تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


غسل العار.. جريمة الضحية والجلاد


ميساء الهلالي
التزم الأب أمام المحكمة بعدم تعريض ابنته للأذى كونها مغرراً بها.. وطالب المحكمة بالقبض على الفاعل واعتبر فعل ابنته التي تعرضت إلى الاغتصاب ليس فعلا طوعيا لذا فهي تحتاج إلى المساندة أكثر من أي شيء آخر.. وعادت الفتاة إلى بيتها.. وبدأت المؤامرات تحاك ضدها.


وفي يوم من الأيام وبعد مرور فترة على الحادثة وفي ليلةٍ كانت تنام فيها الفتاة مطمئنة إلا من آثار بعض الدموع على خدها.. لم تر صباح اليوم التالي.. إذ مارس الأب نوعا من الضغط على أخيها المقرّب منها من اجل قتلها لأن الأب تعهد أمام المحكمة بعدم المساس بها وسيحاكم حكماً مشدداً، أما الأخ فقد يحصل على حكم مخفف.. قبل الأخ على مضض وكانت طلقة واحدة من مسدس كاتم للصوت كافية لإسكات نبضها.. وحكمت المحكمة على القاتل بسنة واحدة. وفي النهاية ظهرت الحقائق التي بينت بأن زوجة الأب لعبت تلك اللعبة القذرة من اجل الخلاص من ابنة زوجها.. إنها ليست قصة فيلم.. بل هي قصة حقيقية حدثت ومثلها الكثير من القصص المشابهة والأبشع منها تحدث يوميا لتزهق أرواح نساء بريئات أو غير بريئات ..وتبقى المرأة هي من تدفع الثمن.  لكل قضية ظروفها يقول المحامي مهند كامل: - يحاكم القاتل اعتياديا إذا ذكر تقرير الطبيب الشرعي براءة الضحية من جرم الزنا أما إذا كانت مذنبة فيحصل على» باعث شريف» يخفف من العقوبة.. ولا ينطبق هذا على كل الحالات بل يعود بالطبع إلى المحكمة لأن القضية حساسة جدا وتمس الأسرة في الصميم، كما يعتمد على وضع المرأة نفسها فقد تكون متزوجة ويقتلها الأخ أو الزوج ليس لاكتشاف إثمها بل لغرض الحصول على ارث أو لرد اعتباره أمام شخص أو أشخاص وصموه بالعار! وهناك حالات أخرى تحدث في الريف فقد يقتل ابن العم ابنة عمه لأنها لا ترغب بالزواج منه وتريد رجلا غريبا ويعتبر ذلك غسلا للعار. أبدى احد القضاة رأيه في هذا الموضوع فهو يرى ومن خلال الاطلاع على القوانين العقابية في اغلب البلدان العربية والإسلامية إن هناك نوعا من تخفيف العقوبة على الرجال الذين يرتكبون هذه الجريمة ضد أفراد عائلاتهم الإناث، وقد تصل إلى الإعفاء من العقوبة كما حصل في قانون العقوبات العراقي في عهد النظام الدكتاتوري البائد الذي اصدر قانونا خطيرا كرس بموجبه القيم البدائية ومفاهيم التمييز بين الجنسين والعنف ضد المرأة العراقية منتهكا حقوقها الإنسانية حين عدل نص المادة 409 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لعام 1969 واصدر القرار رقم 111في عام 1990 الذي  أجاز فيه قتل المرأة من دون عقاب على الفاعل وعدم المساءلة الجزائية لمن قتل عمدا أو مع سبق الإصرار أمه أو أخته أو عمته أو بنت أخيه أو بنت عمه غسلا للعار. ويشير القاضي إلى استغلال رجال القضاء في بعض البلدان تخفيف العقوبة في جرائم الشرف كما إن القوانين العقابية في هذا المضمار تتصف بالطابع الذكوري الواضح وهو ما تعترض عليه بشدة منظمات المرأة والنساء البرلمانيات ويطالبن باعتبار غسل العار جريمة يحاسب عليها القانون ويعامل مرتكبها كأي قاتل آخر بإلغاء المادة 409مع الأخذ بنظر الاعتبار الجانب النفسي للجاني عند ارتكاب جريمته لتخفيف العقوبة وحسب المبادئ العامة يجوز للمحكمة النزول بعقوبة الإعدام والسجن المؤبد إلى السجن المؤقت أي السجن لمدة خمس سنوات أما في حالات القتل غسلا للعار في غير حالة التلبس بالزنا فلا يكون الجاني مشمولاً بالتخفيف خصوصاً في حالة الاختطاف والاغتصاب لأننا سنعرض المرأة للاعتداء مرتين بدون وجه حق!  مسألة عرفية.. كان كل الذنب الذي اقترفته (ق)أنها أحبت جارها، ولأن العرف الريفي مازال يحكم في بعض المناطق على ابنة العم بالزواج من ابن عمها حتى لو كان متزوجا وتعطيه الحق برفض زواجها من أي غريب يتقدم لها فقد رفض (ع) زواج حياة من جارها رفضا باتا رغم موافقة والدها وأشقائها ورغم زواجه بامرأة أخرى وإنجابه خمسة أطفال.. حاول جارها إقناع ابن عمها فأرسل له وجوه العشيرة وأغراه بالمال من دون جدوى فقد وجد (ع) في خطبة الفتاة مسوغا لإجبارها على الزواج منه أو البقاء عانسا ما تبقى لها من العمر. كان الحب كبيرا بين الجارين وكان والدها متفهما إلى حد كبير فاقتنع أمام إصرار الشابين على الارتباط بتزويجهما سرا بشرط أن يأخذها بعيدا عن القرية حتى يخف غضب ابن عمها ويصفح عنها. وتم للشابين ما أرادا وطلع النهار ليكتشف أهل القرية اختفاء الفتاة مع جارها.. أشعل (ع) نار الحرب وكاد يقضي على أسرة الجار لولا إخبار والدها له بعلمه بالأمر ورضاه عنه، وهنا اسقط في يد (ع) فتوعد الفتاة بالقتل أينما عثر عليها ليغسل عاره وأشاع في القرية أنها هربت مع الجار دون زواج. بدأ (ع) بمراقبة عمه وأبنائه ووجد فرصته أخيرا بالعثور على (ص) حين تبع زوجة عمه التي بدا أنها تزور ابنتها، وحين استدل على بيتها في قرية أخرى، ذهب إليها ذات صباح في غياب زوجها واقتادها كالذبيحة إلى قريتها دون أن يعبأ بتوسلاتها وصراخها وحملها، وقبل أن يتدخل أهلها لإنقاذها سحبها من شعرها وجز رقبتها أمام أهل القرية وهو يصيح منتشيا: غسلت عاري..  تحول غسل العار الذي لم يكن عارا أصلا إلى ثأر بين العائلتين وقتل (ع) بسبب ذلك وظل الدم جداراً مرعباً بين أبناء العم طوال سنين وكل ذلك بسبب رغبة ابن العم في امتلاك ابنة عمه واستخدامه ذريعة غسل العار للانتقام من تحديها له.. يختلف وقع كلمة الشرف باختلاف الأوساط وكل واقعة شرف لها خصوصيتها فكيف ينظر المجتمع عموما إلى المرأة المنحرفة؟.. ولمن يعطي الحق في معاقبتها؟ يقول الدكتور كاظم عبد الكريم/أستاذ في قسم الاجتماع في كلية الآداب: - الزنا جريمة عاقب عليها الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز، ومن هنا فان المجتمع ينظر نظرة ازدراء وتوبيخ إلى المرأة التي تفقد عفتها مسببة العار لأهلها والنظرة إلى الرجل الزاني ليست متساوية لذا يظل الشخص الذي تخرج إحدى نساء عائلته عن الطريق مطأطئا رأسه أمام الآخرين ومضحيا بكرامته في ديوان العشيرة حتى يأخذ بثأره من تلك المرأة ..وعملية الأخذ بالثأر ليست من الدين في شيء وإنما هي مسألة عرفية تعارف الناس عليها وأصبحت عادة في المجتمعات الريفية والبدوية وحتى الحضرية، ولذا فمن الصعب الحكم على صحتها أو عدمها لكونها مسألة قيمية تتوقف على المستوى الحضاري والثقافي للقاتل.. ورغم أنها انحسرت لفترة إلا أنها عادت في الفترة الأخيرة بسبب الفوضى الأمنية التي عمت البلد والتفكك الأسري الذي نتج عن ذلك. ويرى الدكتور كاظم انه ليس من حق الشخص العادي تطبيق قانون غسل العار وإنما يظل القانون وتطبيقه من صلاحية الدولة ليسود الأمن والاستقرار في المجتمع. وهناك ظاهرة برزت مؤخرا وتزايدت في بعض المحافظات وتقوم على قتل النساء بدوافع دينية أو طائفية لوجود جماعات تعاني من عقد نفسية للانتقام من المرأة نتيجة مشاكل عائلية سابقة أو لتنفيذ مخطط سياسي تقف وراءه جهات خارجية.. وتحاول الجهات الأمنية القضاء على هذه الظاهرة والتصفية الجسدية للمرأة بحجة عدم التزامها بشروط الحشمة أو خروجها للعمل أو ما شابه، كما تعمل المنظمات النسوية ومنظمات المجتمع المدني جاهدة للوقوف في صف المرأة ومساعدتها على فرض شخصيتها ونيل حقوقها في العمل والحياة. وتبقى الفرصة مؤاتية أيضا أمام من سولت لها نفسها السير في طريق الخطيئة أن تحصن نفسها ضد الإثم لتمنع عن نفسها عقابا وخيما يلحق العار بها وبأسرتها طوال العمر، وينطبق الأمر على من يعيّر الأهل وعلى من يسمع وينفذ دون أن يتريث قليلا ويضبط أعصابه ليتأكد من ظنونه أو من صحة كلام الناس فليس هناك إثم اشد من قتل النفس!



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2