تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


المقهى والصحيفة


سعاد الصيد الورفلي

سبب كتابتي لهذه المقالة ؛ حوار ٌ دار بيني وبين ناشط في المجال الثقافي مفاده « هل يقرأ الجالسون في المقاهي «؟

فقال مجيبا : ماذا يقرؤون ؟


فسألته : الصحف !

لكنه استغرب السؤال من الأصل ...فقال معللا:

لم يعد ذلك الأمر من الأهمية بمكان ، بل عن القاعدين بالمقاهي يهتمون بالتفرج على القنوات الفضائية ومتابعة أشرطة الأخبار العاجلة ، فمنهم من يكتفي بقراءة الخبر الجديد دون أن يعلق أو يتحدث أو حتى يهمه الأمر ، ومنهم من يفتتح حوارية بشأن الأخبار سرعان ما تنتهي بمشكلة أو « خناقة «.!!

كانت إجابته منطقية وواقعية لا لبس فيها ولا اعتراض عليها... غير أنني رأيت أن لو تتحول المقاهي إلى مقاهي ريادة ثقافية فكرية ، فمثلا توفير الصحف المتنوعة « ثقافية كانت أو سياسية إلى جانب فنجان القهوة أمرا من الحضارة والرقي بمكان .

غير أن الذي رماني بنظرة الاستغراب ، أن هذا الأمر ممجوج ولا أحد يقرأ أو يحب متابعة الأسطر الصحفية ....بل رأى أن أكثر سلعة بائرة كاسدة هي سلعة الصحف ، فما من مشترٍ وما من قارئ ولا حتى باحث عنها مهتم لأمرها ....

استضحكتني صديقة لي وهي ربة بيت كانت تبحث عن ورق جرائد ، فظننتُ أن شهية القراءة لديها قد انفتحت وأرادت أن تطالع ما يمخر في بطون الصحف ، إلا أني رجعت وخيبتي تحركها ضحكة خفية حينما قالت لي : أريد أن أعمل بها (مغاتة)أي نوع من الحجامة بالقارورة الزجاجية !!

وفي الجانب الآخر شاب أرعن شد ّ انتباهي عندما رأيته يجمع باكورة من الصحف المتنوعة من صاحب كشك على الطريق العام ويتوجه بها نحو سيارته ، فيلقي ببعضها في صندوق السيارة الخلفي ، والبعض الآخر توجه به نحو زجاج السيارة بادئا بالأمامي : تلميعا وتنظيفا ..بعد التلميع أخبرني فيما أخبرني أنه ملمع جيد للزجاج ..كنتُ أرى الأخبار تبهت والسطور تتوارى مع كل عملية حك للزجاج ..حك للسطور للكلمات للصور للأحرف !!

تخيلوا إذا كان كل مقهى يقدم لمرتشف القهوة صحيفة؟! كم سيكون لدينا من المثقفين المتحسن أداؤهم القرائي والكتابي والفكري ؟!

ومن الطبيعي أنه في بداية الأمر سيستغرب المواطن العادي من هذه العادة الدخيلة الهجينة المقتحمة على فنجان قهوته ...لكنه مع مرور الأيام سيألفها وستكون هناك علاقة حميمة بين فنجان القهوة والصحيفة ، فلا يستمتع صاحب الفنجان إلا والصحيفة بين يديه يطوي صفحاتها صفحة خلف الأخرى ...يلاحق الكلمات وارتساماتها ورونقها والأخبار والموائد الثقافية والأدبيات ، والوجهات السياسية والاجتماعية .

هذا فقط فيما لو أردنا أن ننشئ ملاذا آمنا لروح الثقافة في مجتمعنا العربي، لنبدأ بالمقهى ولنجعله بعد أن كان مكانا لاستفراغ الكساد ؛ مكانا لاستملاء الفكر .

 

 

 

 كاتبة وقاصة من ليبيا 



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2