تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


شيء من الواقع.. أم محمد الخياطة وأبناؤها الستة!


بغداد/ نرجس

حِينَ يمضغ الألم فَم الصمت الأَعزل، ينثر سنين العمر صبراً، بغواية من ضَوء الأمل.. ينَاشد جَسدها بانحناء الحزن في زاوية أحضانها المكسوة بجَمر متقّد... امرأَة تبلور الصبر الشفيع فِي ذَّاتها، يستَبِيح خيوط الظَلام ويجهش مَكنُون القَدر..


كانت الراحة في حياتها حشرجَة عَالقة فِي قمم الهموم، أَسيرة لأعناق الرزق، تفتش عَن ركن الأُمنيات لأبنائها الستة الذين أصبحوا الآن نورا لبَصرها الذي اجتثته شهية البُكاء والسَهر وهَي تُقاوم غفوة جسدها على (ماكينة الخياطة). تنسل الذكريات من عَقلها الغَائب، وتَحكي أم محمد عَن كلس الجِراح المثخنة بقسوة الدَّروب، بالقول: تَزوجت ولم يتجاوز عمري 16 عاماً وعشت مع زوجي وأنجبت منه ستة أبناء، زوجي كان مدمن خمر وكل خطوة يخطوها تحدو به إلى الوراء، كانت طَوِيلة معاناتي معه وأَزلِية، يتَأرجَح الإدمان فيه وفي مصير أبنائي ويتْرك الجوع يسلُكنا غائرا دون رحيل.. الجوع والحرمان أضمَرته بِصدري وأنا أتلو أيامي مع بعضها البعض، أبحث عن حلم مفقود وأوقَد لمَدَى الصبر نَارا حامِية.. أمضِي بِقَدم البحث عن خِلخَال عمل أرتديه مِن عوز أبنائي المُلقى عَلَى رَمِيم الأوهام.. لم أُجد أي عمل سوى خياطة الملابس، وقمت باستدانة ثمن الماكينة، وأحضرتها إلى منزلي وبدأت بتسديد ثمنها من خياطة ملابس الأطفال لنساء الحي... كَيفَ لِي أَن أبوح بهزيع تلك السنوات وأنا أجمع فتَات رَغِيف فِي مسافة عتْمَة تسقِطنِي تارة بضنك الحال فتتلكآ دروبي سُقما تارة أخرى.. الزوج غارق بخدر البقاء المرير، يطالبني بكل ما أحصل عليه من مال لينْتَشِي بمَا تبقَّى مِنْ رُفات الأمَل فِي سَطْوَته وجبروته. ثلاث إناث وثلاثة ذكور، وَحدهم قاسموني البؤس والمشقة، نَثرت فوق تقاطيع وجوههم مرآة الفجر القريب، أسُرع وجلة لاصطحابهم إلى مدارسهم، صغاراً هم بأجسادهم لكنهم كبار بتَكرار المسيِر والتحدي.. وَاجهت ثورة السياط لِأهتف بِصوت أبكم وأنا التي لم أكمل تعليمي وأقَاسمهم وَاجباتهم المدرسية، وأحثهم على المتابعة فتأتي إجاباتهم منسدلة فَوق شَفتيّ النَجاح فرحاً.. كلَّ مَساء تَنهمر سَبائك صبري في قوالِب الانتظار، أنتظر باكراً لِيكبروا ويتجاوزا تَصَدعات الجِهَات المَفْقودة. مَا أسرع اللّحظات المريرة وهي تخترق الذاكرة وتنقش عليها بصمة لا تمحوها موجات الفرار، فعلى صهوة أحد الأيام تَناقض الأمل وتعسر الحال الذي شدّني على حَواف الوقت وأضْحَى عملي لا يسد رمق الجوع والعوز، واختنق الصبر في مساحات المشكلات، وكبر أبنائي وتمزّقت أغطية التعب وتساقطت كُتل احتياجاتهم في كُل زاوية تضج بضياع بوصلتي.. ما عساي فعله لنفض لوْن  الانْكسار حِين يحنّطه اليأس، فاقترح علي أبني الذي يبلغ من العمر في وقتها ثلاثة عشر عاماً أن يعمل ويدرس في آن واحد،ليفزع الحسرة المُراقة عَلى وجوه أشقائه. تِلك الأماني.. أثقلتني ظمأً في مهج دروبهم الطويلة وأنا أهمس بوجعي المرير وحدي.. هل علّي أن أزج بولدي ليتحمل مصيرنا ووالده توسد سكة الضياع بلذة كؤوس الخمر.. تركته يعمل في ترميم الدور ووجعي يَعْبَث بقِشور أجَل مخلبه يُرهِق العُمُر ضَائِعاً.. في صَمْتيَ كنُت  ألملم شتاتي وأمضي أمُازح القدر وأنا أراهم يكبرون أمامي، ويكبرون ويتخرجون من الجامعات لتكون الفتيات إحداهن مدرسة والثانية محللة كيمائية والثالثة موظفة ويكون الأبناء أكبرهم مهندساً والثاني مدرس لغة عربية والثالث موظفاً، أولادي هاجروا بعد عام 2003 والبنات تزوجن وبقيت وحدي بعد أن توفي زوجي على أثر مرض عضال، بقيت أنتظرهم وهم يكبرون، وتركت العمل كخياطة، فلم أعد بحاجة إليه فأبنائي عوضوني كل معاناتي.. وَفَوقَ نوافذ العمر التي بقيت تطاير غَبش الصبر وآخرٌ مَا زالَ مُلتَصِقَا بملامح البعيدين عني، مِنْ أيْنَ لِي بالصبر أكثر حَتى أرى أحفادي؟!



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2