تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


واحدة من قصص أرامل السيدة " عراق" امرأة من شجر الصبار


«حسنة غالي» امرأة عراقية في العقد الخامس من عمرها، واحدة من  نساء تجمع «السيدة عراق» في وجهها لمحة من حزن وجمال ووقار نسائي يليق بعراقية تجاوزت صعاب كثيرة مرت بها، كانت تتفاعل مع السيدات حولها وهي تستمع الى قصصهن  الحزينة والقوية والصعبة في تفاصيلها، تمسح دمعتها حتى لا نراها بوضوح وتتآوه بصمت وكأنها لم تمر ربما بأقسى مما  ترويه النساء المتجمعات، وحين التفتنا اليها وسألناها عن قصتها، سحبت ابتسامة عذبة  قبل ان تبدأ بسرد ما مر بها.


قدر حزين انتظر روحي عام 2005
سنترك حسنة تروي لكم حكايتها دون ان نتدخل فيها، استمعوا الى صوتها القوي الحنون وعودوا الينا في آخر المقال لنتحاور معا في عمق تجربة هذه العراقية.
تزوجت وأنا صغيرة كعادة أهلنا في المحمودية وكان زوجا شهما وحنونا ويعرف  معنى المسؤولية الأسرية، لم اشعر معه بأنني في حاجة الى أن اقلق أو أخشى على الغد وترتيب المستقبل فهو قادر على حل أية مشكلة نواجهها وهو سور حقيقي  يضم قلباً كبيراً  يجيد  حب كل الناس، السنوات تمر وأطفالنا يزدادون ثلاثة ذكور وبنتين بدأوا يملئون حياتنا  سعادة وجمال، كنت ارقبهم وهم يكبرون، أحصي السنتيم الذي  تستطال به أجسادهم، وخط الشارب حين بدأ يداعب وجوه أبنائي، كنت  اسهر ليال طوال من أجل ان يكون كل شيء على ما يرام واضبط  ساعة  روحي على  توقيتات استيقاظهم الصباحي منذ التحقوا بمدارسهم حتى أصبحوا في الكليات والمعاهد، لم أكن ادري ان القدر يخبئ لي  وجهاً آخر لا علاقة له بكل ما خططت أنا وأبيهم من مشاريع تنتظرنا جميعا، وحين أسفر ذلك القدر عن وجهه كانت السنة قد قاربت منتصف 2005.

رحيل الأب والابن
هل تصدقون ان أتسلم دفعة واحدة خبر مقتل زوجي وأبني على يد الإرهابيين، أجزاء من روحي قتلت في تلك اللحظة وأنا أتلقى الخبر إن لم اقل كل روحي، أنغرز نصل حاد في قلبي ودار في أحشائي وهو يحفر برأسه الحاد داخل جسدي عبارة تقول: "رحلوا" ولن يعودوا، سبعة أيام كانت أيام عزاء حافلة بالنشيج والحزن الهائل الذي يطوقني من كل مكان، حتى اذا صمتت الأصوات حولي تلفت صوب مكانيهما وأدركت حجم الكارثة التي تنتظرني، انتظرت الليل لانفرد بنفسي وأتدبر وضع أسرة عليها ان تأكل وتلبس وتنفق ما يؤمن مصاريف الجامعات والمعاهد، كان الليل ثقيلاً، لزجاً، بارداً، موحشاً وأنا أرى ظلالاً تخطف أمامي تحمل ملامح زوجي وابني وتفجعني بفكرة إنهما لن يعودا موجودين في حياتنا، شعرت بروح زوجي وهي حزينة لأنها لم تترك لنا شيئا نواجه به القادم من الأيام  وبروح أبني وهي ترمقني بابتسامة دافئة وتحتضن رأسي الذي كان يتخيله "عريساً" يضج بالحياة والسعادة والأحفاد الذين انتظرتهم.
طمئنت روح زوجي بأن لا تقلق علينا وأنني سأعرف كيف أكمل المسيرة أقسمت في تلك الليلة ان تكون بلا إخفاقات مادام الله يرقبني ولن يتخلى عني، في الصباح وقبل ان يوقظ أولادي كنت قد وضبت كل شيء ومسحت أثار دموع روحي وعيناي، وحزمت الأجهزة الكهربائية ونقلتها الى حيث تباع، استيقظ أولادي وتساءلوا أين ذهب التلفاز والستالايت وأجهزة الراديو والساعات وكل ما يمكن ان يكون ذا مقابل مادي جيد، لم أصارحهم بالحقيقة حتى لا يشعروا بأننا  نعاني ضيقا وإرباكاً أو أننا بلا مورد، تحججت لهم  بأننا في حداد ولا يليق بنا تجاوزه بسرعة، وان التلفاز او غيره لا يمكن ان  نستخدمه لعام كامل، اقتنع أولادي بحجتي وكنت في اليوم الثاني قد حورت فناء الدار الخارجي ليكون محلا لبيع الخضراوات التي اتفقت مع موردها ان تكون بالآجل على ان أسدد له في كل يوم  ما أخذته منه بعد ان أتحصل على أسعار ما تم بيعه يوميا، كنت أتحمل ثقل حمل أقفاص البضاعة على رأسي حتى أوفر ثمن نقلها بالمركبات، ولم اشعر أحدا منهم بأنني أعاني من جرح روحي ومن عبء ومشقة عملي، طلبت منهم ان لا يقلقوا لشيء وان يتفرغوا لدراستهم وان نتكاتف لنجتاز ما نمر به.

الفتنة الطائفية
مرت السنوات وأنا اجتاز أياما لا يعرف حجم ضغوطها الا انا، اقلق على ذهابهم ورجوعهم ويدور رأسي بمختلف الهواجس والمخاوف، انشغل لثوان مع زبائني وأعود لترقب مواعيد عودتهم سالمين، تشتعل الفتنة الطائفية والحكايات تترآى تنقل لنا أخباراً وحوادث يومية تدور ما بين الاختطاف والقتل ولا فاصل بينهما، ولم اضعف بل كنت أهون عليهم وعلى نفسي واشحن قوة لا ادري من أين تأتيني، مرت السنوات وأنا لا ادري ان القدر يخبئ لي لطمة أخرى الا حين اكتشفنا مرض ابنتي الكبرى، درت بها على الأطباء والمستشفيات وعلاجها يفشل تباعا، وعدت لبيع  إغراضنا التي اشتريتها من جديد ورحلت بها الى عمان ولم  ينجح علاجها وسافرت بها الى الهند وفي حوزتي آخر ما تبقى لدي من نقود، كنت  اشحذ شفاءها من الله ولكن القدر لم يسعفني ويسعفها، كنت ابكيها سراً لوحدي في ممرات المستشفى في أزقة غريبة عني، وحدي ارقب سماء الله وارجوها ان ترأف بي، وابتسم  بوجهها وأطمئنها على شفاء سريع ينتظرها واعرف  انها تعرف انني أحاول إقناعها بأنها ستشفى وهي تحاول ان تقنعني بأنها تصدقني، كلانا كان يعرف ان الرحيل قادم وكلتينا  نربت على أوجاعنا علها  تغادرنا.
وأخيراً ماتت أبنتي، حبيبة أمها وهي في ريعان شبابها وتوسطت قبر أبيها وأخيها اللذين حين تلقت نبأ استشهادهما انهالت على رأسها ضربا وهو ما سبب لها ورما لم يمهلها طويلاً، ذلك الألم النبيل الذي  تسببت به لرأسها وهي  تنهار أمام مصيبة أبيها وأخيها جعلها تحتل موقعاً  في مقبرة دفنت فيها اعز أحبابي.
اعرف إنكم تتساءلون الآن: هل انهارت عزيمتي؟ هل تعبت من غدر زماني؟ هل تراجعت عن تكملة رسالتي مع أولادي؟ كلا لم افعل بل عدت مرة أخرى لأسحب قوة مضافة وأعود لاعمال شتى أوفر منها ما يحفظ كرامتي وأسرتي حتى تخرج أولادي من كلياتهم.

لم ننتظر منظمات تعتاش علينا
اليوم بفخر أقول لكم ان احد أبنائي معلم والآخر مدرس وابنتي مدرسة كذلك وأنا نظمت مع سيدة أخرى منظمة مدنية لرعاية الأرامل، نصرف عليها من تبرعات أهل المنطقة وتجارها وفتحنا أربعة مراكز لمحو الأمية، أولادي يدرسون فيها مجاناً ومعهم  فتيات المنطقة من خريجات معاهد المعلمين كلهم تبرعوا لتدريس النساء الأميات ورعاية أولاد الأرامل وتقديم المساعدات لهن.
لم نفكر  بالتسول على باب المنظمات المعنية بشؤون المرأة، نعرف ان اغلبها تعتاش على هذه التسمية وتأخذ معونات بأسمائنا، لكن ذلك لا يهمنا كثيرا نحن لا نحتاج الى  الكذب علينا ومن يعتاش على أقدارنا، لم نطرق باب الكاذبين بل  ساعدنا من يشعر بأننا  فعلا نساء من هذا الزمن الصعب  عشنا مآسي  تهز اعتى الرجال وما زلنا واقفات على ارض صلبة، أرضنا جميعا وتربتنا ووطننا وارض زوجي وابني وابنتي وكل من استشهد غدرا  في زمن فتنة حاولت ان تلوي ذراعنا فبقينا صامدين واندحرت هي.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2