تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


زوجات المقاتلين.. بين صعوبات الحياة وشكوك الأزواج


كتابة وداد ابراهيم

كنت في الخامسة من عمري حين استيقظت على صراخ امي، وهي تتشاجر مع ابي العائد توا من جبهات القتال، ولشدة الضجيج لم استطع ان اتبين الحديث، بل شعرت بخوف كبير يجتاحني وان كنت كثيرا ما فزعت على أصواتهم من قبل، إلا أن هذه  المرة شعرت بان جسدي يرتعد، بعد السكون الذي ألبسني إياه الليل في نوم عميق. 


 خرجت من غرفتي لأتبين ما الذي يتحدث عنه ابي... غريب هذا الذي يتحدث به ابي عن الجنود ومعاناتهم في انتظار يوم الاجازة الشهرية، حيث يجدون زوجاتهم علي صفيح ساخن من الانتظار.

 وهو في حالة من الغليان والهيجان يستطرد حديثه بصوت عال قائلا: لا اجد عندك شوقا لي، وكأني كل يوم هنا، كيف تقضين الثلاثين يوما؟ الم يلم بك الشوق الي؟ الا تريدين.. من المؤكد ان هناك رجلا اخر في حياتك؟. فتجيبه امي: من المفروض تسألني كيف اتدبر حاجات البيت، وانت تأتي براتب الجندي وهو 28 دينارا فقط، الا تفكر كيف نأكل وانا معي ثلاثة اطفال؟ الا تفكر كيف نعيش بعد أن أغلقت محلك منذ سنوات وذهبت للحرب؟

ويشتد الاشتباك بينهم حتى الفجر أحيانا، وبعد ان يستيقظ كل من في البيت ،حتى ينتهي الشجار حين تترك امي فراشها وتذهب الى غرفة اشقائي لتنام هناك .ويتواصل في شجاره حتى ولو لم يرد عليه احد. كان ابي يأتي الى البيت شهريا في اجازة لمدة ثلاثة ايام، تفوح من ملابسه رائحة التراب والرمال والدخان والبارود، وحين يخلع ملابسه كان يقول لنا: منذ اسبوع او اكثر لم اخلع حذائي، ولم تنزل على رأسي قطرة ماء. ومن شدة الهجوم لا اعرف الليل من النهار، ننسى كل شيء ونضع امامنا الموت او الأسر او المجهول ويستطرد ابي قائلا: 

 هكذا هي الحروب، وهذا هو حال الجندي في الحرب وحين يكون هناك هجوم يستمر لايام، ان لم يكن لاسابيع .

فتأخذ امي ملابسه وتغسلها وحين يكون الجو ممطرا تبقى ملابسه  مبللة حتى انتهاء اجازته. وفي مرة اذكر انها طلبت له ملابس من الجيران. ليذهب بها الى جبهات القتال.لان عدم الذهاب بالنسبة له يعني الموت الحقيقي كما انه يخشى التأخير، كم من مرة حاولت امي ان تقنعه بان يتأخر عن الذهاب الى الحرب حتى ينجز لنا بعض مشاغل البيت، الا انه كان لايفكر في ذلك ابدا، ويؤنبها لذلك لانه كان رجل مستقيم انهى دراسته الجامعية بتفوق، الا انه لم يعمل في مؤسسات الدولة بل فتح له محل لتصليح الادوات الكهربائية. 

لا اعرف ما الذي حدث له. هكذا تحدثت امي واستطردت: لاشك ان الجنود الذين يتأخرون عن زيارة عوائلهم، او حين يعاقبون بإلغاء إجازاتهم الشهرية فيمضي اكثر من شهر دون ان يسمح لهم بزيارة ذويهم، هؤلاء صار عندهم شك بأن عوائلهم تقع في فخ الحاجة. وهذا ما حدث مع ابيكم (جمال)  بعد ان غاب  اكثر من شهر، جاء وهو معبئ بالشكوك والقلق وقد لمحت هذا في وجهه المكفهر،  وقد اشتد به الغضب.

أضحت علاقة ابي بأمي شجارا واشتباكا، وحديثه خلال ايام الاجازة عن قصص الجنود وعلاقاتهم مع النساء، وكان من هؤلاء الجندي (جبارة) فيحدثنا عن مغامراته مع جيرانه والتي يغيب زوجها عن البيت لاشهر فيكون له متسع من الوقت يقضيه معها. وحديث جبارة يجر الاخرين لحكايات وقصص عن مغامراتهم التي تبدأ مع بداية الليل ولا تنتهي  حتى نهايته، حكايات غريبة وأشبه بالخيال وفي نسيجها الكثير من الكذب، او قد تكون  مجرد تعبير عن الاحساس بالغيرة، من الاخر، ومع هذا فأن من بين هذه الأكاذيب هناك بعض الصدق.

 ويستطرد ابي حديثه (وهو يحرق علبة السكائر كلها، استجابة لاحتراق ما في نفسه) ويثير استغرابي!! كيف ان البعض يجد ان هذا الحديث ممتع ومتوق، واجد ان بعض الجنود يلح بالسؤال على جبارة في ان يتحدث بالمزيد، الا ان هذه الاحاديث كانت كما الخنجر تطعن في جسدي، وتخترقه فتصل الى قلبي فاترك الاحاديث واركن الى النوم واي نوم في العراء، وقد تكون إغفاءة صغيرة تعلن عن ان هجوم اهوج يترقبنا فننهض ونحن مثقلون باحاديث الحروب والنساء والموت.

كنت اجد ابي ثرثارا، الا انه في الحقيقة يتحدث عن كل ما سمعه فيصر على ان يكمل حديثه لنا فيقول: وهذا ما يجعلنا في حالة من الغليان والشك، وكأننا نعيش الاغتراب.. بعيدين عن عوائلنا وعن الحياة كلها، ونقترب من الموت، بين لحظة واخرى، بل نخاف من اللحظة القادمة، لاننا لانعرف من منا سيموت فيها، واحيانا تبقى هذه الحكايات تدق في اذهاننا كالناقوس فنتمنى الموت ونفضله على ان تكون بيوتنا قد استبيحت من قبل الاخر، بالاخص واننا نبتعد عن بيوتنا لاشهر فتعيش زوجاتنا في حاجه الى رجل في البيت لسد احتياجاتها، هذا الاحساس بالشك يكاد، يقتلني فحديث جبارة او كريم او عادل او غيرهم من الجنود،يثير في نفسي الشك، بل كانت احاديثهم تبعث الشك في نفوس كل من يستمع اليهم من الجنود. الغيض والغضب والقنوط داهمني كما يداهم الاخرين من الذين لهم زوجات واطفال، كنت اريد الهروب ليس من الحرب بل من هذه الحقيقة، واجد ان وجودنا في الجبهات، وعلى مشارف المدن وفي الحدود خطأ تاريخي وإنساني، ولكن كنت اخاف ان اقول هذه الحقيقة لأقرب اصدقائي من الجنود، خشية ان اتهم بالجبن والخيانة. اذن من يفهم هذا؟ من؟ .

يعود ابي من جبهات القتال كأنه مريض بمرض عصابي، فهو يستغرق ويتأمل طويلا، واحيانا لا يتكلم بشيء، واذا اراد ان يتحدث فأنه يعيد حكايات الجنود، والضباط، حكايات الفارين من الحرب، والذين تقطع لهم اذانهم، والهاربين عبر الحدود، والهاربين من انفسهم. 

 تذكرت علي ان اعطي البطاقة الغذائية  لجارنا جواد ليستبدلها، هكذا بادرت امي الحديث.... 

هذه الكلمات كانت كالزيت الساخن الذي سكب على رأس ابي فثارت ثائرته وصار يصرخ، كيف؟  ومتى؟ تكلمت مع جارنا ولماذا لم تقولي لي ذلك؟

فنهض من مكانه والشرار يتطاير من عينية وكأنه مجنون، وهو يواصل حديثه: هذا حدث امامي اذن ما الذي يحدث حين اغادر؟ كيف تجرأت على أن تطلبي من جارنا ذلك، وهو شاب وانت امرأة يغادر زوجها لايام؟ الا تعني له انك تريدين شيئا اخر منه ؟ 

لايمكنك ان تفكر هكذا بي وانا التي عاشت معك سنوات الم تعرفني جيدا؟ ام الذهاب للحرب والاستماع الى احاديث الجنود قد غير تفكيرك وجعلك تشك في شريكة عمرك. هكذا اجابت امي وحاولت الدفاع عن نفسها بهذه الكلمات التي لم تقنع ابي. 

هو مستمر بالحديث والصراخ، وكأنه لايريد ان يستمع لاي حديث غير حديثه حتى لايستمع الى ما يغير افكاره، الا ان امي حاولت ان تدافع عن نفسها وقالت له: 

انت في الجبهة ولاتعرف شيئا عن الكثير من تفاصيل حياتنا، كما انك لاتعرف، بأن موعد استبدال البطاقة على وشك ان ينتهي وهذا ما جعلني اطلب ذلك من  جارتنا ام جواد. هذه الكلمات لم تقنع ابي واستمر صراخه واشتباكه مع امي خلال ايام الاجازة التي امضاها معنا.

جارنا جواد في السابعة عشر من عمره يقضي وقته في تربيه الطيور، اشاهده صباحا وهو يلوح لطيوره بقطعه قماش، احيانا اسمع اطلاقات من بندقية صيد كان جواد يوجهها على القطط التي تهاجم طيوره، ولمحت امي تحدثه من على السطح وتسأله ان كان يستطيع استبدال البطاقة الغذائية فقال لها اعطيني اياها، فنزلت امي وتبعتها وكنت اراقبها وهي تأخذ البطاقة من محفظه الاوراق، وصعدت ثانية الى السطح.

جواد ما زال يلاعب طيوره فناولته امي البطاقة الغذائية، واكملت نشر الملابس.

 كانت هذه الواقعة قد حدثت بتوقيت دقيق مع قدوم، ابي من جبهات القتال وكان الطير دار من حوله وشد انتباهه فرفع  بصره الى الاعلى وشاهد امي وهي تتحدث مع جواد. ولان بيتنا في منطقة شعبية فالبيوت متلاحمة متلاصقة لا تعلو كثيرا عن الشارع فيستطيع المار في الشارع ان يشاهد من يكون في السطح .

دخل البيت وهو في حاله هيجان، وكأنه ثور هائج، فارتقى السطح وهو يحمل كل آلام وعذابات الجنود، يصرخ بحكايات جبارة وعادل ومطلك وغيرهم.

هذا اليوم في الحساب الهجري والميلادي والشمسي يعادل السبعة اعوام التي قضاها في الحرب، اطول الايام التي عاشها ابي، بين مجنون والمحمرة وسيف سعد .و.وو ومدن وقرى لم يكن ليعرفها احد الا من كان في الجبهة، قرى وقصبات جال بها محاربا مرة ومتخاذلا مرة اخرى، مرة خائفا ومرة مرتدا بينه وبين نفسه، الا انه لم يعرف معنى الانتصار؟ وكأنه دخل الحرب مع نفسه، قبل ان تكون حربا بالسلاح والبنادق والدبابات، فجاء يجر اذيال الضياع والتشتت والشك ويلفه غضب عصابي لم يعرفه الا من طرق ابواب الحروب والقتال الموت. 

لتنتهي اجازته والتي لم تكن اجازة ليرتاح من ضجيج القنابل واصوات الجنود وصيحات الاهالي في المدن، وانما كانت حرب دخلها دون ان يخطط لها ودون ان يدرك عواقبها، حتى استفاق على نفسه وهو يلقي كلمة الطلاق ثلاث مرات الى امي.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2