تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


الانتحار حرقاً نساء يهربن من سعير الحياة بسعير النار


 اعداد وترجمة:

 إنعام عطيوي وعدوية الهلالي

ببراعة، وبساطة، وأسلوب تشريحي لا يخلو من عاطفة، تتناول الصحفية والكاتبة الفرنسية ماريا كارير دانكوس في روايتها (امرأة جريحة) قصة امرأة انتحرت حرقا في كردستان في العراق لتسلط الضوء على مدى العنف المنتشر مجتمعنا وما يخبئه القدر فيه من مصير مشؤوم ومهلك للنساء. 


كتبت دانكوس روايتها (امرأة جريحة) لواحدة من أولئك الضحايا بعد حصولها على وثيقة عن مقتل (فاطمة) وهي ام شابة تعيش في احدى قرى محافظة السليمانية.. وجدت فاطمة نفسها فجأة نزيلة في وحدة الحروق الخطيرة في مستشفى السليمانية بعد ان تعرضت لحادث منزلي اثر انفجار الموقد النفطي الذي كانت تستعمله –على حد قول اهلها– ما ادى الى اصابتها بحروق خطيرة من الدرجة الثالثة واحتراق نصف جسدها وتشوه وجهها.. أملها بالبقاء على قيد الحياة ضعيف جدا فمن بين 592 امراة اصبن بالحروق ، بقي 215 فقط منهن على قيد الحياة حسبما تقول الكاتبة التي تؤكد في كتابها على ان احتراق النساء في تلك البقعة من الارض أمر طبيعي كالتنفس وقد تصب فتاة البنزين على جسدها وتحرقه لمجرد فشلها في الامتحانات!

بالتدريج، تكشف الرواية عن حقيقة ان فاطمة تحمل طفلا في احشائها وتركز على خشية زوجها من تحسنها ورغبته في موتها اضافة الى مواصلة اسرتها حياتهم وكأنها لم تكن يوما موجودة بينهم ...ولا ينطبق هذا الامر على ابنتها الكبرى «فرح» التي تواصل التفكير في والدتها والتي تسهم في رفد الكاتبة بتفاصيل احتراق والدتها ذلك ان هناك الكثير من الوفيات التي تمر في القرية دون تبرير او تفسير ويطوي اهل القرية صفحتها سريعا ليواصلوا حياتهم.

يقول الطبيب الذي عالج فاطمة انه لم يصدق مارآه فخلف هذا الجسد المحروق والوجه المغلف بالضمادات تكمن روح قوية تعتز بكرامتها وتشعر بالفخر.. انها روح جريحة مازالت تحتفظ بكبرياء صامت لأنها وضعت بنفسها حدا لعذاباتها وآلامها وربما حاولت ان تحرر نفسها الاسيرة بالنار التي تطهر كل شيء حسبما تقضي الفلسفة الزرادشتية التي يؤمن بها اغلب سكان تلك المناطق. 

وترى الكاتبة دانكوس ان شفاء الاجساد من الحروق لا يكفي لأن مايتحتم عمله هو القضاء على العنف والظلم الذي يقود النساء الى هذا المصير، فالمرأة هناك تتزوج قسرا ويعاملها زوجها بعنف واهمال لا يمكن احتماله فتختار الرحيل ببساطة بوسيلة الانتحار حرقا ، اما اذا اتهمت بالإساءة الى الشرف او ارتكبت ما يعد فضيحة كالارتباط بقصة حب مع رجل يرفضه اهلها او اكتشاف كونها حاملا فعليها ان ترضى بما يقرره لها اهلها من مصير.. اما ان تحرق نفسها بنفسها ليعتبروا ذلك حادثا منزليا عارضا ويتخلصوا من العواقب او يحرقوها بدورهم بعد قتلها ثم يعملوا على اخفاء جثتها لينتهي امرها وتتحول الى ماض مندثر كما تحولت جثتها الى رماد.

وتفهم الكاتبة من عبارات الابنة المفككة والمضطربة ان والدتها اختارت الانتحار حرقا للخلاص من الجحيم الذي عاشت فيه مع رجل يكبرها بسنوات عديدة ويذيقها صنوف العذاب والقسوة والعنف يوميا وفضلت اعتبار ذلك حادثا منزليا كما قالت للشرطة في المستشفى خوفا من حدوث خلافات عائلية بين اهلها واهل زوجها ولكي لايواجه اولادها مستقبلا تساؤلات اهل القرية عن اسباب انتحار والدتهم. وتصف الكاتبة باسلوب رائع تلك اللحظات التي سبقت احتراق فاطمة وكيف ارتجفت يدها لعدة مرات قبل ان تسكب النفط على جسدها وتشعل عود الثقاب لكنها فضلت احتمال آلام الاشتعال بالنار ونيل الراحة الأبدية بعدها على جحيم سيستمر طوال عمرها.. المشكلة ان فاطمة لم تمت وتشوه جسدها ووجهها وكانت تخشى من العودة الى زوجها بهذه الحالة بعد شفائها وما ستعانيه من اهماله وتعذيبه لها وربما الاشمئزاز والسخرية منها والزواج بامرأة اخرى لذا ظلت تدعو الله ان ينهي عذابها من ألم الحروق وألم العودة لجحيم الزوج بالموت حتى تحقق لها ذلك بعد أيام من المعاناة.

 

الانتحار بالنار

تتناقل وسائل إعلامية أخبار الانتحار بالحرق حتى الموت من الرجال والنساء وفي مناطق مختلفة وكل حالة كانت لها ظروف مغايرة عن الأخرى في إزهاق الحياة، لكن وسائل الإعلام هذه تنقل الخبر فقط دون الرجوع لنشر ما وراءه أو التحقيق فيه بشكل مفصل تجنبا لإثارة انتشاره أو لوضع الحلول والتوعية إليه. 

مجلة (نرجس) دأبت على أن تشخص بدقة ما وراء الظواهر الاجتماعية، وظواهر الانتحار بلهيب النار من اخطر الأمراض الاجتماعية التي وجب التنبيه لها في ملف هذا العدد.

 

مسلسل تركي

عدد من الأخبار المنشورة تمثل عينة صغيرة لهذه الظاهرة المتفاقمة نستعرضها كما جاءت:

ففي محافظة بابل أفيد بأن امرأة في الحمزة الغربي جنوب الحلة أضرمت النار في جسدها بعد سكب النفط عليه اثر شجار دار مع زوجها وكان السبب حسب ما نشرته الوسائل الإعلامية إن الزوج أصر على متابعة المسلسلات التركية وتصدرت هذه الحادثة صفحات الانترنيت والصحف وأثارت ضجة إعلامية بين الأوساط النسائية حول الانتحار حرقا بالنار بسبب المسلسلات التركية!.

إلى الجنوب في محافظة البصرة وقضاء الزبير تحديداً أقدم شاب على حرق نفسه بسبب إنهاء عمله وشهدت محافظة البصرة في الآونة الأخيرة حالات للانتحار كثيرة لم يشخص الإعلام أسبابها ولكن نشر عنها ولم تحدث دراسة مستفيضة حولها للحد منها.

وفي كردستان العراق شهدت السليمانية أيضا حالة انتحار بالحرق حيث نشرت الصحف عن إعلان مديرية شرطة قضاء كلار التابعة لمحافظة السليمانية عن إقدام امرأة على حرق نفسها بالنار بعد معاناتها من مشاكل في عائلتها حيث قالت مديرة شرطة مناهضة العنف في قضاء كلار السيدة (لميعة محمد) إن هذه المرأة قدمت قبل أيام من حرق نفسها شكوى لدى الشرطة من المعاملة القاسية التي تتعرض لها من قبل أقربائها وأضافت إنها ربما أحرقت نفسها للخلاص من مشاكلها.

وفي النجف الأشرف هذه المدينة المقدسة ذات الطابع الديني الملتزم لم تخل من حوادث الانتحار حرقا حتى الموت، حيث أقدمت فتاة في العشرين من عمرها على إحراق نفسها بعد شجار عائلي حيث قالت والدة الفتاة إن ابنتها البالغة من العمر عشرين عاما والتي توفيت متأثرة بحروقها أقدمت على حرق نفسها بعد شجار مع زوجها والذي كان يتعدي عليها بالضرب وآخر مرة تعرضت إلى الضرب المبرح من زوجها فكانت ردة فعلها أن قامت بإضرام النار بنفسها للتخلص من الضرب المبرح في كل مرة.

 

مشادّة زوجية

من جانبها، لم تخل العاصمة من حالات الانتحار حرقا بالنار ففي منطقة الحسينية تحديدا قضى رجل نحبه نتيجة إقدامه على حرق نفسه بعد أن صب النفط على جسده واحرق نفسه اثر مشادة مع زوجته انتهت بانتحاره حيث قال شهود العيان من الجيران إن الرجل المنتحر بالنار كان عاطلا عن العمل وفي كل يوم يحدث شجار كبير بينه وبين زوجته وفي احد أيام الصيف الحار وقت الظهيرة حدث صوت عال وشجار كبير بين الزوج وزوجته خرج على أثرها الرجل وسكب النفط على نفسه واحرق جسده وتجمعنا على صوت صراخ الزوجة لكن كانت النار قد التهمته ولم تقم عشيرة المرحوم له أي مجلس عزاء لأنه انتحر.

الإعلامي يعرب القحطاني يقول عن هذه الظاهرة انه «عندما يصل الإنسان إلى مرحلة الانتحار هذا يعني انه فقد كل مشاعره وأصبح لا يربطه بالدنيا شيء أما في العراق وتسليط الضوء على مثل هذه الحالة من قبل وسائل الإعلام أمر ضروري لان الإعلام في كل دول العالم هو تقويمي وليس تجميلي».

 لكنه اضاف «للأسف الإعلام حاليا هو إعلام هابط واغلب جرائم الانتحار حرقا بالنار نقلتها وسائل الإعلام كانت أسبابها معيشية يصل فيها الشخص إلى مرحلة الانهيار النفسي بسبب الحالة الاقتصادية والمادية والظروف المعيشية الصعبة وعلى الإعلام تقع مسؤولية التوعية بخطورة وحرمة هذا الفعل الشنيع».

 

عادات متوارثة

إن البعد الاجتماعي لحالات حرق النفس في المجتمع تختلف ففي كل مجتمع هناك تفاصيل اجتماعية وعادات وتقاليد يحاول المجتمع الصمت عنها وعدم البوح بها للعلن لأنها تكون بمثابة تقاليد محاطة بالأحكام العرفية الممنوعة النشر ومن هذه الأحكام هي جرائم الشرف التي يتعذر ذكرها والحديث بها والتي دائما ما تقيد تحت مسميات حوادث قضاء وقدر ويصمت عنها المجتمع ولكن في الغالب تكون المرأة هي الضحية فيها وان لهذه العادات والتقاليد أبعاد تاريخية ترتبط بالتراث الاجتماعي القبلي لعادات وتقاليد كل منطقة وتختلف عن منطقة أخرى والتي يتعذر للمجتمع الحديث عنها أما خوفا من العقاب أو خجلا من المجتمع والنظرة العامة للناس ومن ضمن هذه العادات والتقاليد لبعض القبائل والعشائر الكردية في كردستان .

الحاجة (ج) والتي رفضت نشر اسمها خوفا من لعنة المجتمع والنظرة العشائرية لها والحديث للمرأة العجوز تقول «درجت التقاليد عندنا في السابق إن المرأة التي تعاني من خيانات زوجها المتكررة ولا تجد لها حلا وتشعر إن حياتها معه وصلت إلى طريق مسدود تلجأ إلى حرق نفسها إعلاناً منها إن زوجها هو فعلاً رجل خائن ولا يطاق والموت حرقا بالنار هو ارحم من العيش معه، لان تقاليد القبائل الكردية وخاصة في القرى هناك تقاليد عشائرية تحكم القبيلة كانت موجودة أيام زمان ترفض وتمنع الطلاق وخاصة إذا كان الزوج من نفس العشيرة أو ابن العم، لكن الان الزمن تغير وتغيرت العادات والتقاليد وتبدلت ودخل الانفتاح على المجتمع وحدث شيء من التطور اما في أيامنا كان لا يحق للمرأة الطلاق من زوجها وإذا خرجت من بيت الزوجية وذهبت إلى بيت الأهل مشتكية فان والد البنت يضربها ويعيدها إجبارا إلى بيت الزوجية ولا يحق لها أن تشكي من زوجها مهما عمل بها حتى لو كان خائنا أو تتعرض عنده للضرب واذكر خالتي رحمها الله في الثمانينات انتهت حياتها حرقا بالنار كنت اذكر إنها تعاني من زوجها كثيرا وكان يعاشر نساء عليها ويسيء معاملتها وكلما تكلمت تتعرض للضرب وعندما تأتي إلى بيت جدي كان هو أيضا يقوم بضربها وإعادتها إلى زوجها حتى انتهى بها المطاف أن أحرقت نفسها بالنار ولم يعمل لها مجلس عزاء لكن بعد وفاتها ساءت العلاقة كثيرا بين العائلات ولم يكن ضحية هذه الحادث سوى أبنائها الاثنان رحمهم الله جميعا لو كان جدي في ذلك الزمان قد استمع لها ووجد لها حلا لما انتهت لما آلت إليه لكن لعل أخطا أجدادنا كانت لنا درسا حتى لا نتبع خطاهم».

 

أكثر الأسباب زوجية

من دهوك (أم ش) تروي حكاية ابنتها التي قضت نحبها عام 1996 حين أحرقت نفسها وهي شابة لم يتجاوز على زواجها سوى سنة واحدة تروي حكاية ابنتها بمرارة والدموع لم تنفك تنهال على خذيها وتقول زوجت ابنتي صغيرة لم تتجاوز الثمانية عشرة عاما لشاب متمكن ماديا من نفس العشيرة لكنة يسكن في بغداد وعندما كان يأتي إلى دهوك كان قمة في الأخلاق والثقافة وافقت على إعطائه ابنتي وبعد الزواج كانت الظروف صعبة ولم تكن بيننا أي زيارات حتى اعرف ظروفها لكن ما حدث انه في احد الأيام زارتني ابنتي وأثار التعذيب على جسدها ورفضت العودة لبيت زوجها ولم تكن تتكلم عن أسباب هذه الكدمات ولم تكن تنطق بحرف أمام والدها كلما سألها بقيت شهر ونصف تقريبا ترفض الكلام حتى سافر والدها إلى بغداد وانصدم حينما عرف إن بيت زوجها هو بيت مشبوه ووكر للفاحشة لم يصدق وعاد من بغداد وحبس ابنتي في الغرفة وضربها».

وأضافت أن ابنتها «تحت الضرب اعترفت إن زوجها كان يجبرها بإدخال رجال عليها مقابل مبالغ مادية وفي آخر مرة رفضت فتعرضت للضرب المبرح وهربت منه ولم تكن تعرف ماذا تقول وكيف تتصرف وخلال هذه المدة هي في محافظة وأهلها في محافظة أخرى ولا تجيد اللغة العربية ولا تعرف ماذا تتصرف فادخلها والدها إلى الحمام وأعطاها النفط وعود الكبريت وطلب منها أن تنهي حياتها كرامةً لشرفه وكانت البنت في وضع نفسي صعب فامتثلت لكلام الوالد وأحرقت نفسها في الحمام خلاصا من العذاب النفسي والجسدي الذي عاشت فيه وسجلت الحادثة إن (الصوبة النفطية) أحرقتها حينما كانت تغسل ومن يومها تركت بيت زوجي وأطفالي فلم اعد أطيق العيش معه أو تذكر الحادث أو الاستمرار في حياتي مع أب قتل ابنته وأنا لا ألوم سوى النظام السابق الذي كان يحرمنا التواصل مع بغداد فلو كنا قريبين من ابنتنا لتمكنا من الحفاظ عليها من أن تتعرض إلى هكذا موقف وهذه الحادثة كانت سبب في دمار بيتي ووفاة ابنتي».

الطالب سعد الفيلي من كلية الشريعة يقول: إن ظاهرة الانتحار حرقا موجودة ، لكنني لا اعلم عنها سوى القليل لأنها ظاهرة قديمة وتتواجد في القرى الكردية وكانت موجودة في السابق وفي بغداد ايضا مثل منطقة الكفاح التي يسكنها عدد من الفيليين وهي كذلك موجودة عند العرب وليس فقط عند التقاليد الكردية وأكثر أسباب الانتحار بالحرق هي المشاكل بين الزوجين هذا ما اعرفه ومتأكد منه لكن ما لا اعرفه هي لماذا موجودة كتقليد عند الأكراد أكثر من العرب أما الان فبعد تطور المجتمع في إقليم كردستان أصبح موجود هناك ما يسمى بحقوق المرأة والإعلام موجود في كردستان يدعم حقوق المرأة وحقوق الإنسان لكن دائما يكون العرف العشائري هو الأقوى وأتوقع الإعلام لا يغير بسرعة من هذه التقاليد ويحتاج إلى عدة أجيال حتى تندثر وهذه الظاهرة كما اذكرها موجودة في التسعينيات وحتى الان، لان الأعراف العشائرية من الصعب تغييرها وبصراحة في رأيي هذا الموضوع ليس له علاقة بالعرف العشائري الكردي وإنما هو شيء شخصي يلجأ إليه الشخص في حالات الانفعال القصوى وخاصة موجودة لدى النساء وتحديدا تحدث عند حدوث مشاكل زوجية بينها وبين زوجها وعندما تجد الزوجة إن الأهل لا يستجيبون لإيجاد حل لمشاكلها في بيت الزوجية ولا تستطيع اخذ حق العيش بكرامة مع الزوج تلجأ إلى هذا الفعل واذكر في حياتي شهدت على ارض الواقع حالات للانتحار بسبب الخلافات الزوجية فتختار الزوجة الانتحار حرقا وتسكب على نفسها مادة النفط وكنا ننقذها في اللحظات الأخيرة قبل إضرام النار في نفسها ولا اعلم لماذا تحديدا الموت بالنار دون اختيار وسيلة انتحار أخرى».

وتابع ان هذا «قد يكون تقليدا وراثيا يتم استقاؤه من خلال الحديث إن فلانة تحرق نفسها هربا من عذاب بيت الزوجية أو ترسخ هذا التقليد بسبب الإعلام ورغم انه تقليد قديم ولا يتحدث الناس فيه على الملأ إلا انه يترسخ من خلال تناقله عبر الأجيال ولا بد أن يجد الإعلام توجيها إرشاديا على حرمة هذا الفعل وعقوبته لدى الخالق وتحريمه حتى تتركه النساء».

 

 لماذا النار؟

ولماذا النار تحديدا وهل أصبحت الروح البشرية رخيصة إلى هذا الحد لتنتهي بالحرق، فضمن تجولي في استطلاع هذا الموضوع والبحث فيه وجدت قناعة أكيدة بمقولة الرسول (ص) الذي ما ينطق عن الهوى إلا بوحي يوحى في قوله ( إذا ابتليتم فاستتروا) وما جاءت هذه المقولة عن فراغ فقوله حق وعدم العمل بها هو ما أوصل المجتمع العراقي والعربي والشرق أوسطي إلى هذا المطاف فللإعلام دور كبير في الترويج عن هذه الظاهرة ودفع من لا يملك النجاة من الفقر ولا يملك قوة الإيمان واستحوذ عليه اليأس الى هذه الحالة فالفقر لم يكن وليد زماننا ليهرب الفقير منه بالانتحار حرقا حتى الموت، فقد كان الفقر قد لازم المسلمين الأوائل منذ زمن الرسالة الإسلامية ولم تشهد قط أن احرق احد نفسه بسبب الفقر أو العازة وكلنا يعرف مقولة الإمام علي عليه السلام (لو كان الفقر رجلا لقتلته).

 

موقف الدين الإسلامي 

(الشيخ جميل لافي) يقول في الحديث مطول عن هذا الموضوع اقتطعنا جزءا منه: إن ظاهرة حرق النفس وإهلاكها ظهرت مؤخرا في بلاد المسلمين وهذه الظاهرة الغريبة عن الإسلام والمسلمين أتت تحت مسميات الاحتجاجات على أوضاع مادية أو على ضغوط دينية أو نتيجة كبت نفسي أو كبت للحريات وغيرها من الأسباب كلها أعذار لا ترتجي بشيء عند الله عز وجل وبدأت شرارتها في تونس وانتهت آخر خبر أذيع عنه في موريتانيا والدين الإسلامي لم يمنع الاحتجاج والتظاهر على الأوضاع المرفوضة من قبل السلطات لكنه في الوقت نفسه لا يرتضي المس بالمسلمين الآمنين بأي سوء أو العبث بمقتدر اتهم أو ممتلكاتهم أو بأرواحهم أو أعراضهم فالمال يعادل الروح كما قيل في السلف والمال والنفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق من الضروريات الخمس التي ضمنها الشرع لكل المسلمين وهي ( النفس والمال والعرض والدين والعقل) فهي خطوط حمراء في الإسلام لا يجوز الاقتراب منها.

 

 الجانب القانوني

المحامي والحقوقي (زياد طارق علي) بين لنا الأحكام القانونية قائلا أن هناك «مشكلة قانونية أصلا باختيار الموضوع نفسه حيث إن جريمة الانتحار (حرقا) هنا لم يحددها القانون ولم يعالج طرق وكيفية الانتحار وإنما تناول القانون موضوع الانتحار بشكل مطلق فإذا تم الانتحار فانه لا تؤخذ أي عقوبة بحق المنتحر ولا ورثته ولا توجد أي أحكام أو حتى على ميراثه أما الشروع بالانتحار وفق مادة 408 الفقرة الثالثة و(الشروع) يعني محاولة الانتحار هذه تنص على انه لا يعاقب على من شرع في الانتحار لكن هنا القانون حدد عقوبة على من حرض أو ساعد بأي وسيلة على الانتحار وهذا (إذا تم الانتحار بناء على ذلك التحريض) وتكون العقوبة للمحرض (السجن) مدة لا تزيد عن سبع سنوات في حالة إذا كان المنتحر لم يتم الثامنة عشر من العمر أو كان ناقص الإدراك أو الإرادة أو لديه خلل عقلي حينها يعاقب المحرض على الانتحار بعقوبة القتل العمد أو الشروع بالقتل العمد، أما إذا حرض على الانتحار ولم يتم الانتحار في هذه الحالة تكون العقوبة (الحبس) وهنا يوجد فرق بين (الحبس والسجن).

فالحبس:- هو احتجاز من مدة يوم واحد إلى خمس سنوات حسب ما تحدد المحكمة أما السجن:- فهو من خمس سنوات فما فوق وهناك مادة 342 الفقرة الرابعة تقول تكون عقوبة الإعدام أو السجن المؤبد لأي جريمة حريق يرتكبها شخص تفضي إلى موت إنسان.

وأضاف: أما في حالة اكتشاف إنها من ضمن جرائم الشرف أو غسل العار فقد حدد لها القانون عقوبة تختلف عن عقوبة القتل ويكون فيها أصلا مادة مخففة وحددت بقوانين غسل العار، لكن موضوع غسل العار لا يسمح بالحرق لأنه في هذه الحالة يضاف له جريمة التمثيل بالجثة أو التمثيل بالقتل أي انه لا يستخدم الحرق وإنما يستخدم جريمة أخرى أو طريقة أخرى لغسل العار ويبقى الحكم للقاضي في جرائم غسل العار وتتراوح مدتها أحيانا من 3-7 سنوات لكن في حالة الحرق يعتبر ظرف مشدد لأنها طريقة بشعة ووحشية ويبقى الحكم للقاضي هو من يبت فيه وان اغلب حالات الانتحار حرقا بالنار تحدث عند الخلافات الزوجية الحادة وهنا إذا لم يحرضها الزوج على الانتحار والزوجة هي من قامت بذلك فلا يترتب عليه أي عقوبة قانونية وإذا اثبت التحقيق فيما بعد بان الزوج هو من احرقها أو من حرضها على الانتحار حرقا فتطبق عليه الأحكام التي سبق ذكرها في أول الحديث. 

وتابع : ان القانون ضمن للزوجة حق الكرامة وعق العيش واخذ حقوقها دون اللجوء إلى الانتحار بأي وسيلة من الوسائل ففي حالة اكتشاف الزوجة إن زوجها خائن للعشرة الزوجية فلها الحق في تقديم الشكوى وتفرض عليه العقوبة وفق المادة 377 الفقرة 2 وهي الحبس بدل أن تلجأ إلى الانتحار وكذلك لها الحق بالتفريق مقابل اخذ حقوقها الزوجية كاملة عن طريق تقديم دعوة لمحكمة الأحوال الشخصية التي تضمن لها حقوقها بالكامل.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2