تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


التضمين الانقلابي والمغايرة الدلالية قراءة إجرائية في نص (للأنثى مثل حظ قمرين) للشاعرة (مرام إسلامبو


ينهض نص (للأنثى مثل حظ قمرين) للشاعرة (مرام إسلامبولي) على عنوان حساس يأخذ حساسيته من خلال المغايرة الدلالية التي نُفِّذتْ بقصدية عن طريق التضمين المخصوص والمقصود الذي انبنى النص في ضوئه، وأرى في هذا التضمين إمكانية تسميته بـ(التضمين الانقلابي) إذ يظهر جلياً الاتكاء على النص القرآني الكريم (للذكر مثل حظ الأنثيين).. فهو انقلابي- أي التضمين- إذ اعتمد على النسق الكريم في بناء نسقهِ ولكنه انقلب دلالياً لصالح الدال المحوري وهو هنا (الأنثى) والذي يتخذه النص هويةً لبثِّهِ الشعري المعترض.


بعد هذا العنوان تقدم الشاعرة استهلالاً مضغوطاً بواسطة السطرين، حيث كررت العنوان في السطر الأول: للأنثى مثل حظ قمرين وفي ذلك دلالة تعمل على تأكيد مدى حساسية، وقصدية العنوان، أما السطر الشعري الثاني فقد قدمت من خلاله (مرام) حجتها على هذا التوزيع (للأنثى مثل حظ قمرين)، إذ تقول: وتشهد البراري... وفي هذه الحجة، التي تستند إلى شاهد لا يمكن أن يُستجوب إلا في محاكمة شعريةٍ، نجد تكثيفاً دلالياً حاداً يستدعي تمثُّلاً للحياة داخل واقعها المتخيَّل، أي محاولة رسم مجالٍ سيريٍّ لحركة هذا الدال المحوري (الأنثى) ضمن مجاله هذا (البراري)، إذ عن طريق تصوُّرنا لحساسية هذا المكان يمكننا أن نتهجى (حظ الأنثى) هذا، فالبراري مسرحٌ مُعَدٌّ: للحرب، للعشق، للخوف، للموت.. الخ، وتقف الأنثى محرِّكاً فاعلاً في كل ذلك، فهي التي تزوِّد الحرب بجنودها والضحايا، وهي الطرف اللازم للعشق، والطرف المسبب للخوف والطرف الملائم للموت.. الخ. تقدِّم (مرام) تحرُّكها- بوصفها أنموذجاً لهذا الدال المحوري- داخل هذا المجال، إذ تقول: ناعستُ بالعشب أطراف النسيم، شددتُ البحر من موجةٍ، في القلب قطرت نجمةً نجمة.. وهنا نلاحظ أن هذا التحرُّك قائم على خصوصيةٍ مُشَكَّلةٍ من آلية التحرُّك (ناعستُ، شددت، قطرت) ومن نوعية المُحَرَّك (أطراف النسيم، البحر، القلب) لإنتاج حركةٍ بالغةٍ في الدقة، إذ تتخذ من المجال (البراري) مسرحاً لها، حيث تظهر كل من الحركة الأولى والثالثة بوضوح على خشبة هذا المسرح، إذ- كما يريد أن يخبرنا نص مرام- من خلال (الأنثى) نستدل على حركة النسيم عن طريق مناعستهِ للعشب وهذه الحركة الأولى، وبوساطتها-الأنثى- تنفتح (البراري) لتقطر في قلب العاشق نجومها وهذه الحركة الثالثة، في حين بقيت الحركة الثانية حركةً غير معلنةٍ عُبِّر عنها عن طريق الإيقاع البصري المتمثِّل بـ(النقطتين المتواليتين الدالتين على الانفتاح، وكذلك بـ(الفارزة الدالة على التواصل) وقد عُبِّر عن هذه الحركة بهذه الطريقة لأنها حركة لا تنتمي إلى هذا المجال (البراري) ولكنها تريد أن تشعرنا، من خلال انفتاحها وتواصلها، بسيطرتها على المكان. بعد ذلك يأتي الاستدراك الذي يشكِّل نسقه في ضوء طبيعة الاعتراض الشعري الذي نفَّذته (مرام) من خلال كل من العنوان والاستهلال، إذ تقول في هذا الاستدراك: لكنْ.. مشبوح جناح الغيم بأخيلة تهوي في المرايا، واللون يكبرني بكثير من الأبيض.. وفي هذه الـ (لكنْ..) بصورتها هذه : (مسكنة ومتبوعة بلفظة الانفتاح البصرية (النقطتين) ترتسم في بال القراءة صورة ذهنية عن حجم التسكيت والتغييب لأي اعتراض أو فهم مغاير لهذا التوزيع (مثل حظ ...) وهذا الحجم يتبدى من خلال أدوات التغييب فهي أدوات شبحية تدار بواسطة أخيلةٍ، ويأخذ هذا الحجم صورة أوسع حين يكون عمر (الأنثى) أصغر (بكثير) من (الأبيض) وهو عمرها، إذ هنا إشارة مكثفة تدل على أزلية ثقل هذا التغييب الذي أسكنها آية أخرى ! فآية النهار (الأبيض) مبصرة! بعد ذلك تقدم لنا (مرام) عرضاً شعرياً لسيرة هذا الدال المحوري: كالضوء، بالغبار الضرير أقيس مزاج المكانْ.. كالنهر- طريد النبع- أنهش دربي.. وفي هذا العرض المُشاد بصورتين تتقدم الدلالة عبر الصورة الأولى مرةً، فهي تمثل جهد الدال الذي يكشف المساحة المزاجية للمكان بواسطة الصيغة التي ترسمها ذرات الغبار المتطايرة على شاشة الضوء، وفي هذه الصيغة تجسيد فاعل لعناء الدال المحوري ويندفع التشييد أبعد في الصورة الثانية ومن خلال لفظة (أنهش) التي تعطي صورة مرئية لحركة الدال المتمثلة بصورة النهر المطارد. ثم تنفرط تداعيات الدال المحوري عبر سلسلة من الحاجات المنفَّذة بشعرية وافية ليؤكد أن له مثل حظ قمرين، إذ تقول (مرام): أحتاج دمعاً، فبالماء والملح تطول قامات الغرقى.. أحتاج أن أصدق أن الرماح ثقبت الريح ليعبر صوتي.. أن الحجر إن حكَّ ظله يدفن نفسه، وأن للأنثى مثل حظ قمرين. ومن الحاجات الأربع هذه يتشكل إطار الصورة المأساوية لهذا الدال المحوري وفق تصويرٍ شعريٍّ شفاف ينبئ عن سايكلوجية هذا الدال، حيث تصعد هذه الحاجات إلى صورة الدال بواسطة سلم يتركَّب من خطوات الدال المحوري نفسه في حيِّزه الوجودي، فالخطوة الأولى مثلت عناء هذا الدال وهو يمزج الماء بالدمع والملح ليقيس قامات الغرقى، أما الخطوة الثانية فقد صوَّرت أمنيته في تحقيق هذا التوزيع الشعري (مثل حظ قمرين) الذي يبشر به النص، إذ أن الدال في هذه الخطوة يعلن عن حاجته للتصديق بأن تحرُّكه ثُقب جدار التغييب وأن صوته وصل، في حين مثلت الخطوة الثالثة نوعية فعل هذا الدال من أجل تحقيق هذه الأمنية فهو فعل إشكالوي يقتضي من الفاعل دفن نفسه التي شكَّلها له هذا الواقع لكي يحقق خطوته الرابعة ويعلن أن للأنثى مثل حظ قمرين. وأخيراً تعلن مرام عن تحقق هذه الحاجة على مستوى النص، وذلك من خلال استهلالها الختامي الذي استنسخ صورة طبق الأصل من الاستهلال الافتتاحي، إذ تقول: للأنثى مثل حظ قمرين، وتشهد البراري.. هكذا تقدم الشاعرة (مرام اسلامبولي) تمثُّلاً واعياً لإشكالية تتعلق بالجانب القيمي لهذا الدال المحوري في النص والواقع Basha_aldokhe_(at)_yahoo.com شاعر وناقد وأكاديمي - العراق



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2