تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


في الذكرى الثالثة لرحيله شيخ المصورين الحاج أمري سليم.. في آخر لقاء صحفي معه


علي ناصر الكناني
في شهر تشرين الثاني عام 2008 رحل عنا واحد من رواد التصوير الفوتوغرافي والوثائقي المعروفين ممن ذاعت شهرتهم وعبرت الأفاق في عالم فن الفوتوغراف على مدى سنوات طوال حتى غدا علماً بارزاً من إعلامه ومحترفيه المرموقين لما حققه من إبداعات وانجازات فريدة نالت إعجاب المهتمين والمتابعين للمسيرة الفوتوغرافية في العراق.


 

انه شيخ المصورين الفنان المبدع الراحل الحاج امري سليم لوسيان الذي عرفناه عاشقاً ومحباً لهذا الفن منذ بداياته الأولى معه في أواسط أربعينيات القرن الماضي. تمتد معرفتي بالحاج امري سليم لسنوات طوال حيث كنت من المتابعين لنشاطاته الفنية والكتابة عنها بين فترة وأخرى وفي أخر حديث معه قبل وفاته رحمه الله التقيته ويوم كان طريحا  على فراش  المرض طلبت منه أن يحدثني عن جوانبه من مسيرته  الطويلة مع الفوتوغراف بغية توثيقها بصوته فرحب بالفكرة فقلت له.. لتكن محطتنا الأولى مع البدايات لمسيرتك  في هذا المجال فقال: - أنا من مواليد عام 1930، مارست التصوير الفوتوغرافي منذ عام1946  لقد تعلمت التصوير من والدي (رحمه الله) عندما كنت ما أزال تلميذاً في إحدى المدارس الابتدائية في مدينة الموصل وهي (مدرسة الطاهرة) ولم يكن عمري آنذاك قد تجاوز الثانية عشرة حيث كان والدي يعمل مصوراً شمسياً قرب مديرية شرطة الموصل في الأربعينيات، وخلال تلك الفترة تمكنت من شراء (كاميرا بوكس) بمبلغ750  فلساً ما زلت أحتفظ بها حتى الآن، وكنت أقوم بتصوير الطلبة خلال السفرات المدرسية التي كانت تنظم آنذاك من قبل المدرسة ومن ثم أقوم بطبع الصور لدى مصور (يهودي ـ يدعى عبد الرحمن) الذي غالباًَ ما كان يطلب مني معاونته في طبع الصور، وخلال تلك الفترة كنت أرافق الفنان الفوتوغرافي الرائد المرحوم مراد الداغستاني في جولاته التي كان يقوم بها لتصوير الحرفيين والأسواق، مما دفعني الى تقليد أسلوبه في التصوير واختيار الموضوعات، على الرغم من أنه كان حريصاً جداً ومزاجياً خاصة في تصوير الأشخاص، ولكن يبقى أساس تعلمي لهذا الفن من والدي.  w وكيف كانت انتقالتكم ورحلتكم نحو بغداد؟ ـ في عام1945  انتقلت مع والدي الى بغداد في سبيل دخولي المدرسة وقد ترك والدي التصوير خلال تلك الفترة، فقررت أن أتواصل مع هذه المهنة والاعتماد على إمكاناتي الذاتية، حيث قمت بتأجير أحد البيوت في منطقة العاقولية قرب جامع الحيدرخانه، فبهرتني ذلك الوقت شناشيل البيوت البغدادية والأزقة القديمة مما دفعني لتصويرها وتوثيقها فضلاً عن قيامي بتصوير العديد من الشخصيات السياسية والوجوه الاجتماعية المعروفة والبارزة، كالوزراء والتجار والشعراء والأعيان الى جانب الأدباء والفنانين كيوسف عمر و ناظم الغزالي وعفيفة اسكندر وسليمة مراد وغيرهم خلال الحفلات التي كانت تُقام آنذاك. وكان سعر الصورة لا يتجاوز الخمسين فلساً وبالأسود والأبيض، وفي عام1946  افتتحت أستوديو خاصاً بي في ساحة التحرير مقابل حديقة الأمة حيث لم يكن حينها في بغداد سوى ستة مصورين فقط وأذكر من بينهم: (آرشاك وعبوش وجعفر الحسيني وأوانيس، والدورادو) الذي يعدّ من أكثر المصورين الذين تأثرت بهم وبأعمالهم الرائعة وهو يعدّ أيضاً من المصورين المبدعين الأوائل في تصوير التراث والفولكلور البغدادي ولكن مع شديد الأسف لم يبقَ من أرشيفه الصوري وأفلامه المهمة شيء بعد وفاته لتعرضها للتلف والضياع. وفي  تلك الفترة في أواخر الأربعينيات عملت في الصحافة في الصحافة العراقية حيث عملت آنذاك في مجلة «قرندل» مع الصحفي المرحوم صادق الأزدي، ثم عملت في صحفٍ أخرى منها(العراق والأخبار وفنون) وغيرها والتي كان من بينها أيضاً جريدة (الراصد) ثم جريدة (العراق) حتى عام 2000). وهنا سألت الحاج امري أن يحدثني عن المعارض الفوتوغرافية التي شارك فيها خلال مسيرته الفنية؟ فأجاب قائلاً: لقد كنت أقيم معرضاً فوتوغرافياً كل شهر في حديقة الأمة التي كانت تسمى بـ(حديقة غازي) كما شاركت في المعرض البريطاني في بغداد خلال فترة الستينيات، فضلاً عن العديد من المعارض الشخصية والمشاركات الأخرى في اغلب المعارض الفنية التي أقامتها الجمعية العراقية للتصوير التي أعد واحداً من مؤسسيها وآخر معرض تكريمي إقامته لي الجمعية تم افتتاحه من قبل وزارة الثقافة وضم أكثر من سبعين صورة لمعالم بغداد وموضوعات فنية أخرى. الى جانب تعاوني مع أمانة بغداد خلال احتفالاتها بيوم بغداد بإقامتي للعديد من المعارض المتخصصة عن عاصمتنا الجميلة وأبنيتها التراثية وأسواقها وحرفييها، وقد نلتُ العديد من الجوائز والشهادات التقديرية التي افخر بالاعتزاز بها.  نوري السعيد جايجي في القشلة!! فقلت للحاج امري أن يحدثني عن موقف طريف معه خلال عمله في مجال الصحافة.. فعلت وجهه ابتسامة، وبعد لحظات قصيرة من الصمت استدرك قائلاً: بعد اشتغالي في مجلة «قرندل» التي كان يديرها الصحفي الراحل صادق الأزدي، كلفني في أحد الأيام بالذهاب الى (القشلة) التي كانت مقراً لديوان الحكومة في الخمسينيات من القرن الماضي لالتقاط صور لنوري السعيد الذي كان يشغل منصب رئيس الوزراء في العهد الملكي. دون أن ينبهني الأزدي لشخصيته بشكلٍ واضح وكنت اجهل من هو نوري السعيد وما هو موقعه في الدولة وعندما وصلت الى هناك سألت أحد الموظفين هناك قائلاً: أين أجد (نوري) و(سعيد) عندكم.. فأخبروني بأنه لا يوجد شخص باسم سعيد، ولكن نوري موجود وهو يعمل (جايجي) فذهبت اليه وصورته، ولاحظ استغرابي حين سألته عن صديقه «سعيد» محاولاً أن يستوضح الأمر مني ولكني قاطعته بأن صورته ستنشر في المجلة في العدد المقبل.وكانت المفاجأة عند اطلع الأستاذ الازدي على الصورة وزاد استغرابه عندما قلت له: لقد وجدت نوري ولكني لم أعثر على سعيد.. فقال لي:لقد أرسلتك لتصوير رئيس الوزراء نوري باشا السعيد فتأتيني بصورة جايجي !! وهنا أدركت أنني وقعت بخطأ قاتل، فاعتذرت له مع استعدادي للذهاب ثانية الى (القشلة) لتصوير (الباشا) وفي اليوم التالي اصطحبني الأستاذ صادق الى القشلة لتصوير رئيس الوزراء نوري السعيد وقد تعالت ضحكاته عندما أخبره الأزدي بالخطأ الذي حصل يوم أمس، فرد عليه قائلاً: (تالي عمرنا صرنا جايجية)، ومن المواقف الأخرى التي لن أنساها أيضاً هي: ما حصل خلال اجتماع مهم لمجلس الوزراء والأعيان والنواب وكان حينها المرحوم تحسين قدري رئيساً للديوان الملكي. فصعدتُ الى المسرح الذي كان موجوداً في القاعة للتهيؤ لالتقاط الصور المناسبة بعد دخول الملك فيصل الثاني الى القاعة، وكان الفلاش المستخدم آنذاك بالتقاط الصور هو عبارة عن فلاش فودر (مغنسيوم) الذي يولد ضوءاً قوياً مع وهج عالي. وصادف أن لامست نيران الوهج ستارة المسرح مما أدى الى نشوب حريق فيها، ولكن سرعان ما تمت معالجته بإطفاء النيران من قبل الأشخاص الموجودين في القاعة. w وماذا عن الشخصيات التي صورتها والتي تختزنها في ذاكرتك وأرشيفك؟ ـ ما زلت أحتفظ بالأرشيف الصوري الخاص بي لهذه الشخصيات وللمعالم التراثية والحضارية البغدادية التي تزيد على المليون صورة.. فمن الفترة الملكية ما زلت أحتفظ بصور الملك فيصل الثاني ونوري السعيد والملكة عالية والوصي عبد الإله وتحسين قدري وفاضل الجمالي وجميع الوزراء آنذاك، ولا أنسى أن الملكة عالية كانت تناديني عندما أحضر الى القصر لتصوير العائلة المالكة بكلمة (دعبول) لقصر قامتي وكانت (رحمها الله) توصي الموجودين في القصر بالاهتمام بي وتقديم المساعدة الكاملة لي. أما عن الأحداث التي وثقها بعد ثورة 14/تموز/1958 فيواصل الحاج امري حديثه قائلاً: ـ لقد وثقت بعدستي اغلب الأحداث التي رافقت الثورة ومحكمة المهداوي والمؤتمرات الصحفية التي كان يعقدها الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم (رحمه الله) مما دفعني تقديراً واحتراماً لمسيرة هذا الرجل الوطني الغيور لجمعها في كتاب أسميتهُ (العراق) ضمّ صوراً للزعيم خلال جولاته الميدانية بين الناس وحضوره المناسبات والاحتفالات واستقباله للوفود الرسمية التي زارت العراق في ذلك الوقت، كذلك صورت عبد السلام عارف وأخاه المرحوم عبد الرحمن عارف صدر قبل عامين. أما آخر صورة صورتها فكانت بعد أحداث 4/9/2003 لبعض الأحداث التي رافقت تلك الأيام ولولا حالتي المرضية الآن لما انقطعت أبداً عن مواصلة التصوير، ولكني نقلت خبرتي لمن سيواصل المسيرة بعدي وهو ابني (رافي) الذي يعدّ من المصورين الشباب ولديه لمسات فنية جيدة في التصوير.  مسك الختام وفي ختام اللقاء سألته عن أمنياته التي لم يسعفه الحظ لتحقيقها، فقال: أود أن أشير هنا الى أن الصورة هي عبارة عن (توقف الحياة للحظة) وأنا أتمنى ألا يذهب أرشيفي الفوتوغرافي طي النسيان ويلفهُ الضياع والإهمال كما حدث مع مصورين آخرين من الرواد والذين كان لهم الفضل الكبير في توثيق جوانب كثيرة من تاريخ بغداد والعراق وتراثه الثقافي والاجتماعي والإنساني وهذا يعود بالتأكيد الى الجهات المعنية بهذا الأمر قبل فوات الأوان! وهنا ودعنا شيخ المصورين وبين يديه مجموعة كبيرة من الصور الفوتوغرافية ولسان حاله يقول: هل يمكن أن تتحقق آخر الأمنيات بطبع هذه الصور في كتاب يحتضنها ويوثق مسيرتي الفوتوغرافية قبل أن أغادر هذه الحياة ويطويني النسيان؟

 



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2