تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


محاورة الآخر و الغاؤه


د. سلام سميسم

كيف تحاور مجموعة أطفأ التمسك بمعتقدهم نور عقولهم، وحولهم إلى آلات تمشي مبرمجة على نظام عمره أربعة عشر قرنا، بحجة أنه من عند الخالق؟  كيف تحاور مجموعة يلمحون لك بالتهديد والوعيد إذا أردت أن تطرح الفكر المضاد لمعتقدهم؟


كيف تحاور من يدعي بأنه الماضي والحاضر والمستقبل، وأنه وبطريقته سوف ينجز الأعاجيب؟ 

لقد تحرر البعض من هؤلاء من الشكل وبقي يعاني من مشكلة الفكر، لذا اتبعه الكثيرين لأنهم رأوا فيه التطور والإبداع، وما هو إلا صورة مزيفة يقوم بتكييف ما يتوصل له العلم على حسب ما يعتقد، ويلجم أدمغة من حوله مدعياً أنه مع العلم وهم ضده، والعلم بريء مما يزعم، لا بل وُيقنع الكثير بأن هذه النتائج العلمية قد ُذكرت في معتقده وهم كانوا في غفلة عنها، وجاء من لا يؤمن بكتبهم ليؤكد ما يؤمنون به  فعلا.

 لقد أدى ضيق المنظور بالكثير (من أمثال هؤلاء) ممن يعتقدون إن حدود الآخر ومتعلقاته تقترن بحدود ومساحات الحضارة الغربية وفكرها وروادها وتاريخها، بكل مفاصلها البشرية والتطبيقية، وهذا منظور ضيق وحصر خطير لواقع الفكر الإسلامي وتحدياته سابقاً وحالياً ومستقبلاً، لأن الآخر أصلا حقيقة موجودة في داخل كل منا، إذ لا معزل لذات عن الآخر، وليس هناك حدود في حضارة أمتدت الآف السنوات حتى أنتجت هذه الكلمة، فالآخر موجود في كل ما هو حولك وداخلك، وفي كل مفاصل صراعات الحياة وتموجاتها وتطابقاتها، وقد باتت قرية صغيرة تتفاعل فيها وفق هذا التفاعل المتمثل بكل لحظة من لحظات الوجود.

   لا شك إن الاستبداد والإقصاء ونفي الآخر ليست حكرا على الإسلاميين، على الأقل هذا ما سجله التاريخ الحديث في غالبية الدول والمجتمعات العربية وغير العربية، ولكن في الوقت الذي يرى المدافعون عن حق رجال الدين في الانغماس في السياسة ان الأخطاء التي يرتكبها الإسلاميون سواء في العمل السياسي أو في الحكم هي أخطاء طبيعية لا علاقة لها بالدين نفسه، يرى مناهضو تدخل رجال الدين في السياسة ان النتيجة النهائية لأي إخفاق يسجله رجال الدين (أو التيارات الإسلامية) في السياسة والحكم سيؤدي إلى كون الدين هو الخاسر الوحيد، ولكن هذا الجدل يفتح آفاقا أكثر سخونة لأنه يصل في النهاية إلى مناقشة الفرضيات التي تتأسس عليها التيارات الإسلامية الناشطة في العالم العربي اليوم: الدولة الإسلامية، وحكم رجال الدين، ورغم الاختلاف في الآراء، فان هناك إقرارا ضمنيا بأن رجال الدين أخفقوا حتى اليوم في تقديم نموذج ناجح يمكن الإشارة إليه لدورهم في السياسة، وهذا يجعل الأسئلة تصل إلى الحدود التي لا يتمنونها هم، وتضع دورهم تحت مجهر التساؤلات ومباضع النقد التي لا ترحم في الغالب.

ولن أنس حديث الدليل السياحي (وهو عربي مسلم) وهو يقودني ضمن مجموعة سياحية في مدينة فينا، ويرينا آثار العثمانيين هناك، ومنها جامع كبير مغلق فيه بئر مندرسة، وعلى الجامع صليب كبير فوق الهلال، ومغطى بأسلاك وشباك حديدية، وعقب الدليل: "هذا ما تركه لنا العثمانيون على هذه الأرض"، ولما تحسرت، قال: "لا تتحسري، ما زالت أجيال النمساويين تتداول إلى اليوم رفض الجيش العثماني الانسحاب خال الوفاض، فملأه بستة الآف جارية من جميلات فينا، يقال أنهن سبب العنصر الأشقر في شعوب تركيا" .



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2