تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


في بلد يطفو على النفط أطفال ونساء ورجال يبحثون عن لقمة العيش بين النفايات!


حقيق وتصوير/ باهر غالي
ما ان يبزغ ضياء فجر جديد، ومع أولى ساعات النهار، تنطلق قوافلهم باتجاه الشمس، يحملون على أكتافهم أكياساً فارغة، أخالها مملوءة هموماً ثقالاً لزمن لم يرحم براءتهم، وإنسانيتهم.. أطفال صغار، تلمح على وجوههم تجاعيد المسنين، وعلى أكتافهم هموم الكبار.. وجوه اسمرت بفعل حرارة الصيف اللاهبة.. ولفحات برد الشتاء القارسة.. ثياب رثة مزقتها عوامل القدم..


 وأيد تشققت بفعل البحث عن لقمة العيش المرة في أماكن، تفوح منها روائح تشمئز منها الأنوف، وتعافها النفوس.. فيها وليس في غيرها.. حكم القدر إن تكون مصدرا لرزقهم.تبعد أن حكمت قسوة الحياة.. وعدم مبالاة الرعاة بالرعية.. أن تكون النفايات، هي المصدر الوحيد لعيش هؤلاء.. وهي الأداة التي تخفف عنهم ألم الجوع.. ومعاناة الحرمان.. صغار.. بنين.. وبنات.. ليس لمهنتهم من أدوات، سوى كيس يحمل على الظهور.. وأكف ناعمة تقرحت وتخشنت.. نتيجة النبش بين أكوام النفايات.. أنوف تعودت على شم الروائح الكريهة، بعد إن عجزوا عن استنشاق رائحة العطور والورود.. لغياب رعاية الدولة وعدم التزامها بمسؤولياتها عندما تركت هذه الفئة تواجه الحياة وصعوباتها دون معين.
وإزاء ذلك اندفعوا مجبرين نحو عالم النفايات، لتوفير مستلزمات الحياة.. والبحث عن لقمة العيش بين
حاويات النفايات.
اخترقنا عالمهم.. وقلبنا أوراقهم المبعثرة.. فجمعنا جزءا منها.. ووضعناها أمام القراء والمسؤولين في آن واحد.. لعلهم يشعرون بمعاناتهم، ومأساتهم.. يتعاطف القراء معهم، ويجد المسؤولون الحلول، لأطفال من المفروض، ان يكونوا في معاهد الدراسة صباحاً، ويلهون في الحدائق والمتنزهات وملاعب الرياضة مساءً.. ولكن؟!

النفايات مصدر للعيش
هل يمكن للنفايات أن تكون مصدراً للعيش.. ولسد رمق الحياة، للآلاف من العوائل العراقية، في بلد يطفو على النفط، وأرضه مثقلة بالخيرات.. قلت لمن لم يحظ بنزر يسير من خيرات بلده.. وهو يبحث بين النفايات، عما يمكن أن يشتريه تجار النفايات؟ لم هذه المهنة دون غيرها؟ ألم تجدوا مهنة أخرى تصون كرامتكم وتحفظ إنسانيتكم؟!
لم أسمع جواباً، وأحسست إني تطفلت على عالمهم المغلق، ولكن احدهم ردّ بضحكة فاترة، كانت تنز منها السخرية، من سؤال ربما لا يحتاج، إلى ذكاء وفهلوة لمعرفة الجواب، وفهمت من تلك الضحكات جوابا فيه من الحكمة الشيء الكثير"أية مهنة لم نبحث عنها، وأية مهنة لم نزاولها، لم يبق أمامنا إلا التسول، هل ترضى أن نتسول، ونحن في بلد يعد الأغنى بين دول العالم؟!"
وقال آخر: "ألا تعتقد أن جمع النفايات، والنبش فيها، وتحمل روائحها وحتى أمراضها، أكثر رحمة من مد اليد للآخرين، أو امتهان مهنة غير شريفة"، فيما كان شيخ كبير يتابع الحديث، فقال مردداً مثلا شعبيا "اشجابرك على المر، غير الأمر منه".

عدة العمل..
الطفل احمد عبد الكاظم 14 عاماً من أهالي حي الطاقة يقول: "نحن ثمانية أبناء، خمس إناث تركن الدراسة، وثلاثة ذكور، أما الوالد فهو عسكري متقاعد، يتقاضى راتباً لا يكفي لسد احتياجات البيت لمدة أسبوع، وهي مكافأة لرجل أفنى شبابه وحياته في خدمة العلم".
ويضيف احمد: "بيتنا إيجار، ومتطلبات العيش، رغم بساطتها لمثلنا، لكنها ثقيلة على كواهلنا، لم نقدر على تحملها، نحن الفقراء".
وعن سبب امتهانه هذه المهنة رد بحزن "بحثت عن عمل في الحي الصناعي، والمطاعم فلم أجد..! ولم يبق أمامي إلا المزابل التي لا تحتاج الى رأس مال، أو خبرة، أو شهادة، أو تزكية من حزب، أو واسطة، أو رشوة ، كل ما نحتاجه، هو كيس (جنفاص) أضعه على ظهري، وأجوب فيه الشوارع، بحثاً عن الأشياء "الثمينة" التي ترمى في النفايات ورحلتي اليومية تستغرق أكثر من 20 كم بحثاً عن ضالتي..!

مواد قابلة للبيع
وما ضالتك التي تبحث عنها؟! أبحث عن كل شيء قابل للبيع،علب المشروبات الغازية والعصائر الفارغة، الأسلاك الكهربائية، القطع البلاستيكية، وعلب المياه الشفافة، وصفائح الزيوت، مواد فافون، أغطية القناني والعلب، وبعض الملابس، ولعب الأطفال.. ويكمل تعداده قائلاً: "ان نوعية المواد التي نبحث عنها تختلف من منطقة الى أخرى، فالمناطق الراقية تكون فيها نوعية النفايات غير النفايات في المناطق الشعبية التي تسكنها طبقات فقيرة، حيث نجد في تلك المناطق الكثير من الأشياء التي يمكن الاستفادة منها، كالملابس وأدوات الطبخ، والعدد المنزلية، فأحيانا نجد في النفايات مثلاً: راديو صغيراً مستعملاً، تلفزيوناً، مبردة، كراسي محطمة، يمكن إصلاحها، والإفادة من أجزائها، وأحياناً نجد الفرش مثل: الكاربت، الموكيت، البطانيات، اللحف، كلها مستعملة، البعض منها نجلبها لبيوتنا للاستفادة منها في المنزل، والبعض الآخر نبيعه بمبالغ جيدة.

تصنيع النفايات
محمد حسن (صاحب محل) لبيع وشراء (السكراب) في منطقة الملحق، محله أشبه ما يكون بمنطقة الطمر الصحي حيث تكدست النفايات أمام محله.. أكوام من الأسلاك التالفة، والكراسي المحطمة، صناديق الخضراوات، وأوان منزلية مصنوعة من الألمنيوم والفافون، أحذية وعلب بلاستك، وعلب مشروبات غازية .. قال لي: "نحن الآن بصدد فصل المواد كل واحدة على حدة، وكل حسب نوعيتها، ليتم لنا بيعها للآخرين، حيث تجري عليها عمليات الصهر وتسمى (الكور) وفيها يتم صهر جميع المواد حسب نوعها، فهناك كور للمواد البلاستيكية، وأخرى للمواد المعدنية، وبعد عملية الصهر يتم صنع المواد المنصهرة، على شكل سبائك مربعة، او مستطيلة، ومن ثم بيعها الى أصحاب المعامل ،باعتبارها مواد أولية في صناعاتهم المختلفة.

أمراض.. أمراض
في جنوب مدينة كربلاء وعند الحزام الأخضر، يتم جمع نفايات المناطق السكنية من قبل بلدية كربلاء، لغرض حرقها، لذلك أصبحت هذه المنطقة مصدراً للرزق لكثير من النساء والرجال والأطفال، يبحثون بين أكوام النفايات بالعصي تارة وتارة أخرى بالأيدي دون استخدام أية أدوات وقاية، وبدت كثير من العلامات المرضية على أيدي وأقدام ووجوه العاملين في هذه المهنة، إذ أن هناك العديد من الأمراض التنفسية والجلدية بادية عليهم.. تقرحات، أكزمة، سعال، ربو، ضيق في التنفس.. وبالتأكيد ان سبب كل هذه الأعراض هي النفايات وفايروساتها ودخانها المنبعث منها نتيجة لحرقها دون ان تقوم البلدية بطمرها.
والدة احد الأطفال التي تعمل هي وابنها وزوجها في هذه المهنة عندما سألتها عن الإمراض التي يتعرضون لها.. ضحكت وقالت: "يمعود بسيطة، عمر الشقي باقي"، وأضافت: "مجرد إصابات وتقرحات وجروح ودخول ما تسمونه انتم الجراثيم، لقد تعودنا عليها ولدينا مناعة، وأصبحنا أصدقاء هذه الجراثيم"!
صديقة لها أضافت: "دائما نتعرض للمخاطر حيث تجرح أيدينا ونتعرض للأمراض الجلدية والاختناقات من النفايات المتعفنة ولكن (ما باليد حيلة) فالعيشة مرة ويبدو أن الشقاء والبؤس كتب علينا.

من الزراعة إلى جمع النفايات
إحدى العوائل كانت بجميع إفرادها متواجدة عند المكان الذي ترمى فيه النفايات من قبل البلدية خارج مدينة كربلاء بالقرب من الحزام الأخضر، صغار، ونساء، ورجال، ينبشون في النفايات بحثاً عن الغنيمة.. مواد يمكن لها أن تباع، أم احمد 40 عاماً قالت: "كما ترى نحن نعمل كل يوم نأتي هنا في الصباح الباكر ننتظر ما تجلبه سيارات البلدية والساحبات من نفايات وحال رميها يبدأ عملنا، البحث عن كل شيء يمكن الاستفادة منه"، وتضيف: "أحياناً نجد حيوانات ميتة تفوح منها روائح كريهة ولو تدري معاناتنا اليومية لعرفت مدى ما نعانيه من اجل توفير لقمة العيش..؟
وبينت: "كنا نعمل كفلاحين في المزارع الصحراوية وبعد أن أهملت هذه المزارع بسبب ارتفاع البذور والأسمدة وأجور الحرث والوقود، لم يبق أمامنا إلا هذه النفايات".. وتواصل أم احمد حديثها "العيشة صعبة جداً خاصة لنا نحن العوائل الفقيرة، لا نملك راتباً، ولا بيتاً سوى بيت مبني من الطين والبلوك يقطر ماءً في الشتاء ويفور كالتنور في الصيف.. هل تعتقد ان العراقيين يستحقون مثل هذه العيشة الذليلة..؟ ولماذا كل هذه المعاناة لآلاف العوائل .. لا أدري هل نحن عراقيون أم لا.. أين الحكومة.. أين نفطنا وثرواتنا.. من المسؤول عن سرقتنا ومعاناتنا..؟
واستمرت أم احمد بحديثها، مشيرة إلى ابنها الصغير الذي لم يتجاوز عمره الخمس سنوات" هل أطفال العراق هذا مستقبلهم بين النفايات مخلفة لهم الأمراض، ألا تنظر أعراض الأمراض الجلدية بادية على وجهه ورجله،اليس من المفروض أن يكون الآن بالروضة يتعلم ويكتسب الخبرات، حاله حال أطفال العالم"؟!
لم تستطع أم احمد ان تحبس دمعاتها الساخنة التي عبرت من خلالها عن مدى الذل الذي يعانيه العراقيون بينما ثرواتهم تذهب الى جيوب تجار السياسة الجدد.. تركتني والعبرة تخنقها وواصلت النبش بين النفايات بحثاً عن شيء يمكن له أن يباع لتلقم في نهاية النهار أفواهاً جائعة من خيرات المزابل لا من خيرات العراق، فيما بدأ ابنها الصغير يبكي الجوع فألقمته ما عندها من خبز، بينما هي واصلت مشوارها اليومي في مقبرة النفايات.. في انتظار ان تحمل غلتها على عربتها التي يجرها الحمار.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2