تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


عناية جابر: شاعرة الوضوح الأبيض (لا أخوات لها)


أرسلت لي الشاعرة اللبنانية الصديقة (عناية جابر) مختاراتها  الشعرية (لا أخوات لي) مع كاسيتات أغان عربية كلاسيكية بصوتها، احتجزوا الطرد في المطار، كبلوا القصيدة والصوت  بالظنون، حاصروا الحرية كشأن  أية سلطة ترتاب بالكتاب والغناء، انتظرت يومين وثلاثا لأتسلم الطرد المحتجز، مر شهر كامل ثم أنبأوني أنهم أفرجوا عن الكلمات وصوت الشاعرة.


كتبت لي عناية: ستسمعين تسجيلاً سيئاً لكنه يوصل لك ما أريد من الغناء.. في المطار عاينوا رهافة صوتها الحلو حين أداروا الكاسيت الذي ظنوه منشوراً خطيراً للحب، أو لربما تخيلوه بياناً سرياً لأنوثة الحرية، ولعل واحدا من المتلصصين قال: حاذروا مكيدة الشعر، خطير شعر النساء حين يتنكر بزهرة صبار ومزاج جامح.. فاجأهم البحر حين فاضت زرقته في الفضاء قبل ان ينصتوا برهة الى  ليلى مراد وعبد الوهاب  وقد بعثا  في نبرة الشاعرة ضربهم الموج، كبسوا زر جهاز التسجيل فانسكب ضوء من نشيج  يمام النساء، دهشوا من خفق اليمام وتقشف القصيدة، وصوت عناية يرتل (لا أخوات لي)، واضطربت الغرفة في لجة الشعر وحطت غابة نجوم على المكاتب ونباتات الظل الهشة. شغلوا الكاسيت الثاني فتدفق لحن تعزفه قيثارة وحيدة، عزلوا صوت الشاعرة المغنية عن الأوركسترا وغلفوه بالأختام الزرق، نزعوا قميص (ساتانها الأبيض) عن  الكلمات ثم قطفوا العطر من فستانها المزهر، كان أحدهم يدخن سيجارة ويلثغ بالمحظورات ويفض جسد الكاسيت  بنظرته الكاسرة. تربصوا بأغاني (عناية) التي أرسلتها لي طيُّ الغمام، فككوا أول الأمر حاشية الغيوم و(فكرة سوداء طويلة) عنوان إحدى قصائدها ظنوها عباءة أو حجاباً لكنها كشفت بوحا بليغ الحشمة،  قبل أن يكتشفوا طفولة النبرة في أغنية ( ليه تلاوعيني) توهموا أن أغنية (حيرانة ليه) شفرة سرية للنيلِ من سلطة الذكورة وطوطم القبيلة.. حين فتحت المظروف وعليه عشرة من الأختام الرسمية الزرق، أطلت زهرة صبار وردية من غلاف قصائد (لا أخوات لي )، وقرأت أول ما قرأت إهداءها وقصيدة (الشمس مقبلة).. أيقنت لحظتها أن هناك امرأة تغامر بالشعر فتزج الخطى في الوضوح الأبيض، تقفز من سفينة الشعر  لتعوم في ضوء الغناء، لا تبالي  بالبرق أو الجليد، تلمس بالرهافة ذاتها أريج الغابة وقميص الساتان،تتحرى شذا الصندل وعتمة البيت، وتصنع قصيدة من كلمة بالغ صمتها ومن وراء الحزن أو من أمامه تمر (عناية) مكسوة بالقصائد، لها هدوء راهب بوذي ومشية جنيّة، تراقص الليل او تحنو على نرجسها وفي الصوت حيف رفيع كأوتار الكمان، في الليل الطويل تطوي عناية أوهامنا تحت لامبالاتها الفاتنة وتسحبنا الى كهوف الزمن الفالت، تلاطف الألم كأخت وحيدة وترتل الهجاء  الصغير كقبلة نضرة لفتاة سرقوا رائحتها وهي تجرجر رؤانا وتنثرها في حقل قمح أو تحت قمر ذاهل، كم هي متوحشة وأليفة قصائد البنت التي لا أخوات لها، أما يكفيها أنها تطل علينا بوجوهها المترادفة وهي تلعب دور غيمة أو ملاك كما تقول في قصيدة (مسرح)؟ أما يكفيها أن (لجسدها حركة البحر) في القصيدة ولصوتها دفق النبع في مهابة الجبل؟ الشاعرة نهمة للحياة لذا توجز القصيدة كجوهرة مجلّوّة وتمحو الكلام الفائض عن حاجة الشعر، تمحو الأثر كي تضلل العدم عن خطوتها المترنحة.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2