تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


زينب ابنة الصدرية


وداد ابراهيم

كلما اقتربت من نهاية الزقاق، أتوقف لأتطلع إلى ذلك البيت الكبير والمرتفع، وحين يعتلي بصري الى آخر نقطة فيه اجدها احيانا تلوح بيدها الى الأعلى وكأنها تودع أحدا قد حلق في السماء او في طائرة، ولما لا تلوح الى الطيور، نعم للطيور، واعود ببصري الى البيت المطلي باللون الأخضر الداكن، ابواب كبيرة مشرعة وقد غطت مياه التنظيف مساحة 


واسعة امام البيت، دفعني فضولي لاجتاز الباب الرئيسي فوقفت على ارض غير مستوية توقفت مياه التنظيف في أجزاء منها. أرجوحة تتحرك ببطء وكأن احداً غادرها توا، اقتربت وحاولت ان اعرف هل من احد في هذه الباحة التي بدت نظيفة جدا، كرسي قديم من الخشب وقطع من القماش ومقص على طاولة صغيرة ودمى بعضها عاريا واخرى مصنوعة من القماش وخيوط الصوف، توسطت باحة البيت المعبد بالطابوق الأصفر، فتسللت الى انفي رائحة الرطوبة الممتزجة برائحة الطابوق وكأن هذه الرائحة قد دخلت الى مفاصل رأسي فشعرت بالرغبة في الدخول الى البيت لمعرفة من فيه، فجاءني صوت امي من خلفي، مزمجرا عاليا: زهرااااااء. فزعت وكأن الصوت دفعني من شدة الفزع وشعرت بالرعب منه وعرفت كم صوتها قبيح، جرتني من يدي وهي تقول: الم اقل لك لا تدخلي هذا البيت، عدت مع امي وهي تجرّ بي ورأسي ملتفت نحو البيت وحلقت الى الأعلى فلم اجدها، لكني قررت ان اعود مرة اخرى، قد احظى بدمية او اكون قد وقعت على سر البيت والدمى.

ظلت امي توبخني حتى وصلت البيت وهي تحكي لي قصص مخيفة عن البيوت وقد يكون فيها احد يختطفني، او قد يكون فيها من يضع السكين على رقبتي، شعرت بالخوف الشديد ووعدتها بأن لا اعود الى ذلك مرة اخرى، لا اعرف لماذا ظل الفضول يراودني ان امسك بالدمى، وندمت اني لم اخذ اي دمية، واعود بها الى البيت.

لم يكن المشهد قد تغير فما ان وصلت الى آخر الزقاق ارتفع بصري لأجدها تلوح دون ان اجد طائرة محلقة او طيور تمر، من فوق رأسها نظرت الى البيت وحلقت ببصري مرة اخرى فلم اجدها.

اقتربت من البيت، دخلت على اطراف اصابعي لاني قررت ان اخذ إحدى الدمى واجري مسرعة، وصلت يدي الى السلة فالتقت واحدة بسرعة ووضعها تحت ملابسي وأجهزت عليها بيدي وكأن يدي التصقت على جسدي وخرجت مسرعة، وصلت بالدمية الى البيت ودخلت الغرفة وأخرجت الدمية، وبقيت اتطلع اليها.

لم تكن الدمية قد أرضت فضولي لمعرفة المشهد كله، بل كانت الدمية التي وضعتها تحت وسادتي تدعوني للعودة الى ذلك البيت والدخول فيه مرة اخرى وكأني لم اعرف شيئا، بل ان حصولي على الدمية قد زادني فضولا للعودة، وكأني اصبحت اكثر جرأة وأكثر حماسا للدخول والجلوس على الأرجوحة.

قررت ان اعيد الدمية الى البيت، فلم اشعر بمتعة اللعب بها او وضعها الى جانبي كنت اشعر بان علي اعادتها الى مكانها، كما اني كنت أخشى ان تعثر عليها امي فتعرف اني دخلت ذلك البيت الذي منعتني من الدخول إليه رغما عنها.

 وضعت الدمية تحت ملابسي كأني طير يطبق بجناحه على جسده وأطبقت عليها فكأنها التصقت بجسدي، وقررت ان اعيدها الى ذلك البيت فكثيرا ما وجدت ابوابه مفتوحة دون ان ارى احدا يقف على الباب، امرأة او رجل او اطفالا يلعبون امام الباب، حلقت ببصري الى الاعلى فلم أجدها، وعرفت انها قد تكون في باحة البيت تصنع دمى، او قد تكون اخذت السلة بكل ما فيها لتبيعها في الاسوق، هذا ما راودني قبل ان اصل الى امام البيت لأعرف ماذا يحدث.

 دعتني للدخول الى بيتها، ومن خلفها وجدت اطفالا يلعبون بالدمى، بقدمي العارية دخلت باحة البيت، دون ان اجد أحذية او ما ينتعله الاطفال، فقلت في سري لست اقل شئنا منهن، فكنت وسط جمع من البنات، بابتسامة بريئة لوحت لي بمشاركتهن، فكشفت عن فك يخلو من الاسنان الامامية. باحة كبيرة توقف في وسطها القليل من الماء بما يوحي بانها اعدت لتكون مكانا تجلس فيه زينب، وأرجوحة كانت تهتز ببطء وفي وسطها ثلاث من الدمى، قطع اقمشة وقطن ومقص صغير وابرة وخيوط، ودمى لم يكتمل صنعها ثناثرت، وفي سلة توسطت جلسة البنات هناك دمى اكتمل صنعها، هذا المشهد انساني ما جئت من اجله، بل حتى اني نسيت اني جئت لاعيد ما سرقته بالامس البعيد وكأني ادخل في عالم جميل ممتع، وما ان تحركت حتى سقطت الدمية من تحت جناحي، فحملتها ورميتها في السلة دون ان يثير هذا المشهد اهتمام زينب او الأخريات وحديث لم افهم منه شيئا، الا انه يوحي بان زينب ابنة الخامسة عشر  من العمر، كانت تقص تلك الحكاية لمرات وعلى وقع حديثها تقص القماش ومن ثم تستكمل كلماتها وهي تاخذ حبات من القطن وبقايا قطع القماش وتحشو بها الدمى ومن ثم تخيطه بشكل دقيق، تعودت الدخول  يوميا وبدون دعوة فاجلس القرفصاء. قصة ودمى وارجوحة تنام فيها الدمى الثلاث وقطع قماش من الارجواني والاصفر والزهري والفيروزي.صار ولعي كبير بالمشاركة مع جمع البنات، فكل مرة اجد وجوها جديدة واخرى تختفي، وفي احدى المرات جاءت سيدة كبيرة وصرخت صرخة عالية وكأن صوتها قد اخترق اذني وصعد الى رأسي فشعرت بخوف وما ان التفت الجميع فاذا بامرأة كانها الوحش تدخل وتجر احدى البنات وهي توبخها بقوة وتصرخ: الم اقل لك ان تعودي الى البيت بسرعة، ومع كل هذا الضجيج الا ان زينب لم تتحدث بشيء بل لوحت برأسها بأن لا داعي لهذه الضوضاء.

قد اكون الوحيدة التي تأتي دون انقطاع، ودون ان اعرف عملية صنع دمية وكيف تصنعها زينب بهذا السرعة وتخيطها ومن ثم تأتي بالمقص لتصنع ملابس للدمية وما ان تنتهى من صنع الدمية حتى تقدمها لمن يجلس معها، ولا تنسى زينب ان تأخد الدمى من الاطفال، حين يغادرون لتضعها في سلة الى جانبها، وكثيرا ما قطع علينا هذه المشهد صوت يأتي من داخل البيت ليدعوها الى تناول الغداء او الدخول للبيت الا انها لم تكن ترد ولم أشاهدها مرة قد تركت الاطفال لتدخل.

حتى كان ذلك اليوم حين وجدت الباب مغلقا،  الباب الذي لم اجده يوما مغلقا، طرقتها مرة واخرى، ومن ثم زدت الطرق بقبضة يدي. فجاءني صوت من البيت المقابل، من؟ ماذا تريدين ؟؟  اقتربت منها وقلت لها: اريد ان استعيد دميتي التي وعدتني زينب بانها ستكون لي حين تنتهي من خياطتها.

فاجابت المرأة بصوت اجهش. لا احد هنا، زينب التي تبحثين عنها لم تعد هنا فقد اخذتها بالامس وانجزت معاملة ايوائها في بيت البنات فلن تعود ابدا، فهي بلا ام ولا اب فقدت عائلتها في تفجير الصدرية قبل سنوات وكانت صدمتها كبيرة وهي تشاهد امها وابيها وكل عائلتها محترقة ومشوهة امامها ولم يبق معها الا جدها الذي لم يكن في البيت حينها، وهذا الرجل الكبير لم يعد يستطع الاعتناء بها فهو يرقد الان في المستشفى. انهمرت دموعي بسرعة وكأنها المطر. وتركت السيدة وهي تستكمل حديثها عن زينب وما حدث لها ومعها جراء تفجير ارهابي لم يكن لها اي ذنب في ان يحدث لها كل ما حدث. 

كنت امر كل يوم من امام بيت زينب استذكرها بعمق، قررت ان أكون في مشروع يناهض العنف ويدعو للسلام فدخلت في فرق للعمل من اجل النازحات فوجدت الكثيرات مثل زينب احلامهن بسيطة واملهن ان يحصلن على حياة لا تتجاوز البيت والسكن في عائلة لايهدها الموت والقتل والارهاب، فكانت زينب عنواناً للابتسامة والأمل في حياة افضل.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2