تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


غابت قضيتها عن أذهان الجميع ما حكاية المرأة التي تمتهن الخدمة في البيوت؟


بغداد/ ابتهال بليبل
كل من يتوقع أن عمل المرأة في خدمة البيوت عملاً محترماً، يجابه بالتشكيك نفسه الذي تسبب في ضياع الكثير من النساء في دوامة تحصيل لقمة الخبز المريرة، فعلى الرغم من أن مهنة الخدمة في البيوت قديمة في العراق وتمتهنها شرائح معينة من النساء توارثنها لأجيال خلت، إلا أنها نمت بشكل أسرع وأكبر من السابق، لذلك كانت لها تداعيات كبيرة على البلد بصورة عامة وعلى المرأة بصورة خاصة، فما حكاية العراقية التي تمتهن الخدمة في البيوت، والأهم من ذلك لماذا غابت قضيتها عن أذهان الجميع، بالرغم من ان هويّتها لم تغب عن المجتمع؟!


وحل الجريمة حتى فترة غير بعيدة، بقي عمل المرأة في الخدمة محموداً، وكانت وما زالت الأمثال الشعبية تؤكد أنه عمل الطاهرات العفيفات، إلا أن الصراعات السياسية وتدهور الوضع القائم في البلاد أطلق العنان بشكل متسارع للخطر القادم من عمالة النساء في هذا المجال، حتى ترسخت ذهنية جديدة في أن المرأة التي تمتهن الخدمة في البيوت لها القدرة على الانخراط في وحل الجريمة. يقول محمود عباس/ سائق سيارة أجرة: لا أنسى تلك المرأة الأربعينية التي طلبت مني إيصالها من بغداد الى إحدى النواحي، مضيفاً: كانت تحكي لي قصة هروبها من الرجل الذي كانت تعمل عنده (خادمة) منذ أكثر من عامين. فيقول عن لسانها: اتفقنا أن أسكن في شقته، وأوفر له ما يحتاجه من مأكل وملبس وغيرهما من إدارة الشقة وتنظيفها، وبالرغم من أنه كان لا يحضر سوى لمرات قليلة في الأسبوع، إلا انه عندما يحضر كان يصطحب معه إحدى النساء، وكنت لا أتدخل في أمره، معتبرة ان الأمر لا يعنيني، وكان يعاملني كأخت أو ام له، حتى جاء اليوم الذي تعرف فيه على فتاة وازدادت زياراتهما ومبيتهما في الشقة، على أساس انه سيتزوجها. واشترى لها لوازم الزواج من الذهب وغيره من الأمور، فيما هي بدأت بمشاكستي والاعتداء عليّ في كل مرة تحضر فيها الى الشقة، كان آخرها ان كنت نائمة في المطبخ لتوقظني من النوم بقوة تتهمني بأني انام بطريقة غير مناسبة، لتضربني وتحاول طردي من الشقة، شاكية لزوج المستقبل بأني أحاول لفت انتباهه ومشاغلته، وهددتني بأنها ستجد طريقة للتخلص مني.. تستدرك هذه المرأة (الخادمة) حديثها بالقول: شعرت بمدى الألم والاهانة، وقلت في نفسي.. عامان وأنا أحافظ على أسرار هذا الرجل وممتلكاته التي كانت في متناول يدي ولم أحاول يوماً استغلال الفرصة، لتكون النهاية اتهامي بعفتي وشرفي، فقررت الانتقام منها، وأخذت مهرها (المصوغات الذهبية) وما موجود في الشقة من أموال، لأهرب الى المكان الذي تسكن فيه ابنتي المتزوجة والتي لا يعرف مكان إقامتها أحد ولا يستطيع الوصول اليها، وبعدها سأرتب حالي للهجرة خارج البلاد والعمل هناك، ويستغرب محمود سائق الأجرة ان هذه المرأة قد منحته (100) ألف دينار أجرة السيارة مكافأة إيصالها الى المكان الذي ترغب فيه.  فريسة سهلة لذئاب البشر لكن خيبة الأمل تتزايد، حتى اختلطت الأوراق السياسية وبعض المهن التي اعتبرت كخطوط حمر للمرأة كالتسول وامتهان الدعارة، وجاءت مهنة الخدمة في البيوت تزيدها خلطاً، حيث لم يكن المشهد منذ أربعة أو خمسة أعوام هو نفسه الذي ارتسم سابقاً.. ليدور حول اكثر من محور وفي أكثر من اتجاه، وإذا كان هذا الخلط أمراً طبيعياً لما آلت إليه أوضاع البلاد من تدخل العناصر الإرهابية وعصابات الجريمة المنظمة في كل شيء، فإنه محير ومقلق بالنسبة لمصير هؤلاء النسوة، حتى باتت التساؤلات تثار: هل تتبع هؤلاء النساء (الخادمات) أشخاصاً لهم جنوحات وتحالفات مع عصابات الجريمة، أم لا؟!، وما كانت حكاية (م.ج) الأرملة التي قتل زوجها على أيدي إحدى العصابات المسلحة عام 2006، خير برهان على ذلك، حيث تؤكد أم محمد امرأة تجاوزت الخامسة والخمسين من عمرها أنها تسكن وحدها بعد أن هاجر أبناؤها الثلاثة خوفاً من القتل والاختطاف الى إحدى الدول الأوروبية، مشيرة الى أنها كانت بحاجة الى امرأة تساعدها وتخدمها مقابل ثمن، وبالصدفة التقت (م.ج) التي كانت تسكن مع مجموعة من العوائل من أهل زوجها في بيت قاموا بالاستيلاء عليه والسكن فيه لان أهله تركوه وهربوا الى خارج البلاد، هذه العوائل كان أفرادها قد تعدت أعدادهم الثلاثين، لافتة الى أن هذه الخادمة وافقت للعمل في بيتي مقابل ثمن (خمسة آلاف دينار) يومياً، وكانت تحكي لها عن السرقات التي قام بها أشقاء زوجها وكيف أنهم يستغلون أي دار خالية من أهلها، للسطو عليها وسرقة ما فيها وبعد ذلك بيعها بأبخس الأسعار لتوفير المال، شاكية الى أنهم أخبروها بأن لا شأن لهم بها ولا بأطفالها الخمسة، طالبين منها دفع مبلغ (100) ألف دينار شهرياً لهم مقابل السماح لها بالسكن هي وأطفالها معهم، تؤكد أم محمد بأنها كانت تشعر دائماً، بأن هذه (الأرملة) لن تقاوم كثيراً، فهي تعمل في أكثر من خمسة منازل في المنطقة، ملمحة الى أنها اذا بقيت بهذا الشكل من حيث ضغط أشقاء زوجها عليها حتماً سيأتي يوم وتهرب مع أطفالها أو تهرب وتترك أطفالها مشردين، وقد تحيد عن الطريق السليم لكونها فريسة سهلة لذئاب البشر.  الخوف من المستقبل أما حامدة فتقول: إنني في حالة يرثى لها، وموقفي محرج للغاية.أعمل في خدمة المنازل منذ خمس سنوات، مشيرة الى أن العمل كان متوفراً في بداية مجيئي الى هذه المهنة، لكنه الآن قل كثيراً! وهو إن وجد، فجدواه ضئيلة!. لافتة الى ان أصحاب المنازل باتوا ليس كالسابق ولا يحتسبون اجراً شهرياً مناسباً كالسابق، بل منهم من بدأ بالتعالي على العاملات في هذا المجال وترك الخيار لها، فإذا لم توافق على هذا المبلغ فإن هناك مئات غيرها يتمنين العمل بهذا الأجر، شاكية إلى أنها تحصل على راتب شهري قدره (300) ألف دينار وتعمل منذ الصباح الباكر حتى المساء، فيما تشير (أم سعاد) الى أنها تعمل مع بناتها في هذه المهنة منذ أن فقدت زوجها قبل ثمانية أعوام، مشيرة إلى أنها المهنة الوحيدة التي تجيدها بالرغم من كثرة مشاكلها، لافتة الى أن إحدى بناتها قبل عامين تعرضت لاعتداء، وقامت بتركها العمل خوفاً من الفضيحة، إلا أن سوء المعيشة جعلها تضطر الى الانتقال الى سكن أخر وإيجاد جماعة أخرى لعمل ابنتها معهم، لافتة إلى أنها لم تعد تستطيع السيطرة على بناتها كالسابق، فقد أصبحن بعد سنوات في هذا العمل جريئات جدا ومتمردات، مبدية خوفها من المستقبل.  لا قوانين تحمي وترى الناشطة بحقوق المرأة إيمان عزيز، أن العراق اليوم هو غير العراق سابقاً، والمجتمع، يختلف بمكوناته عن مجتمع التسعينيات بل وحتى الخمسينيات، ولم يعد هناك شيء قادر على إخفاء معالم العنف التي أصبحت تطول أغلب النساء وخاصة تلك المرأة التي تقف أمام أمرين أحدهما أشد مرارة من الآخر، مشيرة الى ان مشكلة عمالة المرأة في خدمة البيوت مشكلة لا حل لها سوى بضع كلمات تثني عليها بالصبر والتحمل، لافتة إلى أنه لا يوجد قانون يحمي المرأة من الاعتداءات التي تحصل عليها في عملها هذا، ناهيك عن أن قانون العمل لم يوفر حماية للمرأة جراء أصابتها أو تعويضها عن سنوات خدمتها، إضافة الى أننا الى اليوم لم نسمع بوجود جمعيات ومنظمات تعنى بقضية المرأة الخادمة، بالرغم من أنها مهنة في تزايد مستمر، نتيجة زيادة الأرامل والأيتام وقلة دعم الجهات المعنية وفرص العمل. وشرحت الناشطة إيمان عزيز الظروف السيئة التي تحيط بالمرأة العراقية، مشيرة الى أنها ستكون محطة لاستغلال الكثيرين عند امتهانها هذا العمل، لافتة الى أن اغلب العاملات في هذا المجال هن أميات وغير متعلمات ومنحدرات من عوائل فقيرة جدا واغلبها مفككة، مناشدة الجهات المعنية النظر في قضية المرأة التي تعمل في خدمة المنازل ووضع ق وانين لهن لحمايتهن من الانجرار الى مسارات غير محمودة.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2