تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


سدة الهندية


كنت أندفع ببطء إلى حافة هور (أبو جاسم ) باتجاه شمالي تل خضر وتل (ابريح ) .وما إن انكسر عمود الشمس ,حتى ارتقيت برج (سدة الهندية ) , كان تيار النهر يعيد علي قصة هذه الأرض التي بقيت (لغزا) في كتابات الرحالة والبلدانيين , لكنها لم تكن لغزا في خرائط الري أو حضارة الري , فقد شهدت أرض السدة ( وهناك عديد من الشواهد الأثرية بارزة على أرضها , أولى مشاريع الري في العراق القديم 


«الاكوباس» في القرن الرابع ق.م
كان يصطلح على تلك المشاريع في القرن الرابع قبل الميلاد (بالاكوباس) في زمن الاسكندر المقدوني , وهي مجموعة قناطر إروائية كانت تنظم تصريف مياه نهر الفرات الفائضة , وتنظم مياهه إلى جداول عدة تروي أرض بابل إلى حدود إقليم السومريين , وبعد الميلاد سمى الكتاب الإسلاميون هذه الأرض ( نهر الكوفة) وكانت للبابليين هنا , قرى تشرف على نواظم المياه , وكثير من علماء الري أطلق على هذا المنخفض المائي اصطلاح(عقدة الري ) الأولى في السيطرة على مواصلات ري الفرات الأوسط , ولقد ترك العباسيون سجلا كبيرا من خرائط الري في ( تلال القصير ) غرب تل درعية , وفي ( ايشان الحمر ) جنوب قلعة ابن محسن , وأهمل التاريخ ( لحين ) أهمية هذه المنطقة بعد أفول الحضارة العباسية وذهبت القناطر إلى ريح الصحراء ومشى نهر الحلة , وئيدا مرة ,وأخرى معربدا , تاركا ضفافه إلى ما فوق بابل بمئة كيلومتر , مسطحات مائية عبثا , حتى تغيرت تضاريس الأرض في بحر القرن الثامن عشر ونشأت جزرات الطين , تحول نهر الحلة من نهر يروي مليون دونم إلى نهير لا يروي إلا صدر بساتين الحلة , وجاء ( آصف الدولة الهندي ) ليشق جدولا صغيرا من هذه المنطقة في القرن الثامن عشر لإيصال الماء إلى النجف ( إذ لا تتوافر في النجف أنهار طبيعية أو اصطناعية ) وعندما كمل هذا الجدول وتوسع بمرور الزمن , يبس نهير الحلة تماما , ويبست الشاخات والبساتين , وكادت عروق النفس في الحلة تنضب , فهاج الفلاحون وماجوا ..!

 

كنت أندفع ببطء إلى حافة هور (أبو جاسم ) باتجاه شمالي تل خضر وتل (ابريح ) .وما إن انكسر عمود الشمس ,حتى ارتقيت برج (سدة الهندية ) , كان تيار النهر يعيد علي قصة هذه الأرض التي بقيت (لغزا) في كتابات الرحالة والبلدانيين , لكنها لم تكن لغزا في خرائط الري أو حضارة الري , فقد شهدت أرض السدة ( وهناك عديد من الشواهد الأثرية بارزة على أرضها , أولى مشاريع الري في العراق القديم  "الاكوباس" في القرن الرابع ق.م كان يصطلح على تلك المشاريع في القرن الرابع قبل الميلاد (بالاكوباس) في زمن الاسكندر المقدوني , وهي مجموعة قناطر إروائية كانت تنظم تصريف مياه نهر الفرات الفائضة , وتنظم مياهه إلى جداول عدة تروي أرض بابل إلى حدود إقليم السومريين , وبعد الميلاد سمى الكتاب الإسلاميون هذه الأرض ( نهر الكوفة) وكانت للبابليين هنا , قرى تشرف على نواظم المياه , وكثير من علماء الري أطلق على هذا المنخفض المائي اصطلاح(عقدة الري ) الأولى في السيطرة على مواصلات ري الفرات الأوسط , ولقد ترك العباسيون سجلا كبيرا من خرائط الري في ( تلال القصير ) غرب تل درعية , وفي ( ايشان الحمر ) جنوب قلعة ابن محسن , وأهمل التاريخ ( لحين ) أهمية هذه المنطقة بعد أفول الحضارة العباسية وذهبت القناطر إلى ريح الصحراء ومشى نهر الحلة , وئيدا مرة ,وأخرى معربدا , تاركا ضفافه إلى ما فوق بابل بمئة كيلومتر , مسطحات مائية عبثا , حتى تغيرت تضاريس الأرض في بحر القرن الثامن عشر ونشأت جزرات الطين , تحول نهر الحلة من نهر يروي مليون دونم إلى نهير لا يروي إلا صدر بساتين الحلة , وجاء ( آصف الدولة الهندي ) ليشق جدولا صغيرا من هذه المنطقة في القرن الثامن عشر لإيصال الماء إلى النجف ( إذ لا تتوافر في النجف أنهار طبيعية أو اصطناعية ) وعندما كمل هذا الجدول وتوسع بمرور الزمن , يبس نهير الحلة تماما , ويبست الشاخات والبساتين , وكادت عروق النفس في الحلة تنضب , فهاج الفلاحون وماجوا ..!  المهندس الفرنسي شوندرفير ... خبير الري  منذ ذلك التاريخ سمى المهندسون الجدول الذي أمر بحفره آصف الدولة : ( نهر الهندية ) الذي كان يغذي نهر مدينة الهندية ( طويريج ) ونهر الكفل ونهر الكوفة وعددا من جداول الفرات , غربا وجنوبا .. وقد اهتم الوالي مدحت باشا ( 1869 ) بهذا الأمر وأرسل أحد خبرائه في الري إلى منطقة الفرات ليرسم له ( مخططا أوليا ) لإقامة قناطر إروائية تعيد لنهر الحلة الحياة ولخزينة السلطة أموال الجباية والضرائب , فجاء هذا الخبير ( وهو المهندس الفرنسي شوندرفير ... خبير الري ) إلى الجدول الهندي الذي أصبح يومئذ هو المجرى الفعلي لنهر الفرات , فرسم المخطط , فوافق عليه مدحت باشا وابتدأ عمال الأجرة يجلبون أكثر من مليون طابوقة من جدران بابل الأثرية , وخلطوها بالتبن والقصب , ومن هذا المزيج ارتفعت أعمدة ( سدة الهندية ) على آثار بابل ممزوجة بلعنات ملوكها الأوائل , كان ذلك في عام 1890 ... لكن التاريخ لم يبن على إثم , فما إن مضت سنوات على بناء هذا السد , حتى تداعت ضلوعه وهوت يتلقفها تيار الفرات الغاضب , ومرة أخرى يشتكي الفلاحون والفقراء ويتصدع الشجر ويذوي نبات الحقول , فأرسلت عاصمة الخلافة خبيرها في الري , المهندس ( السير ويليام ويلكوكس ) في سنة 1911 إلى إنقاذ السد الذي اشتهر ( بسد شوند رفير ) فأجرى عليه تصميمه الخاص , وقدمه إلى الوالي العثماني في نفس السنة , فأمر هذا بتطبيق الخطة في السرعة التي تهدئ ثورة الفلاحين , وخلال ثلاث سنوات , أي في سنة 1913 كان بناء السد شاهقا , فانفجر الماء مرة واحدة في جداول الحلة والكفل وجدول بني حسن وجدول الحسينية وجداول المسيب والناصرية والإسكندرية , وحمل خبير الري ويلكوكس من رأس السدة إلى ميدان الحلة على ظهور الخيل بين آلاف الفلاحين يهزجون في الطبول والمزامير , وفي كل ديوان من دواوين العشائر ذبيحة الخصب , وفي كل زقاق من أزقة الريف عرس ووليمة ودعاء إلى كل من لفحته الشمس وحمل طابوقة يبني بها سدة الهندية .!  ولكوكس أحب حضارتي  بابل  ووادي النيل وندر أن يبني أجنبي مثل هذا الخير في أرض العراق , فلولا حبه لأرض بابل وحضارة بابل لما نصب ( خيمته ) في أرض السدة , ولما تحرك ( الفرجال ) بين أصابعه ولما أكل خبز الشعير ولا شرب ماء أجاجا , فقد كان ولكوكس ( منذ ولد في الهند وتعلم في جامعاتها ) , يمزج بين الهندسة والتاريخ , ويمزجها معا في مجرى التاريخ الإنساني , فأحب وهو يتدفق مع هذا المجرى , حضارتين , بابل , ووادي النيل , وحينما اكتملت خبرته وصار ( مشهورا ) في دوائر الري العالمية , استقدمه الوالي العثماني إلى مصر , وهناك بنى ( سد أسوان ) في سنة 1905 وكان من أرقى مشاريع الري في الشرق . حتى أن أهل مصر أرخوه في كتبهم ووضعوا خرائطه في خزانات محرمة , وحينما توفي على أرضهم في سنة 1932 ( وكان قد اختار مصر للسكنى بعد عودته من العراق ) أقاموا له ( نائحة ) في جرائدهم وذكروا في مراثيهم , خيره لدلتا النيل ...!  حاضر سدة الهندية      لكن كل شيء يصبح قديما , فقد رأيت سدة ولكوكس تتكون من 36 فتحة , عرض كل منها ( 5م ) لإمرار تصريف قدره ( 300م3/ثا ) , وهذا لا يتضمن حياة الأنهار المتفرعة من نهر الفرات نظرا للقدرة الزراعية المتصاعدة في ريف الفرات , و لأن مادة بناء هذه السدة من الطابوق والنورة , وهذه معرضة للتفتت, فقد جهد المهندس العراقي في وضع تصاميم لبناء سدة أخرى أكثر قدرة على إدامة الحياة للجداول والأراضي الزراعية , وهكذا تمت المباشرة بإنشاء سدة جديدة ( بالمنشآت التابعة لوحدة السدة ) بتاريخ 7/12/1984 وتتكون من ستة أبواب رئيسة , عرض الواحدة منها ( 16م ) .. وتدار هيدروليكيا وبواسطة القوة الكهربائية , وبتصرف قدره ( 2500م3/ثا ) كما تم إنشاء محطة كهرومائية ضمن منشأ السدة الرئيسة الجديدة هذه , وهي تتكون من أربع وحدات توليد بطاقة كلية قصوى قدرها (15 ) ميغاواط  وبتصريف كلي قدره ( 450م3/ثا ) ...وقد افتتحت هذه السدة الجديدة في آذار 1989 , وبافتتاحها كنا نضع يدنا على خزائن أرض بابل .. لكن شيئا لفت إليه نظري وأنا اجتاز حائط السدة , قول أحد طلبة الثانوية في ناحية السدة , وهو أن هذا المشروع العملاق كان لابد أن ينشأ في ظلاله أكبر دار للسياحة , و زاد مضفيا على قول هذا الطالب ( .. بل دورا سياحية وفنادق ..) وكنت أزيد على قولهم , أن التعبير الشائع في كتابات الخبراء بأن ناحية السدة , هي جنة الأرض في الفرات الأوسط , وروضة الفرات في لهجة المحليين , يكفي لأن نلغي من أذهاننا الاعتقاد الرسمي بعدم توافر الجغرافية السياحية على ضفاف الفرات , جغرافية الشتاء أو جغرافية الصيف ..!  بدل أن ينتجوا في الأرض , أنتجوا في النهر  اعتمد العثمانيون أرض السدة ومنذ عهد مدحت باشا ( 1869- 1872 ) كوحدة إدارية مستقلة تابعة إلى ( ولاية بغداد ) وفي بداية العشرينيات استحدثت كناحية , وأصبح يحدها من الشمال قضاء المسيب , ومن الجنوب ناحية أبي غرق ومن الشرق قضاء المحاويل ومن الغرب ناحية الحسينية التابعة إلى محافظة كربلاء , وهي اليوم تمتد إلى أضعاف المساحة التي كانت عليها إلى ما قبل سنة 1968 , وعلى هذه المساحات نشأت القرى العصرية والمشاريع الزراعية والصناعية , وزاد عدد نفوسها بأربعة أضعاف عما كانت عليه في إحصاء 1957 , وفيها مدارس ابتدائية وثانوية, ويقوم اقتصاد الناس على الزراعة بالدرجة الأولى إذ تنتج الناحية , الحنطة والشعير والتمور والحمضيات , كما يمارس بعض الأهالي تقليدهم القديم في الصناعات الشعبية , كصناعة ( أدوات الصيد ) بمختلف أنواعها وأشكالها , وصناعة ( القفف ) وهي أقدم واسطة نقل عرفها العالم القديم في مجاري الأنهار , ولأن هذه الناحية أضحت المركز الأول في فنون صيد الأسماك , ولأنها حافظت على فولكلور الفرات القديم , بمزاولتها المستمرة في صناعة ( الشباك ) لصيد الأسماك , كان ينبغي أن ينشأ على أرضها ( معمل صناعي متواضع ) لتطوير هذا التقليد البابلي , وكان في كل رأس صياد أقابله, قصة في الصيد وفنونه وتعليماته , ولكن الصيادون في جداول ( السدة ) أصبحوا فئة طبقية قائمة بذاتها , لهم تقاليدهم في الكلام , وتقاليد في الانتاج , وطموح في تطور الأدوات , وبدل أن ينتجوا في الأرض , أنتجوا في النهر , حتى صار النهر مبعث تخيلاتهم ومصدر وجودهم ومصدر صراعهم مع الطبيعة , فأين هي مجلاتنا المختصة ..! ؟  مراقد السيد إبراهيم الخليل و بنات الحسن وابن الكاظم  هناك في موقع العمل الذي عمل فيه المهندس الفرنسي ( شونجدر رفير ) بإنشاء السدة الأولى , أقيم نصب تذكاري أشبه بمسلة , تخليدا للسدة , وهي ( المنارة ) الحاضرة , وقد نقش عليها تعبير باسم السلطان العثماني عبد الحميد خان ومؤرخ في ( عام 1038 ه ) ... ومن البنايات الأثرية في السدة ( المسجد الجامع ) الذي أدى فيه ثوار العشرين صلاة الاقتحام والبسالة , ومدرسة السدة الأولى التي افتتحت في عام 1929 فضلا عن مراقد الأولياء كمرقد السيد إبراهيم الخليل ومرقد بنات الحسن ومرقد ابن الكاظم , وتضيف هذه المراقد , كثيرا من الناس في أعيادهم ومناسباتهم الدينية , وتقطن في الناحية عشائر قديمة , رأيت منها : الدعوم , اليسار , وشمر السادة الشرفة والمسعود والبوغانم والمعامرة , وفي التاسعة ليلا لم أعد أميز بعض البيوت التي تسكنها عشائر أخرى , فسافرت إلى قرى أخرى على الطريق السياحي , الذي يفضى إلى بابل , وكانت على يساري تنتشر أكواخ الرعاة وبيوت الفلاحين , وكان على يميني يمتد نهر جديد يلج إليه رجال بوجوه حمر , ظننتهم من شركة تحيي أرضا مواتا ..!

 



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2