تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


دوريس ليسنغ.. والعشب يغنّي


حب (دوريس ليسنغ) التي ألهمتني أعمالها أن أعنى بالوضع الإنساني ووعي الفرد بعالمه في كل عمل أنجزه مهما كان ذاتيا أو محليا.. كان صباحا ماطرا في صيف لندن عندما اشتريت من مكتبة شهيرة قرب شارع أوكسفورد رواية (العشب يغني) لدوريس ليسنغ،


أ لم أكن حينه قد سمعت باسمها، وكانت رواية (العشب يغني) ضمن برنامج الدورة التي رشحنا لها المعهد البريطاني في بغداد لتعلّم المزيد من اللغة الإنكليزية وآدابها في كلية غولد سمث-جامعة لندن سنة 1978، ومع روايتها اشتريت رواية إيريس مردوخ التجريبية الرائعة (الأمير الأسود) التي كانت من ضمن المقررات الدراسية الصعبة في دورتنا مع مسرحيات توم ستوبارد.. كان اسم دوريس برنينه الفضي يسحرني، ووجهها المرتاب، ونظرتها العميقة في صورها، تثير أسئلة متلاحقة وتحفز على المضي قدماً، الأهم أن يمضي المرء قدما بلا تردد أو خوف ويكتب حتى آخر نفس، غلاف تلك الطبعة من (بنغوين) كان بارعا رغم بساطته: صورة فوتوغرافية ملونة يغلب عليها اللون البرتقالي لأعشاب بسنابل رقيقة تتماوج في الريح أمام منزل ذي طراز كولونيالي في بيئة أفريقية ساخنة.. كشفت لي هذه الرواية، عندما قرأتها  بهدوء بعد عودتي، عن جوهر الإبداع الرصين لدى هذه الكاتبة الكبيرة، ونظرتها العميقة  للزمن وتعاملها الجريء مع الاضطهاد العنصري وأوضاع النساء في عصرنا.. دوريس لسنغ نموذج فريد بين الكاتبات المبدعات اللائي أحدثن تغييرا في حيوات النساء حول العالم منذ الستينيات والسبعينيات، وأنا واحدة منهن، فهي من طراز الكتّاب المحرضين ذوي المواقف المباغتة القادرة على تحريك الأجواء وإشعال الشرر وإدهاش الناس، بقيت دوريس لأمد طويل تعرف بأنها أيقونة الحركات النسوية، وبخاصة في كتابها الشهير (المفكرة الذهبية)، لكنها كانت تنتقد النساء بطريقتها الخاصة حتى عرفت بأنها كارهة النساء المفضلة لدى الحركات النسوية عندما أنكرت نزعتها النسوية علنا، ووجهت اللوم لراديكالية الحركات النسوية.. ورواية (العشب يغني) عمل رائد وكبير ضد الظلم والعنصرية وبلادة حياة المستعمرات في روديسيا، وأوضاع النساء فيها من وجهة نظر جدلية كاشفة للتناقضات وأصل الصراع القائم.. عايشت ليسنغ التحولات الكبرى في القرن العشرين، ووجدت نفسها في خضم تناحر الآيدلوجيات الكبرى، وصدمت بما آمنت به زمناً ثم تخلت عنه الشيوعية، ثم عايشت التفرقة العنصرية، وواجهت النازية، وسخرت من تقاليد الإمبراطورية البريطانية.. وجدت في شخص ليسنغ ملهماً لي في تعلم الإنكليزية وفي تحولاتي الفكرية ونظرتي المتغيرة للعالم، وصارت روايتها (العشب يغني) مفتاحاً لدخول عالم ثري من الفكر والإبداع والمواقف والتحولات الإيجابية، أما روايتها (مذكرات من نجا) فقد أسرتني طويلا، وأعدت قراءتها لسببين؛ الأول متعة اشتغالها على ما وراء الوعي، والثاني محاولتي تصحيح بناء العبارات في الترجمة العربية واستبدال مفردات أكثر تناسقاً مع العمل الإبداعي وقيمته الفنية.. وهذه شذرات ترجمتها من أحاديثها: 
ليس ثمة قوانين لكتابة الرواية ولم تكن موجودة من قبل ولن تكون أبداً.. -لا أعلم الكثير عن برامج تعليم الكتابة الإبداعية، غير أني متأكدة من أنهم لا يخبرونكم عن أمرين: الأول هو أن الكتابة عمل مضن جدا، والثاني أنك تتخلى عن جزء عظيم من الحياة -حياتك الشخصية- لتكون كاتباً.. -في الجامعة لا يعلمونك أن أعظم مادة في القانون هي التسامح مع الحمقى.. -من آخر ثلاثة أشياء في الحياة، لا يتبقى سوى العمل، فهو الوحيد المحفز والمجدد والمثير الذي يمنحنا الرضا.. -إنه لأمر فظيع أن يدمر الإنسان صورته الشخصية باسم توخي الحقيقة أو أي تجريدات أخرى.. -العلم وأدب الخيال العلمي أصبحا جدلية عصرنا.. -بعض الناس ينالون الشهرة، وآخرون يستحقونها.. -ماذا يعني أن يكون المرء بطلاً دون أن يحب النوع البشري؟ أجل دوريس ليسنغ، لا بطولة من دون حب البشر.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2