد كل هذا يمكن أن يفكر أحد أو جهة ما بهدم هذا السوق الذي هو بمثابة إرث تاريخي مهم لمدينة عريقة في تاريخها وأصالتها كالكاظمية وأود أن أذكر لك هنا قولاً يعرفه الجميع ونردده فيما بيننا وهو أن من لم يزر الاستربادي لم يرَ الكاظمية. أما المواطن السيد حسين العوادي والذي يعمل صاحب محل لخياطة العبي الرجالية في السوق والذي توارث هذه المهنة والحرفة عن والده، فهو الآخر قد مضى عليه في السوق أكثر من خمسين عاماً، وتحدث العوادي والأسى يعتصر قلبه لفقده أحد أولاده الذي ذهب ضحية لحادث إرهابي جبان أثر تفجير عبوة ناسفة أمام محله عام 2006 والذي هو الآخر لم يخف قلقه بشأن عملية التطوير التي ستشهدها المدينة بقوله: نأمل ان لا يكون ذلك على حساب أماكن عملنا وزقنا التي أفنينا فيها سنوات عمرنا ولا أعتقد ان المسألة ستبقى معلقة هكذا من دون حل!! من جانبه أشار المواطن حسنين علي الإبراهيمي ويعمل كصاحب محل للخياطة في السوق وقد توارث هذه المهنة عن جده وأبيه وهو أيضاً من قدامى العاملين في هذا السوق، بقوله: - لقد تعرض سوق الاستربادي عبر تاريخه الطويل لأكثر من مرة لحوادث الحريق مما تسبب في تساقط سقوف وجدران بعض غرفه ومحاله وخصوصاً في الطبقة العلوية منه حتى صار بعضها آيلاً للسقوط كون أغلب المواد المستخدمة في البناء هي من الخشب. وللأسف الشديد لم يحظ السوق من الحكومات السابقة باهتمامها والعناية به ولم نحصل منهم إلا على الوعود بالتطوير والتأهيل ولكن كما ترى فإن حال السوق بقي كما هو عليه الآن ونحن نأمل من الحكومة والجهات المعنية بتطوير هذا السوق الالتفات إليه مع مراعاة العاملين فيه لأنه مصدر عيش لهم ولعوائلهم. فنحن جميعاً مع التطوير لا مع الهدم والإزالة.  رأي دائرة التراث في أمانة بغداد من جانبها أكدت المهندسة أمل حافظ رئيس شعبة التراث في دائرة التصاميم في أمانة بغداد حين سألناها عن رأي الأمانة بهذا الخصوص بقولها: - أود أن أؤكد هنا أن واحداً من شروط المسابقة العالمية التي سبق أن أعلنتها أمانة بغداد بخصوص مشروع تطوير مدينة الكاظمية والتي نحن بصدد إكمال إجراءات الاستملاكات لجزء من الموقع لبعض الأبنية المحيطة بالروضة هي المحافظة على الأبنية التراثية المتميزة والتي من ضمنها حتماً (سوق الاستربادي) الذي يعد من الأسواق التراثية القديمة والعريقة في أصالتها في مدينة بغداد والذي يشبه سوق الحميدية في العاصمة السورية دمشق والذي يعد سمة مميزة للأسواق العربية التقليدية. وقد تركنا موضوع معالجة كون هذه الأبنية والأسواق تراثية بضرورة المحافظة عليها أثناء عملية التطوير، إلى المكاتب الاستشارية، التي ستشارك في عملية التطوير وستكون ملزمة بالمحافظة على هذه الأبنية، ولذلك والكلام مازال لرئيس شعبة التراث يمكن أن يطمئن بهذه الحالة أصحاب المحال في هذا السوق. وأود أن أشير هنا إلى إنه في التسعينات تم إعداد دراسة بهذا الخصوص من قبل دائرة التصاميم لمعالجة الأضرار التي تغرض لها السوق والأجزاء الآيلة للسقوط إلا أنها لم تدخل هذه الدراسة حيز التنفيذ منذ ذلك الوقت وحتى الآن.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2