تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


ناحية النيل عشتار حارسة الحقول والأقمار وكل نساء الأرض


حميد المطبعي
كانت على جانبي الطريق من المحاويل إلى جسر النيل تنتشر أشرطة ترابية متموجة بعضها قد نبت فيها النخل وجذور الحلفاء تمتد بين هذه الأشرطة، وكنت أشاهد كسر الطابوق الأحمر الهشة مترامية في حفر المياه الجوفية وقد فقدت قوتها وفقدت معها (إمضاءات) نبو خذ نصر.



•على خطى حمورابي .
كثير من قطع الطابوق التي شاهدتها في الخرائب والتلال المنقبة كانت تحمل مثل هذه الإمضاءات، ويظهر أن نبو خذ نصر كان قد أمر عماله بحفر اسمه على كل طابوقة تشيد بها أبنية مدنه الأثيرة عنده وكان يفعل ذلك لأمرين في اعتقادي أحدهما إفادته من تجربة سلفه (حمورابي) الذي اكتفى بتسجيل تاريخه على مساحة ضيقة من المشاهد التاريخية ولم يكن يتصور أن بعض قوانين التاريخ المفاجئة قد تأتي على هذه المشاهد فتبيدها وتترك تاريخه بلا أدلة ويعاني علماء الآثار من وجود هذه (الحلقة الفارغة) في تاريخ حمورابي  والأمر الثاني هو أن نبو خذ نصر أخذ ينشر تاريخه في كل جزء من أجزاء المدن والسدود ومفارق الطرق منطلقا من (اعتقاد شرقي) قديم يذهب إلى أن تاريخ أي ملك عظيم هو تاريخ قومه أو شعبه ثم هو خلاصه لمعتقداته وكان في بداية حكمة يأخذ بتوصية كبار كهنة مردوخ وهؤلاء(اعتقدوا) بالخلود أو بفكرة الخلود اعتقادا ماديا فكلما كثرت الأبنية امتد زمن الملوك وكلما استفادت الرعية من هذه الأبنية اطمأن الإله مردوخ على  أعمال الملوك بل تجلت قدرة إلههم القومي على الأرض وقد أفدنا نحن من هذا الاعتقاد الشرقي التاريخي إذ لولا هذه الكتابات التي أمضاها نبو خذ نصر بالخط المسماري البابلي على ملايين الطابوق  لكان تاريخنا قد اندثر ولكنا معرضون إلى الذوبان في فراغ التاريخ كما حال بعض الأمم التي تعاني عقدة الفراغ من عدم وجود آثار وكتابات آثار عن سلالاتها القديمة .
•الطريق الملكي للملكة سميراميس .
حينما بدت مشاهد بابل الأثرية على مسافة قريبة توقفت بالقرب من نهر الفرات القديم، وبعد إقامة (سدة الهندية)، صار فرعا من شط الحلة وربما كان هذا النهر يبتعد عن مجراه الحالي قليلا لوجود آثار جدول مندس في جهة نهر النيل الشرقية، وخيل لي أن موقع نهر النيل كان عقدة مواصلات لطريقين يأتي الزائر بواسطتهما إلى مدينة بابل في عهد نبو خذ نصر، يبدأ الأول (وكان يسمى الطريق الملكي، حيث يعتقد أن الملكة سميراميس هي التي أمرت بإنشائه )من مدينة سوسه في جهة عيلام ثم يمر على الجانب الشرفي من (قرية بغداد) بمحاذاة نهر دجلة، ويجتاز مدينة كوثا البابلية (ناحية  المشروع) ويستمر حتى يمر بالقرب من أسوار بابل الخارجية وهنا من نقطة على نهر النيل يبدأ الطريق يتجه إلى مدينة (كيش) ثم (النيليات) ونفر واريدو والعبيد حيث مملكة سومر، وكان طوله بحدود (2400كم) ويسمى (طريق الشرق) أي أن السومري العراقي إذا رغب بزيارة بابل، فيسلك إليها عن هذا الطريق الرئيس أما الطريق الثاني الذي كان يسافر عليه الآشوريون والأكديون، فهو الطريق الشمالي الذي يبدأ من غرب بغداد مارا بمدينة  سبار  اليوسفية  حاليا وعلى امتداد نهر الفرات حتى يدخل الزائر موقع نهر النيل حيث  تظلله أسوار بابل الخارجية أو ظلال قصر نبو خذ نصر الصيفي الذي يقع في الزاوية الشمالية لمدينة بابل الأثرية وتقع على نهر النيل قصبة صغيرة باسم النيل شمال مدينة الحلة بمسافة 15كم وكانت في ما مضى ناحية تابعة إلى قضاء المحاويل، ويقال في رواية بلا سند آثاري إن النهر كان قد أمر بحفره الحجاج بن يوسف الثقفي ومهما كان أمر هذه الرواية فإن اسم النيل كان أقدم بكثير من حوادث القرون الهجرية الأربعة فعلى الشرق منه كانت تقع مدينة النيليات البابلية على مسافة من مدينة  كيش الآثارية ومن النيليات جاء اسم نهر النيل وعلى أرض هذا النهر كان يسكن المزيديون  سيف الدولة صدقة بن منصور بن دبيس بن علي بن مزيد الأسدي  وهو الذي أسس مدينة الحلة والثابت أنه من خلال تل أبو سيرة  الأثري وتل البرغوثيات  وخزنة  نستدل على قدم موقع نهر النيل وهذه التلال منبثة حول هذا الموقع ويرجع تاريخ السكن فيها إلى جده نصر وفجر السلالات ثم العصر البابلي والآشوري وهكذا .. ظل الناس هنا في موقع النيل يحافظون على تراث البابليين أو تراث بني دبيس، بكفاحهم في الزرع والحفاظ على أرضهم والدفاع عن قيمها المتوارثة ضد الغزاة، فتراهم كانوا يقفون مع جماهير الفرات الأوسط في ثورة العشرين ونسفهم سكة الحديد وإيقاف شر الانكليز ثم أعادوا الكرة مع الانكليز في ثورة مايس 1941. 
القصر الصيفي
وكنت قد شعرت بغبطة كبيرة عندما وصلت إلى الحدود الشمالية الغربية لمملكة بابل العظيمة، وفي الجهة التي أقام عليها نبوخذنصر (قصره الصيفي) ذلك أني عندما ارتقيت قصره  شاهدت عشرات الأطر العراقية في قصوره الأخرى تعيد إليه تاريخه وتحيي آثاره، وكأنهم يعيدون إلى العراق الحديث أهم مفخرة معمارية وأهم حلقة حضارية في تاريخ الأمم السالفة  ...
والقادم من بغداد، وبعد اجتيازه الطلعة الأولى من أرض المحاويل سيشاهد على يمينه بناء مقوضا يرتفع عن مستوى الطريق العام بنحو (18) مترا، وقد غطته أتربة العصور حتى بدا كجبل وعرف عند الناس (بجبل بابل) الذي يضم في باطنه هذا القصر الصيفي لنبو خذ نصر ..وكان هذا الجبل مثار تأويلات كثيرة في نصوص الرحالة الأجانب منذ القرن الثاني عشر على وجه الدقة، إذ كانوا يعتقدون أنه بقايا برج بابل، وكانوا يخلطون بين هذا المكان و(  برج نمرود) الواقع على مسافة (20كم) من جنوب غربي الحلة، وأول من شوه تاريخ بابل وعن طريق هذا الجبل كان بنيامين التضليلي اليهودي ثم جاء بعده في سنة 1617م الرحالة (بيتر دللا قالة ) وكلوديوس ريج المقيم البريطاني في بغداد الذي كتب رحلته إلى بابل في سنة 1814، وهؤلاء وغيرهم نعتوا الجبل باسم (المجلبي) وأشاعوا هذه الصيغة عند عامة الناس، فردد بعض العامة هذه الصيغة من دون وعي، والجبل المجلبي يعني (الجبل المقلوب) وكان هدفهم من وراء هذا الاسم هو أن الله قلب حضارة بابل من أعلى إلى أسفل وجعلها ركام جبل، ثم  أوردوا نصوصا من نبوءة (اشعيا) ليحققوا هدفهم التوراتي من وراء تسمية المجلوب أو المقلوب، يقول اشعيا في نبوءته (الآيات 19 - 22/التوراة ) ما نصه :  "فبابل فخر الممالك وبهجة عظمة  الكلدانيين تصير كسدوم وعمورة اللتين قلبهما الله ...فلا تسكن أبدا ولا تعمر إلى جبل فجبل ولا يضرب أعرابي فيها خباء ولا تربض هناك رعاة بل وحوش القفر تربض هناك واليوم يملأ بيوتهم وبنات النعام تأوي هناك والأشاعر يرقصون هناك ويعوي كلب الوحش، في قصورها وبنات أوى "...وأكبر الظن أن حدة دعاء اشعيا تفسر (حسد) اليهود من عظمة بابل ومن قصورها ،وحقدهم على كل شيء ينتمي إلى نبوخذ نصر، وكان اليهود الذين جيء بهم أسرى  إلى ارض بابل، يقرؤون الشعارات التي يكتبها نبو خذ نصر على واجهات قصوره ،فيأخذهم الرعب من عظمة هذه القصور والرعب من تحصيناتها، حتى إذا ذهبوا إلى ضفاف الفرات للاستراحة صاروا يبكون جماعات، فكثر بكاؤهم وكانوا بكائين يائسين من العودة إلى أورشليم، ومن هذه الكتابات (الشعارات) التي كان يقرأها اليهود الأسرى وهي منقوشة في القصر الصيفي، نص كتبه نبوخذ نصر يقول فيه:
ساقني قلبي إلى بناء قصر
من نمط قصر بابل لحماية بابل
في كلاب (چنكال ) الطوب المحروق
باتجاه الشمال
وبنيت أيادينا (سد ضخم) بالإسفلت والطوب المحروق في داخله طوله 60 ذراعا باتجاه سيبار
وهيأت له أرضا عالية أسسها عند صدر العالم السفلي بمواجهة الماء، وجعلتها متينة ورفعت قمتها وربطتها بالقصر، ورفعت قمته كالجبال الشامخة
وجعلت سقفه من جذوع الأرز الضخمة وأبوابه من خشب الأرز المكسو بالنحاس وعتباتها ومحاورها من البرونز وسميت ذلك البيت:
عاش نبوخذ نصر عاش حامي ايساكيلا.
لم يسم نبوخذ نصر (قصره) باسم (الصيفي) وإنما جاءت التسمية من المنقبين الألمان في بداية هذا القرن مستندين في ذلك إلى كثرة الطلعات في غرف وقاعات القصر ووجود النوافذ الكبيرة البادكيرات في جوانب القصر الرئيسة ووجود بحيرات تدور على مساحات القصر ولأن القصر كان يطل على نهر الفرات بأقصر مسافة وعلى سهل مترامي الأطراف الأخرى على بابل، ومشيد بالطابوق المشوي وأرضياتها مبلطة بالطابوق الكبير المكسو بالقار، وعلى جدرانه رسمت الطيور والحيوانات ذات الأشكال الأسطورية وتحيط بهذا القصر أسوار منيعة وكانت قطع الآجر تحمل إمضاء نبوخذ نصر (ذا الأسطر الثلاثة أو السبعة) ومع أن هناك مزايا وخصائص لموقع هذا القصر فهو ليس بمستوى القصر الجنوبي أهمية أو بناء فقد كان القصر الجنوبي مقرا رئيسا لإدارة الحكم، ويجمع أكثر دوائر المملكة فضلا عن القاعات الكبيرة ذات التسميات الرسمية الخاصة...

الجنائن المعلقة
في حديث الإخباريين والرواة ما قبل الميلاد وما بعده بقليل تشويه متعمد عن فكرة (الجنائن المعلقة) وعن أصل الملك فقد ورد أن فكرتها ليست عراقية صرف، وإنما من بلاد فارس التي عرفت الفراديس قبل غيرها في تخريجات لم تتفقه تسلسل السلالة العراقية، أما من حيث موضع الجنائن وشكلها المعماري فقد اتفق المؤرخون ورحالة القرون الأولى على رأي واحد وهو أن هذه الجنائن كانت بناية ملحقة بقصر نبوخذ نصر حيث يمر في جهة الغرب نهر الفرات..
وفكرة الجنائن المعلقة عريقة وجدت عند سكان حوض الفرات منذ أقدم العصور، فكان العراقيون يقيمون لهم تلالا مصطنعة من التراب والطين بالقرب من نهر الفرات ويزرعونها بأشجار الظل والزينة، وكانوا يسقونها بواسطة الكرود العمودية، وجاء البابليون فاقتبسوا هذه الفكرة من أسلافهم وطوروها بفن المعمار بعد أن شهد المعمار تطورا هائلا في زمن نبوخذ نصر (4،6 – 526 ق.م) الذي شيّد له على زاوية من قصره الجنوبي مدرجا طل على نهر الفرات ولهذه البناية صور تحيط بكامل الجنائن المعلقة طوله خمسون ذراعا وأقام البناية على أعمدة من الصخر مملوءة بالتراب زرعت فيه أنواع الأشجار، وهناك عمود كبير مجوف كان مخصصا لإيصال الماء إلى حقول الأشجار، ويرتكز هذا العمود المجوف على بناية تتصل بها قناة صغيرة لسحب المياه من نهر الفرات...
وعندما يتجمع الماء في خندق هذه البناية تقوم مجموعة آلات حديدية برفع هذه المياه بواسطة سلسلة من الأوعية الحديدية إلى الأعلى داخل العمود المجوف، وتتجمع المياه مرة أخرى في حوض يروي الطابق الأول من الجنائن المعلقة، وهكذا وبوجود مثل آلات السحب في كل طابق من الطوابق الأربعة، تروى هذه الجنائن هذه بشكل مستمر ودائم، وإذا كان الثور أو أي حيوان آخر يعطي طاقة الحركة إلى ذلك الجهاز الحديدي غير المعقد فإننا سندرك أن هذا الجهاز هو نفسه (الناعور) العراقي، لكنه كان على طبقات مدرجة وبقياسات هندسية برع المهندس البابلي بإخفائها عن عيون المشاهدين وذلك بأن حصر النواعير الثلاثة في عمود مجوف مزين بكوى عديدة.
كل شيء كنت أراه على قمة جبل بابل من الشمال مدينة سبار وهي شامخة على أرض أكد، ومن الجنوب بلفتة عين كان الفرات يتهادى بين النخيل متموجا على أدعية مقام إبراهيم الخليل وكانت كيش من الشرق تبدو كسفينة تاريخ تمخر في أزليتها، جئت إذا انحدرت سريعا من قمة الجبل، تخيلت أني بابلي قديم جئت أحمل نذور الهدايا إلى عشتار حارسة الحقول والأقمار وكل نساء الأرض وأخطو خطوتين إلى القصر وخطوتين إلى التاريخ ... !                             



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2