تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


عندما تتساوى المثقفة و الأمية تحت سقف العرافة


جلست الفتاة الشابة قرب جارتها العجوز، وراحت تتأمل باهتمام نظراتها الطويلة المتفحصة التي صوبتها تجاه فنجان القهوة الصغير الذي حملته بيدها المرتجفة .. احمرت الفتاة خجلا ثم تبادلت الابتسامات مع شقيقاتها اللاتي علت صرخاتهن فرحا عندما أتت على ذكر العريس المرتقب الذي تبحث عنه كل واحدة منهن في خطوط فنجان القهوة !!.


" نحن لا نؤمن بحرف واحد من هذا الكلام، ولكننا فقط نتسلى، والأصح اننا نتعلق بأذيال الأمل" بهذا الكلام ابتدأت الفتاة الشابة حديثها معي، وكانت تُحلق مع أخواتها حول المرأة العجوز، وأضافت" نحن نتسلى فقط , فقد تسلل الملل إلى نفوسنا أنا وأخواتي الأربع، بعد أن انهينا دراستنا الجامعية، ولم يسعفنا الحظ في الحصول على فرصة عمل جيدة، ووجدنا أنفسنا بعد سنوات من التعب والسهر حبيسات أربعة جدران صم قد لا تختلف كثيرا عن جدران السجون والزنزانات، لذلك تجديننا نستمتع بحضور جارتنا العجوز إلى منزلنا علّنا نجد في كلامها ما يدخل الأمل في قلوبنا" . وأكثر من التسلية واقرب إلى الواقع هو لجوء بعض فتياتنا المثقفات إلى ( أم الخيرة ) العرافة لاستطلاع الغيب والبحث عن حلول لمشاكل قد لا تستدعي كل هذا العناء . يقول بعضهم ان عمل العرافات قد ازداد في الثمانينيات من القرن الماضي عندما لجأت بعض الأمهات الثكلى إلى بيوت العرافات لاستطلاع غيب أبنائهن المفقودين الذين كانوا يساقون إلى حروب النظام السابق لمجرد زرع الأمل في قلوبهن البائسة . والبعض الآخر يقول : حيثما توجد النساء توجد العرافات، ولكن الحقيقة تقول ان للرجال نصيبا في هذا المجال، كما ان أعمال السحر والشعوذة لا تقتصر على النساء فقط بل ان هناك رجالا يشار لهم بالبنان في مثل تلك الأعمال، وليس بأفضل حال منهم رجال افترشوا أرصفة بعض الشوارع الرئيسة لدينا، وملئوها بأنواع ( الخرز) بعضها كما يؤكد احدهم للمحبة، والآخر للرزق، وتلك لمهابة السلطان، الأمر الذي جعلني أتساءل : أليس بإمكان هذا الرجل بملابسه الرثة ان يقتني إحداهن ويستكثر من الخير لنفسه بدلا من هذه ( البهذلة ) ؟!.  والسؤال هو : لماذا تلجأ بعض فتياتنا المثقفات إلى العرافات ؟، هل هو تمسك بأهداب الأمل أو للبحث عن حل لمشكلة قد تفشل معها الحلول كافة. أما انه مجرد تسلية وقضاء وقت، وماذا وجدن لديها ؟، في وقت أظهرت فيه النساء بصورة خاصة رغبة جامحة في استطلاع الغيب واستعجال الأحداث، والفتاة عندنا لا يفرح قلبها أكثر من قراءة طالعها في زوايا الأبراج في الصحف والمجلات بل ذهبت الكثيرات منهن إلى ابعد من تلك التسلية البريئة لتتخصص في قراءة البخت في ( القواميس )، فتنافس بذلك قارئات الفنجان والكف  فارس أحلام. ولكن  (س.ع) موظفة مرموقة قالت: ان ( أم الخيرة ) التي صدقت كلامها بسذاجة كادت توقعني ( بمصيبة ) وقد روت لي قصتها قائلة : في احد الأيام أقنعتني إحدى صديقاتي بمرافقتها إلى أم الخيرة التي بالغت في إطرائها، مؤكدة ان كل ما تنبأت به قد تحقق، ولِمَ لا، وهي تفتح الخيرة بالقرآن الكريم، فلم أجد مانعا من الذهاب معها لعلني أجد في كلامها كل ما تصبو إليه نفسي من آمال، فوجدت لديها مقابل ألف دينار فقط آمالا مزوقة، وقصورا باذخة في انتظاري مع فارس الأحلام الذي سألتقيه بعد أيام بمحض المصادفة، والذي سينقلني معه إلى دنيا غير الدنيا التي أعيشها، ولم اخرج من بيتها إلا وأنا أطير على جناح الأحلام التي زرعتها في نفسي، وما هو إلا يوم واحد حتى تعرفت إلى شاب وجدته مثاليا جدا، فقد كان مثقفا ومتمكنا ومتدينا أيضا عندها لم اصدق نفسي وأيقنت انه فارس الأحلام الذي نبأتني به العرافة العجوز . كان يتحدث، وأنا أتذكر كلماتها، وهي تعدني بالأمل والحب والسعادة، لكنني أدركت بعد أسابيع قليلة ان فارس الأحلام هذا لم يكن إلا لصا محترفا ومحتالا يتصيد النساء، ويسعى وراء المال، ولم أدرك هذه الحقيقة إلا بعد أن سرق مني مبلغا كبيرا من المال فضلا عن مصوغات ذهبية كنت احملها في حقيبتي، ثم هرب!.  وصفة سحرية  السيدة رشا (معلمة) قالت : في العام الماضي حدثت بيني وبين زوجي مشاكل لم اعد إزاءها أطيق العيش معه، والسبب هو عدم إنجابي للأطفال، ونصحتني إحدى جاراتي بالتوجه إلى عرافة مجربة، وذهبت فعلا بعد ان تصورت انني سأجد لديها وصفة سحرية تعيد المحبة إلى قلب زوجي، ويصبح لديّ بتأثيرها بعض الأولاد، إلا انني خرجت منها بـ (خرزة )، نعم خرزة لجلب المحبة مقابل مائة ألف دينار، وهذا المبلغ يعد زهيدا جدا أمام المبالغ الخيالية لأسعار الخرز الملونة الأخرى التي يتراوح سعر أرخصها ثمنا خمسمائة ألف دينار، وقد فرحت كثيرا بالتغيير المفاجئ الذي اعترى زوجي بعد حملي للخرزة ، إلا ان مفعولها لم يستمر أكثر من يومين، فعاد زوجي إلى ما كان عليه، فعدت أدراجي إليها، وطلبت منها ان ترجع المبلغ الذي سلمته لها مقابل الخرزة، فرفضت ذلك، مؤكدة ان نصف المبلغ ذهب للختم، أي ان الخرزة ختمت باسمي، أما النصف المتبقي، فسيخصص ( لتطليق ) الخرزة مني، وهذا يعني وحسب قولها يستلزم ستة اشهر لكي تعود الخرزة كما كانت قبل ان تسمى باسمي، عندها فقط أيقنت انني خرجت من المولد كما يقولون بلا حمص وبلا مال أيضا، وانني على خطأ، وان زيارة العرافة ليس هو الحل بل بالتفاهم مع زوجي فقط  .  مدمنة  في حين اعترفت هيفاء (طالبة لغات) بأنها أدمنت زيارة العرافات، موضحة ذلك باعترافها الذي قالت فيه : يقولون ان الغريق يتمسك بقشة، وأنا كنت غارقة في أحزاني وابحث عن القشة التي ترميها لي إحداهن، فمنذ سنوات والجميع يؤكد لي انني مسحورة، والدليل على ذلك انه ليس هناك من خطب ودي او قرع بابي بالرغم من انني تجاوزت الثلاثين ببضع سنوات، وان السحر لا يفكه إلا السحر، لذلك لم أتردد في زيارة عدد من العرافات بناءً على نصيحة معارفي وأقاربي من النساء المجربات،  وقد وصفت لي إحداهن سبع بيضات لتقوم بدفنها في مقبرة، وأخرى أكدت ضرورة استحمامي في ماء القي فيه سبعة مسامير وسبع ابر خياطة وقفل ومفاتيح ثم القي القفل في النهر، وتعددت الطرق، وبقيت أنا بلا زواج، وما ان تركت هذه الخزعبلات حتى جاءني النصيب وتزوجت في غفلة من أمري .  بياع كلام  تقول مروة (خريجة كلية الإدارة والاقتصاد) : طرقت الأبواب كافة، ولم يشر عليّ احدهم باسم ومكان العرافة حتى اذهب إليها، ولو كانت في أماكن قصية، ولكن من دون جدوى، بيد اني أدركت بعد كل هذه السنين انني كنت اركض خلف السراب، وإنهن - أي العرافات - مجرد ( بياعات كلام ) لا همّ لهن سوى نهب النقود مني، ومن غيري من اللواتي طفح بهن كيل المشاكل والظروف الصعبة حتى شعرت ان مفردات جميع هؤلاء متشابهة، فهن يعرفن ماذا تريد الفتاة ان تسمع، لذلك يكسبن المال من ملء آذانهن بآمال كاذبة وأحلام لا وجود لها، إلا في خيال كل فتاة وامرأة . وتضيف : زرت إحداهن وهي صاحبة صالون في وقت كنت فيه محاصرة بسيل من المشاكل التي تصورت انني سوف لا أجد لها مخرجا إلا مع هذه المرأة، وقد باعت لي الأوهام واشتريتها لقاء ربع مليون دينار، كما لم تحل المواد كافة التي طلبت مني ان اجلبها لها من بخور وقماش وماء ورد أية مشكلة من المشاكل التي واجهتها.  بين المرأة المتعلمة والأمية  مجموعة من الأسئلة التي تبحث عن إجابات واضحة ظلت عالقة في ذهني طرحتها على د. ناهدة عبد الكريم الأستاذة في كلية الآداب قسم الاجتماع، فكانت هذه الإجابة : علم التنجيم علم اشتهر به العرب، وكان يحتل مكانة متميزة لديهم، وبالرغم من ان العلم عند الله، ولا يعلم الغيب إلا هو، غير ان الإنسان قد يضطر وفي ظروف مختلفة إلى قراءة الكف او الفنجان او اللجوء إلى العرافين لقراءة المستقبل ومواجهة ظروف الحياة وضغوطها . وفي بعض الأحيان يكون كاهل المرأة أثقل من كاهل الرجل، لذلك تجدها تحاول دائما ان تجد المتنفس عن هموم الأيام وهموم المنزل في قراءة الطالع، وهي تريد ان تعرف ماذا سيحل بها؟ .. وما مصيرها، ومع مَن؟، وغيرها من الأمور التي تشغل تفكيرها، وعلى كل حال فإن التعليم عامل مهم في تنوير المرأة في الوقت الذي تلجأ فيه المرأة المتعلمة في بعض الأحيان إلى السير في هذا الطريق، إلا ان نسبة المتعلمات بدون شك هي اقل بكثير من نسبة الأميات اللواتي اعتدن مشورة العرافة، والمرأة غير المتعلمة تتقبل الاحياء والتقليد أكثر من المرأة المتعلمة، وعلى كل حال فإن الطرق والوصفات كافة التي تصفها العرافة هي ليست من الدين في شيء، وديننا الإسلامي الحنيف يحارب هذه الخرافات لأنها مجرد بدع، والبدعة حرام، وكل بدعة ضلالة، والضلالة في النار، غير ان الواقع يقول انها جزء من الموروث الشعبي العراقي الذي توارثته الأجيال عن طريق التقليد، وازدادت في مجتمعنا نتيجة لما مر به العراق من حروب ارتفعت بسببها نسبة العوانس في المجتمع، وارتفع معها أيضا عدد العرافات اللواتي يزرعن الأمل والاطمئنان في نفوس الفتيات اللاتي فاتهن قطار الزواج، فالزواج وكما هو معروف استقرار واطمئنان للفتاة وبدونه تبقى قلقة ولا يخفف من حدة هذا القلق إلا قراءة الكف، والعرافة التي تجيب عن تساؤلاتها الكثيرة التي تتعلق بمصيرها، وماذا ستؤول إليه في المستقبل . غير ان الشعور بالطمأنينة لا يتحقق عن طريق قراءة الكف والفنجان، ولكنه يتحقق بالتأكيد عن طريق العمل والتعليم وإقامة العلاقات الجدية المبنية على الفهم والتعاون مع الجنس الآخر .



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2