تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


همسة في أذن المرأة


فاروق محمد
في كل خطاب مهذب يجب أن نلتزم الصوت الواضح الهادئ كي تصل أفكارنا إلى القلب قبل السمع،هذا بالعام أما خطابنا للمرأة فيحتاج خصوصية أخرى لحساسية المرأة وحساسية الخطاب مهما كان، ولعل الهمس هنا لا يعني التغني والتغزل لكنه همس آخر قد يحمل بعض العتاب والتنبيه، فقد كثر الكلام عن حقوق المرأة حتى صار لغطاً متداخلاً صاخباً- في بعض الأحيان- وفقد منطق التسلسل والوضوح أحياناً أخرى.



لا أحد يحمل وعياً وتطلعاً حضارياً يؤيد أو يرضى أن يغبن حق المرأة بأبسط صورة أو حتى دلالة عابرة في هذا الزمن بشكل خاص.. زمن الانفتاح على العالم وغياب الكثير من حواجز وعقبات تمنع التواصل الإنساني ولعل هذا الانفتاح يساعد المرأة على فهم موقعها في مجتمعنا الشرقي الإسلامي بعد اطلاعها على موقع المرأة في المجتمعات الأخرى- الغربية والأمريكية بشكل خاص- حيث أدت الحرية المطلقة هناك إلى ابتذال المرأة وجعلها سلعة متعة جنسية تتناقلها أيدي الشهوات والرغبات العابرة سالبة كرامتها وليس من أسرة تلجأ إليها لتحتمي بظلها، فالأسرة تفككت منذ عهود وأزمنة شاع فيها الإلحاح على مفهوم – الحرية الشخصية- المطلق ونجد الآن من ينادي على شاشات الفضائيات في أمريكا وغيرها بالرجوع إلى لم شمل الأسرة بعد أن فتكت الأمراض – الجسدية والنفسية- بالشباب مع وباء الإدمان على أنواع المخدرات. وهذا ليس خافياً على أي إنسان يشاهد ما تعرضه الفضائيات.
المرأة- والحمد لله- في مجتمعنا رغم وجود بعض الخلل والضغط وضياع بعض الحقوق أفضل حالاً لأنها محمية من قبل أسرتها وزوجها وكثير من الأزواج المتعلمين الذين يحملون وعياً يضعون للمرأة مكانة محترمة، وإذا أردنا ان نقارن حياة المرأة اليوم بحياة جدتها نجد فرقاً واسعاً متسعاً نلمسه بوضوح وهذا له حساب إيجابي في مسيرة المجتمع عامة والمرأة خاصة.
حساب ومحاسبة لا لأجل انتقاص حق المرأة ولا من باب المنّة عليها لكنه حساب تذكير كسبته الكثير من النساء من حقوق وما حققته  المرأة لنفسها باجتهاد وسعي خاص، وهذه نقطة تستحق الوقوف عندها ومراجعتها شرحاً وتفصيلاً- الاجتهاد والسعي الخاص- ذلك المنطلق الذي بدأت منه الكثيرات خلال القرن الماضي فبرزت المعلمة والطبيبة والشاعرة وأستاذة الجامعة حتى في زمن سلطة الرجل المطلقة وعزلة المرأة وراء ستر في  قعر بيت لا يدخله من العالم الخارجي من نور إلا بما يسمح به الرجل ونحن الآن في زمن آخر في ألفيةٍ أخرى وقد زال الستر المعتم منذ زمن بعيد وخرجت المرأة لمستقبل حياة الدراسة والعمل بشتى أنواعه وما زلنا نردد مقولات تناسب ثلاثينيات القرن الماضي وكأن صوت الشاعر الزهاوي شعار حي وهو يعلن قائلاً:
(أسفري فالحجاب يا ابنة فهر هو داء في الاجتماع وخيم)
لقد أسفرت المرأة من زمن بعيد أسفرت بفكرها ورؤيتها وفهمها للحياة وصار الأهل يتفاخرون بنجاح البنت في دراستها وتحصيلها العلمي وتحقق شعار- المرأة نصف المجتمع – وليس ظلاً وراء الرجل ليس له كيان ملموس وهذه حقيقة لا تقبل الكثير من الجدل. وهنا يأتي سؤال بحاجة إلى جواب واضح محدد وهو: ما الذي تريده المرأة في هذا الزمن..؟
لماذا هذه الندوات الطويلة العريضة التي تشغل ساعات من بث الفضائيات..؟
في أحيان كثيرة يثير استغرابي ظهور سيدة تحمل شهادة عليا ونسمع منها: أن المرأة مضطهدة لا يسمح لها بالتعلم وتحقيق الذات وإذا كان الأمر كذلك كيف حصلت هذه السيدة على شهادة الدكتوراه وأصبحت عضواً بارزاً  في المجتمع..؟ من هنا تأتي خطورة الكلام بالعموم والمطلق لا أحد ينكر أن مجتمعنا يحمل رواسب موروثة وقيم متأصلة بالذات تجعل -  البعض- ينتقص من قيمة المرأة وان بعض النساء يستسلمن باستكانة لأبسط ضغط وهذا عيب تلام عليه- بعض النساء لكن العموم الغالب ليس كذاك والدليل ما نشاهده من حركة المرأة في شتى مجالات الحياة الوظيفية والتدريسية والفنية..
الدعوة الحقيقية التي نحتاجها اليوم دعوة للثورة على تظم التعليم والتدريس وتخلف وسائل الدراسة والمناهج التربوية، على المرأة اليوم أن تنادي باقتلاع وسائل التعليم وغرس وسائل تناسب روح هذا العصر الذي انفتح به العالم على بعضه وبدأت العولمة تهدد أسس الخصوصية الثقافية وحتى اللغوية للشعوب الضعيفة المستضعفة، ونحن للأسف نجد المدرسة وهي أساس التعلم والثقافة أصبحت عاجزة عن تعليم البنات والأولاد القراءة والكتابة بشكل صحيح وهذا ضياع ليس لحقوق المرأة وحريتها لكنه ضياع للأجيال القادمة التي باتت الأمية تلوح في الأفق بشكل شبه معلن منذرة بكارثة، علينا بشكل عام  وعلى المرأة بشكل خاص الوقوف بوجهها.
المرأة أم ودورها أخطر من دور الرجل وصدق الشاعر في قوله:
(الأم مدرسة إذا أعددتها      أعددت شعباً طيب الأعراق)



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2