تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


سلالة بابل الأولى (2000 ق.م).. ناحية الإمام


حميد المطبعي ورحلت إلى مدينة الإمام من الغرب، في طريق ريفي يمتد ابتداءً من المحاويل، ويقدر طولهُ بنحو (30) كم، وكان الطريق موحشاً، فقد قدر لهذه المدينة أن تنفلق على نفسها جغرافيا، إذ هي لا تتصل بأي منفذ من منافذ المحافظات الأخرى، وقد أثــّر هذا على تاريخها، فلم تذكرها المصادر إلا بإشارات عابرة جاءت عن طريق السماع.


ونسب اسمها إلى الإمام محمد بن الحسين (حيث يوجد له مرقد مقدس عند الأهالي) ويرجع نسب هذا الإمام إلى علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ع)، وكان على ما تذهب إليه الروايات، نقيب الطالبين في العصر العباسي الأخير، لكن المدينة موجودة قبل وجود مرقد الإمام محمد، وكانت تسكنها قبائل عربية، أهمها قبيلة ربيعة وزبيد والسادة الأعرجيون، وهؤلاء كانوا يشكـّلون قرية زراعية كبيرة،ذكرتها أخبار القرن الرابع للهجرة، بأنها مركز تجمّع زراعي، وسوق اقتصادية مهمة، وكانت الإمام، تتبع إلى (ولاية الحلة) في العهد العثماني، وفي العهد الملكي ألحقت بناحية المحاويل، وفي عام 1969 تدرجت القرية إلى ناحية وهناك من يردد رواية أخرى إذ يقولون أن مؤسس المدينة الحقيقي، هو (سبع بن دارج)، وكان والده قاضي المدينة المنورة، وبسبب خلافات بينه وبين أولاد عمــّه بني العبــّاس، فقد هاجر من المدينة المنورة، إلى هذه المنطقة النائية، واختفى ذكره، وقد ثبت لديّ من خلال قراءتي الخرائط البابلية، التي تؤكد وجود عمارة (انقرضت الآن) وبقيت أنقاضها تعيش في أحشاء مدينة الإمام، أي في أحشاء التل الآثاري القائم في المدينة.. والذي عرف بتل (أبو ضباع) وهذا التل، كما تنبئنا الوثائق البابلية، ينتمي بالضبط إلى سلالة بابل الأولى (2000 ق.م).. وربما كانت البعثة الآثارية التي نقبت بالقرب من هذا التل في أواخر الثلاثينات، تعرف شيئا عن تواريخ هذه الأرض التي قام عليها تل (أبو ضباع)، لكنها (حرصت) على أن لا تذيع هذا الشيء، لأسباب تتعلق بسرية التنقيب أو بسرّية وفادتها.  * صناعة الحصران والعباءة الرجالية . وتشتهر الناحية بزراعة البساتين (لخصوبة التربة فيها) ولاسيما بساتين النخيل والحمضيات والفواكه الصيفية، وتشكل هذه البساتين نسبة كبيرة من المساحة الزراعية للناحية، وكذلك تشتهر بزراعة الذرة الصفراء والحنطة والشعير، ومحصولها الزراعي يسد حاجة الناحية و يصدّر قسم منه إلى بغداد والمدن القريبة إلى الناحية، كما تصدر التمور إلى مراكز التسويق، وكذلك الحمضيات إلى المحافظات القريبة من الناحية.. وكان في الناحية حرفيون يعتمدون على الزراعة في صناعة (الحصران) الجميلة وفرش الحلفاء المنزلية، وقد اندثرت هذه الصناعة الشعبية تدريجيا، كما كان حرفيون آخرون يشتهرون (في صناعة العباءة الرجالية) والبسط الملــوّنة و السجاد اليدوي وأقفاص الطيور وهي أيضا اندثرت، واندثر معها المأثور الشعبي الخاص بها.  المراقد الدينية تنحصر الأدلة الشاهدة على الموقع الآثارية والتاريخية بالمراقد الدينية، وهي ثلاثة بارزة في المدينة، الأول: مرقد الإمام محمد بن الحسن، ويقع في مركز الناحية ومنه جاءت تسمية المدينة، ويقوم المرقد على بناية تعلوها قبة مغطاة بالكاشي الكربلائي الأزرق، وعلى جدران المرقد زين الفنان الإسلامي بالخط الكوفي والنسخ والرقعة، آيات وصورا ً كتابية أخرى، وقد ألحقت بالمرقد قاعة جديدة خصصت للمناسبات الاجتماعية، وهناك (صحن) كبير في المرقد، محاط بسياج يبلغ ارتفاعه ثلاثة أمتار، ومساحة المرقد الكلية تبلغ (3500 م2) وفي داخل الصحن بئر ماء يرجع تاريخها إلى (300) سنة، وقد استخدمت في السابق لري البساتين القريبة من المرقد في موسم الجفاف، 2- مرقد الإمام علي بن الحسين ويقع في قرية الصباغية ويؤمه الزوار في المناسبات الدينية، ويحتوي على أواوين تعلوها قبة كبيرة مزينة بالخطوط العربية الجميلة، وفي المرقد بئر ترجع إلى مئة سنة، ومساحة المرقد الكلية (5000م2) 3- مرقد الإمام سيد شبيب، ويقع المرقد في الصباغية ويجري العمل على تجديد بنائه.  أسماء التلول أذكر أني عندما تعبت من السرى بين أقبية الملوك و مراقد الأولياء، ذهبت أقضي استراحتي في خيمة، نصبها المهندسون بين آثار بابل العاصمة، وبعد قراءتي آخر مكتشفات الآثاريين في تل يقع بالقرب من زقورة بابل الآثارية التي لم تبق منها إلا قاعدتها الغاطسة في المياه الجوفية، كنت قد قدمت اقتراحا إلى عدد من مهندسي الآثار الذي جلسوا في الخيمة، حول (واجب) تغيير أسماء التلول الآثارية وتبديلها بأسماء تجســّد رموز الحضارة العراقية وتاريخ هذه الحضارة، وكنت قد أوردت لهم زهاء (40) اسما من الحيوانات، تطلق على تلول تقع ضمن مسؤوليتهم في محافظة بابل،.. ولم يعلـّق أحد منهم على هذا الاقتراح، بل كان أكثرهم يستغربون من وجود هذه التلال وهل هي موجودة فعلا في هذه المحافظة، وإذا بدر أن أحداً منهم يعرف شيئا من تلول الآثار في القرى، فهو يعرف خمسة من مئة تل، فرضت عليه شهرتها أن يعرفها، أو ربما كان أحد المنقبين فيها، أو مرافقا لمدير البعثة المنقبة فيها، وقد قال واحد منهم، وما ضير هذه الأسماء الحيوانية؟! تصور أن ملكا من العصر السومري أنجز بناء أول مدينة في التاريخ، وبمرور القرون تصبح مدينته أثرا ً أو مجموعة آثار، فتغطيها الطبيعة بالتلول، ثم يأتي الآثاري فيضع على تل ذلك المكان اسم حيوان كأن يكون (بزون) أو (جربوع) بدلاً من أن يضع اسما يرمز إلى شيء عظيم، كأن يكون على سبيل المثال: (تل الملك كذا...) أو (من بقايا مدينة سبار كذا...)! وتصور أن نبوخذ نصر قد أنشأ معبدا ً قريبا ً من المحاويل الحالية، وحينما باد المعبد وآلت أشكاله إلى باطن الأرض بفعل قوانين قاهرة، يأتي الآثاري بعد قرون فيشتق لهُ اسما ً، ويضعهُ على التل الذي يحتويه، من أسماء الحشرات، كأن يكون اسم (برغوث) أو اسم (جرادة) ناسيا ً أن التاريخ مهما كان بعيدا ً عنا فهو مقدّس! وتصور أن هارون الرشيد أو المأمون أو غيرهما من خلفاء العباسيين، كانوا قد بنوا مدرسة للعلم، في منهج جديد للعلم، ثم جاء غزاة، عبر التاريخ، وهدموا المدرسة وصارت ركاماً أشبه بتل أو هضبة صغيرة، ثم يأتي الآثاري ويكتب على هذه الهضبة اسماً من أسماء الأمراض (الجدري مثلاً) أو من أسماء الدواب كالحية أو الواوي مثلا، حتى أن ثمة تلالا ً آثارية (بعضها كان مدرسة في علم الآثار) أطلق عليها الآثاريون بعض أسماء (البراز) الحيواني، (كالروث و السرجين أو...) وقد يحتج الآثاري  ويقول لك، أن اسما كالأسماء التي ذكرتها، هي أسماء محلية أخذت من القرى التي اكتشفت فيها هذه التلول الآثارية، نعم هذا صحيح، لكن هل يندفع الآثاري وراء أقوال بعض أهل القرى (وهم بعيدون عن علم الآثار) ويرسم الخارطة ويزخرفها بأسماء تعين عظمة قادة التاريخ.  النيل وكانت على جانبي الطريق من المحاويل إلى جسر النيل، تنتشر أشرطة ترابية متموجة، وبعضها قد نبت فيها النخل و جذور الحلفاء تمتد بين هذه الأشرطة، وكنت أشاهد كسر الطابوق الأحمر الهشة مترامية في حفر المياه الجوفية وقد فقدت قوتها وفقدت معها إمضاءات (نبوخذ نصر)، فكثير من قطع الطابوق التي شاهدتها في الغرائب والتلول المنقبة كانت تحمل مثل هذه الإمضاءات، ويظهر أن نبوخذ نصر كان قد أمر عماله بحفر اسمه على كل طابوقة تشيد بها أبنية مدنه الأثيرة عنده، وكان يفعل ذلك لأمرين في اعتقادي، الأول، وقد أفاد من تجربة سلفه (حمورابي) الذي اكتفى بأن يسجل تأريخه على مساحة ضيقة من المشاهد التاريخية، ولم يتصور أن بعض قوانين التاريخ المفاجئة قد تأتي على هذه المشاهد فتبيدها وتترك تأريخه بلا أدلة، ويعاني علماء الآثار وجود هذه (الحلقة الفارغة) في تاريخ حمورابي، والأمر الثاني، في أن نبوخذ نصر أخذ ينشر تأريخه في كلّ جزء من أجزاء معمار المدن والسدود ومفارق الطرق، منطلقا ً من (اعتقاد شرقي) قديم، يذهب إلى أن تاريخ أي ملك عظيم هو تاريخ قومه وشعبه، ثم هو خلاصة لمعتقداته، وكان في بداية حكمه يأخذ بتوصية كبار كهنة مردوخ، وهؤلاء (اعتقدوا) بالخلود أو بفكرة الخلود اعتقادا ماديا، فكلما كثرت الأبنية، امتد زمن الملوك، وكلما استفادت الرعية من هذه الأبنية، اطمأنّ الإله مردوخ على أعمال الملوك، بل تجلـّت قدرة إلههم القومي على الأرض، وقد أفدنا نحن من هذا الاعتقاد الشرقي التاريخي، إذ لولا هذه الكتابات التي أمضاها نبوخذ نصر بالخط المسماري البابلي على ملايين الطابوق، لكان تاريخنا قد اندثر، ولكنـّا معرضين إلى الذوبان في فراغ التاريخ، كما حال بعض الأمم التي تعاني عقدة الفراغ من عدم وجود آثار وكتابات آثار عن سلالتها القديمة. وحينما بدت مشاهد بابل الآثارية على مسافة قريبة، توقفت بالقرب من نهر النيل، وكان يأخذ مياهه من نهر الفرات القديم، وبعد إقامة (سدة الهندية 1913) صار فرعا من شط الحلة و ربما كان هذا النهر يبتعد عن مجراه الحالي قليلا لوجود آثار جدول مندرس في جهة نهر النيل الشرقية، وخيل لي أن موقع نهر النيل كان عقدة مواصلا لطريقين يأتي الزائر بواسطتهما إلى مدينة بابل في عهد نبوخذ نصر، يبدأ الأول (وكان يسمــّى الطريق الملكي، حيث يعتقد أن الملكة سميراميس هي التي أمرت بإنشائه) من مدينة سوسة في جهة عيلام ثم يمر على الجانب الشرقي من (قرية بغداد) بمحاذاة نهر دجلة، ويجتاز مدينة كوثا البابلية ( ناحية المشروع) ويستمر حتى يمر بالقرب من أسوار بابل الخارجية، وهنا من نقطة على نهر النيل يبدأ الطريق يتجه إلى مدينة (كيش) ثم (النيليات) ونفر وأريدو والعبيد حيث مملكة سومر، وكان طوله بحدود (2400 كم) و يسمى (طريق الشرق) أي أن السومري العراقي إذا رغب بزيارة بابل، فيسلك إليها عن هذا الطريق الرئيس، أما الطريق الثاني الذي كان يسافر عليه الآشوريون والأكديون، فهو الطريق الشمالي الذي يبدأ من غرب بغداد مارّا بمدينة (سبار) اليوسفية حالياً وعلى امتداد نهر الفرات حتى يدخل الزائر موقع نهر النيل حيث تظلله أسوار بابل الخارجية أو ظلال قصر نبوخذ نصر الصيفي الذي يقع في الزاوية الشمالية لمدينة بابل الآثارية. وتقع على نهر النيل قصبة صغيرة باسم النيل على شمال مدينة الحلة بمسافة 15 كم، وكانت في ما مضى ناحية تابعة إلى قضاء المحاويل ويقال في رواية (بلا سند آثاري) أن النهر كان قد أمر بحفره الحجاج بن يوسف الثقفي، ومهما كان من أمر هذه الرواية، فإن اسم النيل كان أقدم بكثير من حوادث القرون الهجرية الأربعة، فعلى الشرق منه كانت تقع مدينة (النيليات) البابلية على مسافة من مدينة كيش الآثارية، ومن النيليات جاء اسم نهر النيل،وعلى أرض هذا النهر كان يسكن المزيديون (سيف الدولة صدقة بن منصور بن دبيس بن علي بن مزيد الأسدي) وهو الذي أسس مدينة الحلة (495 هــ -1101م).. والثابت أنه من خلال تل (أبو سديرة) الآثاري وتل (البرغوثيات) و(خزنة) نستدل على قدم موقع نهر النيل، وهذه التلول منبثة حول هذا الموقع، ويرجع تاريخ السكن فيها إلى (جمدة نصر) وفجر السلالات ثم العصر البابلي والآشوريو وهكذا.. ظل الناس هنا في موقع النيل يحافظون على تراث البابليين أو تراث بني دبيس، بكفاحهم في الزرع والحفاظ على أرضهم بالدفاع عن قيمها المتوارثة ضد الغزاة، فتراهم كانوا يقفون مع جماهير الفرات الأوسط في ثورة العشرين ونسفهم سكة الحديد وإيقاف شر الانكليز، ثم إعادة الكرّة مع الانكليز في ثورة مايس 1941.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2