تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


إبراهيم الراوي الرفاعي (1859-1947) صاحب «السجادة الرفاعية» على عهد السلطان عبد الحميد العثماني


حميد المطبعي

 السيد الشيخ إبراهيم الراوي ( 1859-1947 ) شيخ الطريقة الرفاعية في العراق، وكانت صحف الاستانة وبلاد الشام تصفه بـ( صاحب السجادة الرفاعية ) على عهد السلطان عبد الحميد العثماني،


 وهو علم في الاستقامة الدينية ومفكر اسلامي ما باع لسانه الى سلطان ولا استطاع الإنكليز ان يشتروا فتواه، إنما فتواه في مقاومتهم كانت تنشر على ملأ من الناس تحرضهم على قتال الغزاة وكان هو وعلماء الاجتهاد في النجف وقعوا وثيقة الولاء الوطني لعراق واحد للغة واحدة.. 

هو السيد الشيخ إبراهيم بن السيد محمد بن السيد عبدالله بن السيد أحمد بن السيد رجب الصغير بن السيد عبد القادر بن الشيخ رجب الكبير الراوي الرفاعي، ثم يستمر نسبه الى أن يتصل بالسيد أحمد الرفاعي الذي يرتقي نسبه الى الأمام الحسين بن علي بن أبي طالب.. وفي أحدى الوثائق العثمانية (تعرف أسرة إبراهيم الراوي بأسرة الشيخ رجب ) وتصفه وثائق أنكليزية بأنه ( عميد اسرة آل رجب ) في زمانه، وفي اسرته تعاقب على تاريخها علماء وفقهاء ومدنيون أسهموا في بناء الدولة العراقية الحديثة بالاستقامة نفسها التي اشتهرت بها أسرة الشيخ رجب في تاريخ العراق ومنذ كان لهم وجود تاريخي في أعالي الفرات قبل قرون.. 

ولد في مدينة ( راوه ) وتتلمذ وهو فتى على أركان آسرته، وفي الثانية عشرة كان يهيئ نفسه لدراسة علوم الدين، وأتاح له والده أن يمتد في العقل وجعله يقرأ النحو والبيان على اساتذة الدين في مدينته، واجيز وهو شاب وقال اساتذته لوالده (طموحاته أكبر من عقله) وسمع الرأي وشد الرحال الى بغداد وكانت مبتغى الطامحين في الاجتهاد الديني وودع والده وهو يرتجل قائلا: ( لعلي سأزيد فخرا على فخر الشيخ رجب).. 

وكان في السادسة عشرة من عمره عندما احتضنه العلامة (علي الخوجة) في بغداد وأدخله في حلقة الدرس الفقهي وبدأ يستمع الى دروسه الفقهية وفي شهر أكتشف فيه الخوجة نباهة فقهية وقال له : ( انت خرجت على نباهة جدك السيد احمد الرفاعي ) وكيف عرفت يا أستاذي؟ قال له الخوجة : ( انت تستلهم المعلومة بفطنة فطرية ) ودخل حلقة الشيخ داود أفندي وتتلمذ له في علوم الفقه أيضا وكان يقول له أستاذه : ( والدك السيد محمد في كل فتوى من فتاواه قانون  فقهي ) وانت يا سيد أبراهيم، اضاف استاذه: ( تستقرئ وتقول حتى يصبح قولك فتوى ) ثم منحه شهادة وشهادة أخرى من أستاذه علي الخوجة ولم يطر بهما فرحا كعادة المتخرجين الجدد أنما وضع الشهادتين أمام بصيرته وهمس وحده : ( بي حاجة الى الطريق الطويل.. ) وفي لحظة تذكر قول والده (مفتي عنه) حين غادره الى بغداد : (بني ؛ العلم سلمه طويل فأجتهد حيث ينبغي أن تجتهد..) 

ورحل الى الموصل وكانت الموصل مثابة يلجأ اليها طالبو الدرس العلمي، وانتسب الى حجية الفقيه عبدالله الفيضي فأجازه بعلم الأصول وأنتقل الى حلقة العلامة يحيى خضر، وأجازه ولازم فترة العلامة محمد أفندي وأجازه أيضا في الاصول وجميع اساتذته في الموصل كتبوا له :    ( وجدنا العلم فيك والامانة والصبر والخلق الكريم ) كما وجد الباحثون والادباء في الموصل السيد أبراهيم الراوي على جدل وأنفتاح رصين عندما مازجوه جدلا في مجالسهم الادبية أو عندما حضر ندواتهم في العلوم كافة وكان ذاكرة وعقلا وروحا وعنادا في الحق..! وفي عام 1880 هاجر هجرة علمية الى دمشق وكان فيها بعض نسبه فلقي ترحيبا من علماء بلاد الشام أجمعهم وما أن أستقر حتى لازم العلامة الشهير بعلم الحديث ( الشيخ بدر الدين ) وهو من الأسر العلوية المعروفة وتتلمذ له وتخرج به في الحديث وأصوله ومناهجه وأجازه قائلا : ( أن السيد أبراهيم الرفاعي متعمق في علم الحديث ومحدث.. ) وأستثمر وجوده في دمشق حين جادل الشيخ بدر الدين وعلماء النسب حول جمعه نسب السادة الرفاعية في العالم الأسلامي وكلهم أيدوه على صحة ما توصل أليه في أنساب السادة من خلال بوابة نسب الشيخ رجب الكبير وكان لجد السيد أبراهيم وهو ( السيد أحمد الراوي ) ذكر جميل في مجالس نسابة دمشق..! 

وعاد الى بغداد بسمعة جديدة سمعة عالم أتقن العلوم العقلية والعلوم النقلية مجتهدا فيها ومتبحرا في مراجعها وأتصل بشيخ العلماء ( عبد الوهاب النائب العبيدي ) وأقاما فيما بينهما علاقة الفقاهة واجتهاد المسألة وكلاهما أفاد من الاخر في جانب من جوانب العلم..! 

وعندما أستقام في علمه وذاع صيته عين مدرسا اول في جامع السيد سلطان علي وكثر تلاميذه وأنتشروا في كل زاوية في العراق وفي بعض أقطار العرب وأعجب به السلطان عبد الحميد الثاني ولاسيما اعجابه بأجوبته الفقهية ومنحه بعض الرتب الرسمية وأوسمة من الصنف الأول وهي تمنح عادة لقاضي القضاة، وحين عزل السلطان عبد الحميد 1909 وجاء الاتحاديون الى حكم تركيا ناصبهم السيد الراوي العداء وكان شديدا عليهم، لأن الاتحاديين لهم صلة بالصهاينة ولأنهم ارادوا أن ( يتتركوا ) اللسان العربي فحاولوا أن يغتالوه وهو في صلاته ولكن الرصاصة الطائشة ذهبت عبثا.. وفي الثورة العراقية الكبرى 1920 أرسل فتوى أثر فتوى لتحريض الجمهور على قتال الانكليز، وتذكر مثل هذه الفتاوى في مجمل الوثائق المتعلقة بأحداث ثورة العشرين، وكلما حاول المستشار الانكليزي جر الراوي الى لعبة المناصب رد على رسولهم بعنف قائلا : ( عمامتي بيضاء وستبقى بيضاء.. ) وفعلا كان هذا السيد الراوي يجمع الى النقاوة العلوية قلبا ما لابسه غش الدنيا وهو قلب السادة الكبار..! 

وكان مصلحا في مجتمعه يصلح العشائر ويردها الى مبادىء الشرع واصلح رؤوس الدولة كما عمر المساجد والتكايا وجعلها زوايا التوحيد وكان يكره التمييز في لون البشرة مثلما كره وجاهات المجتمع القديم أنما كان السيد الراوي عميدا لكل فضيلة تبشر في الخير العام ورأسا في بث علوم القلب وتصفه وثائق الاوقاف بأنه كان ابيض الوجه مشرب بحمرة تجعل وجهه نقطة ضوء في جسد طاهر يشع في احتشامه كما يشع في فضائله كما تشع عمامته البيضاء باريج الزهد والتقوى والعرفان، وكان جميعه يستقيم على ضمير يختزن كل المثل العليا لأسرة الشيخ رجب النابتة في الارض عميقا.. !

وفضلا عن دوره الاصلاحي والديني فهو مؤلف كبير ذاعت كتبه المطبوعة في افاق العالم الاسلامي وكانت تفيض بافكارها وتعطيك السيد الراوي مفكرا في اجتهاده ومشرعا وصاحب طريقة فقهية، ومن كتبه : ( بلوغ الارب في ترجمة السيد الشيخ رجب ) وطبعه سنة 1911 وكتاب ( الاوراق البغدادية )1926 وكتاب ( الاجوبة العقلية ) 1928 

وكتاب (لفلسفة الاسلامية ) 1931 وطبع في أواسط عمره عدة كتب في الطريقةالرفاعية وفي أصولها وقواعدها وكأنه كان الراعي الوحيد الامين على تراث الامام السيد الرفاعي وأنشغل في أخرياته بتعمير أثار ومباني هذا الامام الزاهد في ( أم عبيدة ) من توابع محافظة ميسان وكان يقيم حلقات الذكر في تكيته الخاصة ببغداد ويؤم تكيته زهاد كبار وعلماء كلام ويقولون له بالتمتمة أو الجهر :( سيدنا أنت صاحب السجادة الرفاعية ) هو السيد ابراهيم الشيخ والزاهد الورع الذي كان لسانه بعلو ضميره وعقله بعلو جهاد الحق.. !



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2