تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


النكتة السياسية في العراق تاريخ دموي حافل


رياض الركابي 
نكتة أولى 
في أحد رياض الأطفال في بغداد، قالت المعلمة : أعزائي الحلوين، العراق جنة الله في الأرض، غنية بالأكل والماء العذب، وكل البضائع التي يحتاجها ماما وبابا، و((كل الأطفال فرحانين تغني وتلعب ويروحلهم بابا صدام ينطيهم نستله وجكليت ولعابات حلوة)). وفجأة سمعت المعلمة بكاء طفلة في الصف، سألتها: ((هاي شبيج حبيبتي ليش دتبجين؟، أجابتها الطفلة، وهي تبكي: (الله يخليج ست، عفية وديني للعراق!).


نكتة ثانية يقال إن مسؤولاً حضر متأخراً عن الموعد المقرر لاجتماع ما في (المنطقة الخضراء)، ومنعه حرس شركة (بلاك ووتر) عن الدخول، بدعوى أن الكلب الذي (يشمّ) المسؤولين نائم!!، وعندما طلب المسؤول أن يفتشه حرس (بلاك ووتر) بدلاً من الكلاب أخبره الحارس: "تفتيش المسؤولين من اختصاص الكلاب"!  بين النكتة الأولى والنكتة الثانية مسافة طويلة من وجع عراقي متجذرّ، تعمّد بالدم والدموع، ولم يكن للعراقيين بديل في ظل سياسات تكميم الأفواه، ولم تكن شعارات الديمقراطية والحرية التي رُفعت طيلة عقود من الزمن سوى غمامة تنجلي عند أبواب مديريات الأمن، والمخابرات، وكانت النكتة السياسية وسيلتهم الممكنة لفتح كوّة في جدار الرعب.  النكتة السياسية.. زاد الشعوب المقهورة يؤكد الدكتور جواد الزيدي أن النكتة السياسية ظهرت في زمن القمع كجزء من التنفيس، حتى انها رُحلت للفن بالعروض المسرحية، والهدف هو النيل من النظام السياسي بشكل منظم ومرمّز، وأحيانا بشكل مباشر في الجلسات الخاصة الموثوق بها .  في مصر تروى النكات عن الصعايدة، وفي الجزائر تحاك النكت على سرعة غضبهم، كما تحولت مسالمة بعض الشعوب العربية إلى نكتة في فم الجزائريين، وفي فرنسا دائماً يروون نكات عن غباء البلجيكيين، وفي بريطانيا يسخر الانجليز من الايرلنديين، وكذلك من بخل الاسكتلنديين، وفي سوريا تحاك النكت على الحمصي، وفي العراق تروى النكات على أهلنا في الجنوب، وعن الأكراد، وعن الدليم، وأهل الموصل.  النكتة السياسية والهمّ السياسي العالمي  يقال إن جورج بوش دعا توني بلير على الغداء، وبعد الغداء خرجا للصحفيين للإدلاء بتصريح صحفي !!. فسألهم أحد الصحفيين، ما القرارات التي اتخذتموها أثناء اجتماعكم؟ قال الرئيس بوش: قررنا أن نقتل 20 مليون مسلم، ودكتور أسنان واحد! الصحفيين اندهشوا ونظروا إلى بعضهم بعضا، والكل متلهف لمعرفة لما طبيب أسنان واحد فقط؟ فقال أحد الصحفيين للرئيس بوش: ولماذا طبيب أسنان واحد؟ تبسم بوش، ثم مال على توني بلير، وهمس في أذنه.. ألم أقل لك إن أحداً لن يهتم بالـ 20 مليون مسلم !!.  هكذا تناولت النكتة السياسية الهمّ السياسي العالمي، ولنا أن نتصوّر الحبكة التي صيغت بها النكتة التي أوردناها، وهي بوقعها ممكن إن تنافس تأثير مقال صحفي لكاتب مهم او مؤتمر يندد بسياسة أمريكا، او حتى فلم تلفزيوني. فكم من نكتة عدّلت قوانين وأقصت مسؤولين كان أداؤهم السيئ هدفا لتلك النكات. كما ان بعض سفارات الدول شكلت خلايا في داخلها لإطلاق نكات عن الشعوب المتواجدة فيها لأغراض سياسية تعود بالفائدة لمخططات تلك الدول التي تكون فيها كما يقول الإعلامي والباحث ضياء مصطفى. كما تعكس النكتة السياسية الآتية، الوضع العالمي الجديد في ظل سياسة القطب الواحد، وكيف تؤثر السياسة الأمريكية في سياسات جميع دول العالم بلا استثناء (في حصة الرياضة: سأل المعلم تلميذاً: من هو أحسن لاعب كرة في العالم في نظرك؟ فقال: بوش، لأنه الوحيد الذي يلعب بالكرة الأرضية). وباتت النكتة السياسية تؤرخ للماضي القريب والبعيد، وبإمكان الباحثين ان يستدلون من خلال النكات على طبيعة الأنظمة وعلاقتها بشعوبها. تقول إحدى النكات: (في عام 1956م قام الزعيم السوفييتي نيكيتا خرتشوف يندد بجرائم ستالين ضد الشعب، وبعد ان أنهى كلامه جاءته رسالة من احد الحاضرين كتب فيها (لماذا لم تقل هذا الكلام أمام ستالين، والمعروف انك من كبار رجاله)، ابتسم خرتشوف، وقال: أريد أن يعرّف كاتب الورقة بنفسه، بالطبع لم يجب احد، فقال خرتشوف أنا مثل هذا الرجل .  وفي احدي زياراته إلى أوربا التقى الصحفيين وأعطاهم هذه النكتة فقال (دخل سكران إلى الكرملين، وهو يصرخ قائلا خرتشوف أحمق.. خرتشوف احمق، فقبض عليه وسجن ستة اشهر بتهمة التخريب، وعشرة أعوام لفضحه سر من أسرار الدولة).  تاريخ دموي للنكتة السياسية في العراق على الرغم من جو المرح الذي تشيعه النكتة السياسية، إلا ان لها تاريخا دمويا حافلا، وخصوصا أثناء النظام السابق، فقد لجأ إليها المواطنون للتغلب على معاناتهم التي امتدت لعقود من الزمن وللتنفيس عن الكبت المتجذر عبر النيل من رأس النظام، وتمزيق تلك الهالة من القدسية التي كوّنها لنفسه، حتى بات بمصاف القديسين، أو بمرتبة الآلهة او للنيل من رجالاته. وقد تسببت نكات سياسية بإعدام مطلقيها، وأحياناً أعدم مَن ضحك بسبب النكتة التي أطلقها غيره، ويبدو ان صدام كان بحالة شديدة من الغضب عندما أصدر قرار مجلس قيادة الثورة المرقم ٨٤٠ في ٤/١١/١٩٨٦ الذي نص على "يعاقب بالسجن المؤبد ومصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة من أهان بإحدى طرق العلانية رئيس الجمهورية أو من يقوم مقامه أو مجلس قيادة الثورة أو حزب البعث العربي الاشتراكي أو المجلس الوطني أو الحكومة، وتكون العقوبة الإعدام إذا كانت الإهانة أو التهجم بشكل سافر وبقصد إثارة الرأي العام ضد السلطة. ويعاقب بالسجن مدة لا تزيد على سبع سنوات أو بالحبس أو الغرامة من أهان بإحدى طرق العلانية المحاكم أو القوات المسلحة أو غير ذلك من السلطات العامة أو الدوائر أو المؤسسات الحكومية".  والمفارقة ان عقوبة الإعدام هذه كانت بسبب المس بذات رئيس الجمهورية، أما من كان يمس الذات الإلهية، فكان يعاقب بالسجن ثلاث سنوات.  النكتة السياسية في ظل النظام الجديد بالرغم من دموية المشهد السياسي بعد نيسان 2003، يوم أطيح بصنم الفردوس، إلا ان النكتة السياسية شهدت ازدهاراً بفعل الانفتاح الإعلامي وتقنية الاتصال الواسعة، ومن ثم أصبحت هناك فرص اكبر لشعراء ومثقفين وكتّاب ومواطنين بأن يطلقوا سيلا من هذه النكات يعالجون بها قضايا اجتماعية وسياسية، ومن هؤلاء شعراء استطاعوا أن يكتبوا قصائد كاملة ممكن ان تؤطر بإطار النكتة السياسية لانتقاد عضو مجلس نواب أو وزير او رئيس وزراء او رئيس جمهورية،كما يقول الصحفي هادي جلو مرعي. كما ان تنوّع الأحداث بسبب التجربة السياسية الجديدة جعل هناك وفرة بالموضوعات التي يتكلّم عنها المواطن كونها ترسم حاضره ومستقبله فجاراها بنكاته الساخرة. كما ان عملية السقوط الدراماتيكية للنظام السابق حولت الآلاف من رجالاته إلى معارضين في المنافي، فهم أيضا كانت لهم حصّتهم الكبيرة من النكات الساخرة التي تنال من رجال العهد الجديد، ومن التجربة السياسية الجديدة، وشجعوا على نشر النكات في ظل التقنية الحديثة للاتصالات كالبلوتوث والانترنيت. تقول إحدى النكات (اكوا واحد سحب كهرباء من عامود الشارع فرجع إلى بيته فلكه الثلاجة تشتعل، والمروحة تنطفي، والتلفزيون يشتعل، والضوء ينطفي، فرجع إلى الشارع لكه نفسه ساحب الكهرباء من إشارة المرور... )، وهذه النكتة إشارة إلى سوء الخدمات التي يعاني منها المواطن بشكل يومي، أو تلك النكتة التي تقول :(عاجل عاجل ... سيتم إلغاء جميع شبكات الموبايل من العراق واستبدالها بشبكات العراق الجديد.. تررن.. تررن.. تررن.. تررن، إن الرقم الذي طلبته قد يكون هاجر او داخل نطاق المقبرة، تأكد من الرقم المطلوب ثم اقرأ الفاتحة).  النكتة السياسية جزء من لعبة التسقيط السياسي لأن القِدر السياسي العراقي يغلي منذ ست سنوات على نار مستعرة، لم تتوانَ الأحزاب والحركات السياسية من استخدام كل الوسائل المتاحة لتحقيق اكبر قدر ممكن من المكاسب السياسية، ولأن هذه المكاسب لا تأتي إلا عن طريق صوت الناخب، لذا فقد عمدت هذه الأحزاب والحركات السياسية على كسب صوته من خلال الدعاية الإعلامية لها، او من خلال تسقيط الآخر، واقرب طريق للتسقيط يتم عبر إطلاق النكات التي من شأنها أن تهز ثقة المواطن بها، وإظهارها بصورة كاريكاتيرية . تقول إحدى النكات (سألوا مواطن.. لماذا لا تصلي؟ فقال.. هي وين الحكومة؟).  أخيراً قد تبدو نهاية هذا التحقيق مبتورة، ولم استشهد بنكات تناولت حقبة زمنية سوداء من تاريخ العراق حيث الاحتلال، وبروز الطائفية بوجهها المقيت، وفقدان العراق لنخبة كبيرة من أبنائه، وما زالت الأحداث والتداعيات تضرب بريحها الصفراء خيمة الوطن، لذا سأكتفي بالصمت مؤقتا، لأنني.. خائف.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2