تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


أحلام السيدة « عراق «


كنت أستمع الى صوتها العذب كأجمل موسيقى إلهية تتسلل بهدوء الى الروح فتجد لها مكاناً ما بين القلب والقلب ولا فاصل بينهما، سيدة العراق، أمرأة الوهلة اللامنتهية، لثغة الطفولة البريئة، دفق اللمسة العذبة، خطوة الأمس والغد والذهول الجميل، لوعة الالتفاتة الغارقة في سطوة الملكوت، إنسانة العذاب الأبدي، امرأة العراق التي تحمل صفات، الأم، الأخت، الابنة، الحبيبة، الزوجة. والتي تعيش استبدال هذه الصفات منذ سنوات وسنوات لتصبح الارملة، الثكلى، اليتيمة، الحزينة، المنكسرة، الصابرة، الزاهدة، المنتظرة لانفراج باب السماء ليدخل دعاؤها المرهق فوق شفتيها منذ كدس السنوات الصعبة.


السيدة « عراق « أضاعت أنوثتها يوم حملت صخرة سيزيف فوق ظهرها بعد أن تهدلت عن كتف السيد « عراق « وغيّبته القبور والمنافي والملاجئ والازمات ورحلة اللاعودة. السيدة « عراق « أخفت جرحها، ضمدته بأهدابها، وداوته برضابها وحملته داخل صدرها وهي تخنق آهة العنوسة التي لفظتها إليها حروب الرجل الذي أضاع خطوته في زحام الطموح اللامشروع. السيدة « عراق « خّبأت مشاعرها، وأسدلت الستار على أحلامها، وضاع فارسها الذي رفسته الجياد المتعبة وأسقطته في حفر الباطن، ورأس البيشة وزين القوس وسيف سعد والكويت وحلبجة وشط العرب والخفجي ومخيم رفحا والأهوار ومقبرة النجف والكرخ و الشيخ معروف والغزالي ومحمد السكران، وسجدت لله طويلا وصامت وتوجّهت للدعاء بقلب ظامىء للرحمة وهي تهدج بأمنية أن يكون قد تلاقفته المنافي بدل السجون، واحتوته المدن البعيدة بدل طلقة الرجل الذي شنق نفسه وشعبه آلاف المرات قرباناً لرغبات الأنا والجبروت. السيدة « عراق « ها هي هنا، متكوّرة على نفسها وهي تقف بطوابير « الرحمة « لتحصل على راتب لا تبتزها فيه مشاريع استغلال تكوّرها على جسد لم تعد تعرف لمن ينتمي جيداً!! السيدة الحزينة، التي يلفّها السواد حتى وإن ارتدت أبهى الألوان، لم تعد تعرف لماذا يضحكون، ولمن تعود كلمة الأمل، وهل الابتسامة قيد لابد من أن ترسمها على وجهها لتشكر من يهبها « منة « شهرية لا تكفيها لتديم عوز الروح والعقل والجسد وحفظ الكرامة. السيدة المتعبة، وهي تخبّ بقدمين من حديد فوق إسفلت الأمنيات التي تدحرجت بعيداً عنها وغامت فوق ضباب الأنوات المبثوثة حولها هنا وهناك، لم تعد هذه المرهقة بحاجة لمن يربت على جراحاتها بعد أن أدمنت التعايش الغريب فيها، وغاصت علاقتهما لتبدو وكأنها ألعوبة بيد من يقبل ويرفض ويوجه ويتداعى ويتماهى ويستلب ذائقتها الدفينة فيها، ولا يستدير ليرى ما خلفه من أوجاع تنز جراحاتها فوق جسدها الذي تناسته بإرادتها. السيدة الحلم البعيد القريب، صدقت نفسها بأنها كانت وستبقى حلماً في أذهان من غيّبتهم الأرض واستضافتهم السماء، وهم يلوحون لملامحها التي ستبقى بهية دوما شاءت السنوات أم أبت، فتلك لم تعد مشكلتها. السيدة التي تناغمت طفولتها مع اليتم، وشبابها مع الفقدان ونضجها مع الترمل وشيخوختها مع الثكل، كنت أستمع الى صوتها السماوي وهي تروي لي قصة الخليقة السومرية منذ غاصت عشتار في باطن الارض بحثاً عن تموز الذي افتدته بكل ما تملك في كل طبقة من الطبقات السبع التي مرت بها، وها هو قدر السيدة « عراق « ان تستمر بذلك الفداء بحثاً عن تموز الذي لا ندري إن كان قد مات أم ترى انه ما زال يطلب من عشتار مزيداً من الفداء المتجدد؟! ترى أستجد السيدة « عراق « ما تفدي به إكمال مسيرتها بأكثر مما فعلت؟!



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2