تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


ما الذي يحمله المشرّد من وطن يغارده؟


لطفية الدليمي

في 2006 تشرّدت عن وطني وعانيت مصائب وآلام تجلّ عن الوصف ستكون موضوع كتاب اعمل عليه -عندما هددني مقاتلو القاعدة في العامرية- تركت كل شيء ونجوت بنفسي، لم احمل معي سوى نسخة واحدة من جميع كتبي المنشورة مع قميصي نوم وسروالين وجواز سفري،


 حينها تساءلت بمرارة العاجز المخذول إنما المشبع بالأمل. 

ماذا يحمل المشرد من وطنه وقد ضاع منه الوطن والسكن والأمان؟ كيف يحمل المرء ذكريات عمر مديد في وطن كان مأواه وملاذ روحه وبيت ذاكرته؟؟ ماذا يحمل المرء من بيت صنع ملامحه يوما بيوم ومنحه فرادته وروائح زواياه وظلال عتمته وأرسى كل شيء جميل فيه؟ تساءلت لحظتها:هل اجمع أشذاء الارض بعد المطر في قارورة؟؟

هل أقطر شذى الورد الجوري وأحفظه مثل حبة ماس في حقيبتي؟؟ هل اجمع غبار طلع النخيل في وعاء مقدس وأحمله معي إلى يوم مماتي ليعطروا به مدفني؟؟ أم احمل صورة الصدع الآلي على الجدار الذي أراه كل صباح وانا اجلس الى منضدة الكتابة؟ هل احمل اخضرار النخلة وأعشاشا لبلابل وخفق الفراشات في جيوب معطفي ؟؟

 وكيف احتفظ برائحة الكتب وصوت صرير باب الحديقة وزقزقة العصافير على شجرة التين كل فجر؟؟

وماذا عن أرواح الغائبين الذين يطوفون في برزخ البلاد منذ أول حرب ويتدفقون حول احزاننا في كل كارثة ولم يغادروا وليمة أحزاننا مذ داهمتنا الحروب ؟؟

هل احمل مفاتيح بيتي وامضي الى التيه كما حملها الفلسطينيون من قبل حين هجروا من ديارهم على امل عودة محتملة؟؟ أم أمضي بلا امل في العودة المرتجاة؟؟ كيف سأحمل كل هذه الذكريات وانا التي عليها الهرب متخففة من كل أثقال الحياة؟

خلصت الى قرار اخير: هذه الأشياء المحبوبة الأليفة كلها، وهذه الروائح والظلال والصور، هذه الاصوات والهمهمات وزقزقات الطير هذه الريح التي تدوم بين الاشجار، وهذه الكرمة التي تظلل نوافذي، جميعها مرسومة كخارطة على اديم الروح ومحفوظة في رعشة الدم وخفقة القلب، وانني اعيشها وأتنفسها اينما ترحلت في البلدان فعلام أتساءل عما احمله معي؟؟

 مؤكد أنني سأحمل مفاتيح البيت فلعل لي عودة الى وطني ذات سلام، عندما ينتهي احتراب البشر ويتوقف هياج الغرائز الأولية وتتوارى الأحقاد التاريخية والطائفية التي استحضرت ثارات التاريخ وجدل السلطة واستعادت جدل الاستحقاق فوق بحار من دماء الضحايا، كيف أعود وانا لا اهتف بغير اسم العراق والإنسان وقد اثقلت سنواتي الأحزان والفقدانات وانكسار الحلم ؟؟

 استحضرت كل هذا الألم وانا ارى الفارين من مدن العراق التي احتلها القتلة بموجب صفقة او ترتيب دولي ومحلي، آلاف مروعة تحمل متاعها ورعبها وضياعها وتتيه بين المدن، فأبكي محنتنا جميعا نحن الذين اقتلعنا من ديارنا وألقتنا حماقة الساسة في العراء وضحت بآلاف المواطنين الابرياء على مذبح شهوات الحكم والاستئثار بالسلطة وأتساءل: ترى من سيبقى للعراق وقد تناولت الحشود ثمار الخراب السامة ؟

 ترى هل غادرت بلادنا سلامها وانتهى الأمر ؟ أجل، فقد غيّر كوكبنا الارضي عاداته وحلت عليه اللعنة وتزلزلت الخرائط والنفوس والأجناس كما شاءت إرادات الدول الكبرى التي تعبث بمصائرنا وتخدعنا كل لعبة حرب، نحن الضحايا والارقام المجهولة في سجلات مغانمها وانتصاراتها المدونة بدمائنا وخسائرنا. 



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2