تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


العلاقات العاطفية وآخر صيحات الموضة هما ما يبحث عنهما طلبة الجامعات.. والشاطر يلقب بـ(المعقد)


في الأربعينات من القرن الماضي، كان عدد الطلبة الجامعيين يعد بالعشرات، أما عدد الطالبات فلم يكن يتجاوز الأربعة في عام 1946 عندما فتحت كلية البنات أو(كلية الملكة عالية) كما كنت تسمى آنذاك أبوابها لاستقبال النساء. ، وقبل تأسيس جامعة بغداد في عام 1956، كانت هنالك كليات قليلة مثل كلية الطب والقانون ودار المعلمين العالية التي تحولت الى كلية التربية في ما بعد. وكان ارتياد الكلية يعد امتيازاً لا يتمتع به إلاّ أولاد الطبقة الراقية. ومع تقدم البلد، انتشرت الجامعات في كل محافظات القطر تقريبا، وضمت الآلاف من أبناء العراق ومن كل الشرائح. ومع ذلك، غاب دور الطالب الجامعي عن الساحة السياسية والاجتماعية وأصبح مهمشاً، فأين يكمن الخلل في ذلك، في نظام التعليم أم في الحكومات المتعاقبة أم في الطالب نفسه؟


بشرى الهلالي

 يقول (علاء عبد الرزاق)، خريج كلية التربية في عام 1974: كان الطالب آنذاك يحظى باحترام الحكومة والناس لأنه كان طرفا في القرار، وطلبة ذاك الزمان كانوا يختلفون عن طلبة الوقت الحاضر، فمشاركتهم في القرار وتأثيرهم على الشارع كان متأتيا من اهتمامهم بالثقافة والسياسة والأدب، فهم الشريحة المثقفة والواعية التي تحلل وتفهم مجريات الأمور، وكانوا لا يتوانون عن الخروج في تظاهرات والاعتراض ضد أي قرار سياسي لا يتلاءم ومصلحة البلد، فقد أقام طلبة إعدادية الغربية الدنيا وأقعدوها في الستينات بسبب زيادة سعر البنزين آنذاك، وكان أغلب أعضاء الأحزاب آنذاك من الطلبة، أما الآن فتجد الطالب مسلوب الإرادة ضعيفا يفتقر الى الثقافة والمعرفة بالسياسة وغيرها وكل ما يهمه عند ارتياده الجامعة هو العلاقات العاطفية ومتابعة آخر صيحات الموضة. ويضيف قائلاً: لا نريد أن نظلم الطلبة، فالخلل ليس آنياً، بل إنه نتيجة العديد من التغيرات والأحداث السياسية التي حجمت دور الطالب وأبعدته عن المساهمة في صنع القرار ولاسيما في زمن النظام السابق حين قام جلاوزة النظام السابق بتصفية الجامعات من كل العقول الخيرة من أساتذة وطلبة تحت حجج ومسميات مختلفة فحولت الجامعة تدريجيا الى مكان للدراسة فقط وصارت الثقافة (شبهة) وسبباً في ضياع مستقبل صاحبها، كما إن هجرة الآلاف من العقول خلال السنوات الماضية أدت الى تكريس نسبة الجهل في المجتمع ولم تعد الثقافة مهمة بالنسبة الى الطالب أو غيره. أما التدريسية (لطيفة الجبوري) فتلقي اللوم على المناهج التي لم يتم تطويرها أو استحداث غيرها منذ عشرات السنين، بل تخلفت كثيراً عن اللحاق بركب التطور الثقافي والحضاري في العالم، وتضيف: كانت المناهج سابقا مكثفة والدراسة أكثر جدية والأساتذة القائمون على التدريس في الجامعة أكثر وعيا وثقافة ولا يسمح لهم بالتدريس الا بعد نيلهم شهادات عالية وأغلبهم كان ينالها من جامعات عالمية موثوقة، وعادة كانت الدولة ترسل المتفوقين من الطلبة لنيل هذه الشهادات، وبعد إن حجبت البعثات بسبب الحروب وفتحت الدراسات العليا لكل من هب ودب، انخفض مستوى أداء الأساتذة، وحتى من يمتلك منهم مستوى عالياً في مجال اختصاصه، تجده لا يهتم سوى بهذا الجانب، بينما يقل اهتمامه بالجوانب الثقافية والسياسية، ربما بسبب خوفه من العواقب التي كانت شديدة ولا ترحم أحدا أيام النظام السابق ومنع أغلبهم من السفر خشية لجوئهم الى الدول الأجنبية، فعاشوا في عزلة فركزوا اهتمامهم في الدراسة فقط. وعن سؤالها بشأن مستوى الطلبة في الوقت الحاضر تقول الست لطيفة ضاحكة: لا يمكن تخيله، فأنا كوني أدرس الشعر الانكليزي لطلبة المراحل المنتهية، أشعر بالإحباط وأحيانا بالغضب، فهم لا يفهمون ماذا يدرسون، ولا يعرفون اسم أي شاعر إنكليزي سواء من القدماء أو المعاصرين، وحتى اسم أي شاعر عراقي أو عربي، فعندما نضطر للاستشهاد بشاعر عراقي مثل السياب أو نازك الملائكة، يصمت الجميع تعبيرا عن جهلهم بمن نتحدث عنه، لذا بدلاً من التوسع في الموضوع، أصبح الأستاذ يركز في المادة فقط خشية حدوث التباس لدى الطلبة أو تشتيت معلوماتهم. وعن دور الأهل والبيئة في إعداد الطالب وتوجيه اهتماماته الثقافية بما يتلاءم ووضعه طالبا جامعيا وقائدا للشريحة الواعية قالت الدكتورة (سوسن السامر)- رئيسة قسم اللغة الانكليزية “المشكلة تبدأ قبل دخول الطالب الى الجامعة، فالأجيال التي تتوافد إلينا تفتقر تماما الى المعرفة، ولهذا فاللوم لا يلقى على الجامعات فقط بل على عائلة الطالب والمجتمع، فعندما أجرينا اختباراً للمتقدمين لقسم اللغة الانكليزية اكتشفنا ان معظم المتقدمين لا يعرفون شكسبير ولا يفرقون بين الأدب وغيره، والحقيقة إن السبب هو الجهل الذي أصاب المجتمع العراقي ككل، ولاسيما في الثمانينات والتسعينات وما بعدها، فالأب الذي لا يملك معرفة وثقافة لن يستطيع توجيه اهتمام أولاده اليها طبعا، وإصراره على ارتياد أولاده الجامعة يكون لأجل الحصول على شهادة ووظيفة فقط. وتضيف الدكتورة سوسن بحرص بالغ وقلق: المشكلة تعدت طلبة البكالوريوس لتشمل طلبة الدراسات العليا، وهنا يكمن الخطر، فقد صار المعدل مقياس القبول في الدراسات العليا، علاوة على القبول اعتماداً على الانتماء الحزبي والقرابة والوساطة سواء في زمن النظام السابق او حاليا، لذا نصطدم اليوم بانتشار الجهل حتى بين أساتذة الجامعات الذين لا يجيدون كتابة بحوث الترقية مثلا، بل إن إحدى الطالبات المتفوقات اجتازت السنة التحضيرية في الماجستير بنجاح وفشلت في كتابة الرسالة لأنها لا تعرف كيف تكتب مقالاً، وهذا يعود الى طرق التدريس في الدراسة الابتدائية والمتوسطة والإعدادية التي يقودها أجيال من معلمين ومدرسين محدودي الأفق، فيقومون بتعويد الطالب على (الدرخ) أي حفظ المواد عن ظهر قلب بدون فهم، وهكذا نشأت أجيال من الروبوتات. وكان لطلبة الجيل الجديد رأي في كل ما قيل، حيث علق الطالب (لؤي ظافر) قائلا: الخلل ليس فينا نحن الطلبة فقط، بل في كل شيء حولنا، لقد نشأنا في ظل بلد مليء بالحروب والمشكلات الاقتصادية والسياسية والخوف من التعبير عن الرأي، وحتى بعد تغيير النظام وقدوم الديمقراطية الجديدة، لم تطبق هذه الديمقراطية في الجامعات، بل مازال الطالب الجامعي يعامل كطالب الابتدائية فيسأل عن الغياب والحضور ويؤنب من قبل الأستاذ، وليس هنالك نشاطات ثقافية في الجامعة إلا تلك التي تتعلق بالمناسبات الدينية والسياسية، إضافة الى قلة اهتمام المجتمع بالقراءة وانتشار ثقافة النت، حتى إن الطالب المثقف أصبح مثاراً لسخرية زملائه ويطلق عليه لقب (المعقد)، وأظن إن تأهيل الطالب الجامعي ثقافياً وفكرياً يجب أن يتم ضمن تأهيل المجتمع ككل. ..اتسعت الصورة لتشمل المجتمع والنظام السياسي والاجتماعي ككل، وهذا ما يجعل الخطر أكبر، فالطالب الجامعي هو قائد المجتمع الذي سيتخرج من الجامعة ليقود أجيالاً أو مؤسسات، فكيف يمكن للمجتمع والبلد أن يتقدم عندما يكون القائد جاهلاً!



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2