تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


أطفال أجبروا على المكوث في قارعة الطريق


ابتهال بليبل
عندما تتجول في شوارع بغداد عَليك أن تكون صامتاً، لترى أمامكَ حالات من الحياة والموت، وترى العابرين من حولك تقوس كاهلهم في العمق، تَسير وأنتَ تُصغي إلى أصوات الشوارع والسيارات، ليبدو الجميع منشَغلاً في طابور طويل من الهموم والأحلام والأماني التي عجزوا عن تحقيقها،


وبالرغم من أن هناك طوابير أخرى مماثلة في شوارعنا، إلا أنها تَشعركَ بأنكَ واقف ضمن الطابور الوحيد في العالم، مملوء بمفارقات تفجرك انتظارا وتطيح بك، فالجميع قابعون متمسكون بِصبرهم، وإذا التفت تلمح الأرصفة وقد امتلأت بالخطوات، خطوات أقدام ملت الانتظار.واليوم، وأكثر ما يمكننا أن نراه الخضوع لهموم وأوجاع ورثناها، قلما نمضي للتخلص منها، لتبدو المعاناة مستعصية الانفراج، وبالمنعطف ذاته ثمةَ حبٌ كبيرٌ غير معلن في داخلنا، ولكن هل يا ترى سيضم هذا الحب معاناة أطفالنا وأبنائنا؟! الأطفال في المنتزهات كل يوم في العراق له صوتٌ وطعم ولون، نحاول فِيه بلوغ ذاتنا المتعبة عبر ظلال أخرى، ظلال برائحة دجلة، وسحر الأزقة العتيقة المتشربة بأفيون النخيل، تركب سيارة الأجرة مع أطفالك رافعاً بصرك إليهم وأنت تتمنى قضاء يوم جميل بصحبتهم، تسير السيارة خلف مواكب الزحام، ولكنك لا تأبه، فنيران الفرح تَنبعث من حلم الترويح عن النفس، تنبعث من ابتسامة أطفالك وهم يترقبون وصولهم إلى متنزه الزوراء، ذاك المنفذ الوحيد في الكرخ الذي يعانق أرجاء أسطورة مضاءةً بروح المتعة، وهناك ستلاقي في هذا المتنزه أطفالاً أجبروا على المكوث في قارعة الطريق. محمد طفل لم يتجاوز العشرة أعوام، واقفاً يحمل قناني المياه المعبأة، محاولاً التوسل بالمارة حتى يشتروا منه، ارتأينا التحدث معه متسائلين عن ثمن قنينة الماء، فقال: (500 دينار)، سألناه عن أحلامه وما يتمنى، كان رده أن يبيع ما في جعبته من قناني مياه، حتى يعطي المال لوالدته، مشيراً إلى أنهم لا يملكون دخلا سوى ما يحصل عليه هو وشقيقه الذي يعمل (صانعاً) في احد مطاعم منطقة (ألسنك)، تعمدنا سؤاله مرة أخرى عن أحلامه وعن الدراسة، فرد مستغرباً «لا أذهب للمدرسة ولا اعرف القراءة». أما الطفلة ميادة فكانت تبيع العلكة في المتنزه ذاته، تتجول منذ الصباح الباكر وحتى المساء، ساعات عملها تجاوزت (11) ساعة، تقول: أنها تسكن هي وأسرتها في مجمع أم البنين ـ هذا المجمع يضم العوائل المهجرة والفقيرة على حد قولها، مشيرة إلى أنها لم تدخل المدرسة يوماً في حياتها، لأن والدتها أجبرتها على العمل لتوفير لقمة العيش. مطالب وأمنيات وفي سياق مختلف فأن الطفلة زهراء عبد التي لم تتجاوز من العمر العشر سنوات، كانت لديها أحلام كثيرة ومن بينها الرسم، ولكنها لم تجد من يلبي رغبتها سوى تلك الجدران التي لا تكلف والدها عناء شرائها بثمن، فما يدخل للعائلة لا يكفي لكي يلملم أحلام وأماني أطفالها، أما رؤى ونرمين فكانت أحلامهما لا تتعدى عمريهما الصغيرين، فكانت أمنياتهما أن يحصلا على جهاز (الحاسوب) لكن هذا الأمل بدأ يتلاشى في ظل الوضع القائم. وتقول أم رؤى متسائلة: كيف لي أن أوفر لهما كل احتياجاتهما وآنا اعمل بائعة حلي وإكسسوارات في محل تجاري، فيما لم تختلف مطالب وأمنيات دعاء ليث العزاوي عن الغير، فبعد الحديث معها قالت: أنا أريد من أمي أن تشتري لي تلك السيارة الكبيرة التي أستطيع ركوبها كالتي أراها في الأسواق واستغربنا لمطلبها إذ كونه حلماً من أحلام الذكور وهي فتاة، فتعمدنا سؤال والدتها التي وضحت لنا بأن دعاء تعيش مع ثلاثة أشقاء، لذلك فأن متطلباتها تشابه متطلباتهم، مشيرة إلى إنها تعاني من طلبات ورغبات أبنائها فراتبها وراتب زوجها لا يكفيان لكي يوفروا لهم كل شيئاً، ومعاناتها الدائمة من أبنها الأوسط في محاولة منها بتوفير له ما يريد، واصفته بالعنيد وعندما يطلب شيء يجب توفيره له حتى لو كانت العائلة لا تستطيع ذلك. لافتة إلى إنها متعبة منه جدا على عكس أبنائها الآخرين.. بينما كانت لهناء حسان رجب حكاية أخرى فهي غير متزوجة إلى الآن وتعمل موظفة وتقوم بدور الأم لأشقائها الأربعة الذين يصغرونها سناً، خاصة بعد وفاة والدتها، فيما والدها رجل كبير مقعد، فتقول بنبرة حزن حقيقة أنا متعبة جداً من تحمل مسؤولية أشقائي وطلباتهم وأقول في نفسي كيف كانت والدتي تتحمل ذلك، ناهيك عن الوضع والغلاء المعيشي والطلبات التي لا تنتهي وأنا انتظرهم كي ينهون دراستهم ويحصلوا على شهادات تؤهلهم للعمل ومساعدتي. دور الأسرة وفيما يتعلق بإمكانيات الطفل والاهتمام به في الجانب الفني الذي طالما لم تلتفت اليه الأسرة باعتباره شيئاً ثانوياً وليس ذا أهمية، حدثنا الفنان خالد جبر عن رأيه بالقول: «للجانب التربوي أثر كبير في تربية وتنمية مواهب الأطفال فمن خلال هذا الجانب نستطيع أن نوفر للطفولة كل الجوانب المهمة التي ترتقي نحو الإبداع والاطمئنان على المستقبل فاني أرى كلمات التشجيع الأولى التي يتلقاها الطفل في مطلع حياته هي الوصول إلى المسار الصحيح وهذا التشجيع لا يأتي من الفراغ، إنما عبر وسائل علمية تستطيع أن تجعل المتلقي يتقبلها بكل حب وتألق وإبداع، مشيراً إلى أننا كثيراً ما نرى بعض الأطفال يقومون مثلاً بالشخبطة على أوراق بيض وبأقلام ملونة وهذه الشخبطة، هي الخطوط الأولى أو الشعاع الذي يجعل العلاقة وطيدة بين الطفل وبين عوالمه التي يتألق بخيالها، فالطفل لم يكن ورقة بيضاء باستطاعتنا أن نملي عليه أفكارنا، الطفل هو عالم كامل يمتاز بالبراءة والصدق والعفوية .لافتا إلى إن الاهتمام بالطفل منذ السنوات الأولى لحياته ستجعل منه طفلاً قوي الشخصية يجيد العلم والمعرفة بالشكل الصحيح، مضيفاً هذا هو الجانب المشرق الذي نطمح جميعاً لتحقيقه، ولكن الجانب الآخر والذي يقودنا إلى عالم التخلف هو العدم واللامبالاة بالنسبة للطفل وإهماله في كل جوانب الحياة وتشجيعه على الهروب من المدرسة لكي يقوم بإعمال يومية قاسية غايتها مساعدة الأهل، وبهذا السلوك الخاطئ سوف يجد نفسه في دوامة من الأخطاء التي يكتسبها من المجتمع وعناصره والذين يفتقدون المعرفة ولا يستطيع أن يؤدي واجباته الحقيقية بالشكل الصحيح، إذن فثقافة الطفل هي الأساس في خلق جيل جديد واع يحمل البصمات الجديدة المشرقة لدفع عجلة المستقبل نحو الأفق البعيد من اجل الحياة الجديدة التي نستطيع الوصول إليها عبر الأمن والأمان.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2