تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


زينة.. من دار للأيتام إلى قصر الى الموت غرقاً


وداد إبراهيم

«كان يوما عاديا مثل باقي الايام، باردا كئيبا تحيطه نظرات ام سالم والتفاتات نهى المربيتين في بيت المشردات، والذي دخلت فيه قبل ادراكي لعمري، فلم اعرف لي عائلة، ام او اب وكنت كلما سألت هذه الوجوه الكئيبة عن امي استمع للجواب ذاته: كلنا هنا بالنسبة لك امهات، لكني اعرف ان للطفل اما واحدة وليست امهات، لم اشعر بدفء ام سالم وهي تضمني حين اقع في شجار مع (زهرة) تلك الفتاة السمراء والتي كانت تنافسني في كل شيء،


 ولم اشعر بأني امام ملامح تضمر لي الحب وانا اشتكي ضياع لعبتي او عبث زهراء بها للمربية نهى، والتي اختارت المبيت في الدار (دار المشردات) لتهرب من جحيم زوجة ابيها وتستقر في هذه البناية التي ضمت عشرات الايتام من البنات».

نعم لم يكن اليوم يختلف عن الايام الباقية حتى شاهدت ام سالم تتسابق مع نهى وامامهن المديرة مريم، فركضت لاتطلع الى الحدث الجلل الذي استفز الجميع، فإذا بسيدة فارعة الطول ذات وجه ابيض لامع يدل على غنى وراحة والترف وتلف جسدها الممتلئ عباءة وخلفها رجلان او بالاحرى شابان يرتديان بزه عسكرية خضراء اللون، جلست في غرفة المديرة وظل الكل واقفا، اقتربت من الباب ودخلت وكأني في عالم غريب، اول ما لفت انتباهي العطر الذي غطى جو الغرفة، كنت استمع لحديث تلك المرأة ونقاشها مع مديرة الدار الا انني لم افهم شيئا حتى دعتني المديرة للدخول والمثول امام تلك السيدة والترحيب بها، وارسلت في طلب منافستي زهرة، ولم اعرف ما هو سر الموضوع حتى كنت في تلك السيارة الفارهة مع تلك السيدة التي وجدتها لاتشبه اي سيدة اخرى، فكل ما فيها يدل على الترف والغنى والراحة، ولم اكن وحدي من تسمر امام ملامح هذه السيدة فزميلتي في الدار زهرة هي الاخرى كانت تنظر اليها بتعجب حتى توقفت السيارة امام باب كبيرة وما ان ترجل السائق ليفتح الباب، تطلعت الينا وهي تقول: هذا هو بيتنا وستكونان بناتي، دهشت ان اكون انا من فازت بعائلة ام واب حقيقيين ان كانت هي من اختارتني او رشحتني لذلك مديرة الدار وان كان اي من الامرين فأنا من فازت لاكون في عائلة، شعور غريب انتابني قد لا ينتمى الى السعادة بل الى شيء اكثر منها، وكنت اتحسس ذلك وانا امسك بتلك اليد الناعمة، وكانت تمسك بزهرة باليد الاخرى.  

 

من بيت الايتام الى قصر

ضغطت بقوة على الجرس الخارجي للبيت، وكأنها تريد ان تعطي لمن في البيت انذارا بقدومها بالأخص وان الممر طويل توقفت فيه سيارتان، وما هي الا لحظات حتى شاهدت فتاتين في العشرينات من العمر تقدمن نحونا احداهن كانت تلبس بزة المطبخ وتشد شعرها بربطة ملونة، فيما لم تكن الاخرى مثلها شعرت بأن لكل واحدة مهنة تختلف عن الاخرى، (عمه هل هن شقيقات؟ وكم اعمارهن؟ ومن اي ملجأ جلبتهن؟) هكذا سألت احداهن، الا ان السيدة اجابت باشمئزاز: هذا ليس من شأنك اذهبي واخبري عمك بأني جلبت له ما اراد،  وما ان دخلنا حتى لفت انتباهي ذلك الشيء الازرق المتحرك وفوقه عمود حديدي ينتهى الى شبكة وعلى جانبه سلم حديدي صغير وما ان اقتربنا من باب الدخول حتى اعتقدت انه بحيرة من الماء داخل الحديقة. 

كانت يدي حتى اللحظة تحتضن يد تلك السيدة حتى دخلنا البيت فباغتتني رائحة طيبة نقلتني الى عالم غريب حلقت في تفاصيله، كيف سأعيش؟ ومن سيكون ابي؟ ان كانت تلك المرأة المكتنزة بالحلي هي امي، وهل سيكون لي غرفة والعاب!!!...اكثر من فتاة واحدة جاءت وهي تلبس ملابس مطبخ فيم كانت الاخرى تمسك بيدها مكنسة كهربائية، تقدموا منا وهم يسألون (هل هن شقيقات؟ ولماذا هن بهذا الشكل المقرف) ؟ فيما اشارت تلك الفتاة التي كانت تعمل منظفة الى ان كل من يأتي من بيت الايتام هو مصدر متاعب للبيت، فصرخت بها سيدتها اسكتي سهاد والا قد اعيدك الى الريف الذي جئت منه؟ واكملت: اعملي ما مطلوب منك الان، خذي البنات الى الحمام.

دخول الحمام ليس مثل خروجه انطبق على ما حدث معي في ذلك اليوم.. كنت حتى اللحظة لا أعرف شيئا من ما يحدث معي فكنت حينها في الخامسة من عمري، ان لم اكن اصغر من ذلك، كان المثل القائل دخول الحمام ليس مثل خروجه ينطبق على وعلى زميلتي زهرة، فقد دخلنا الحمام مع سهاد لتغسل لنا وتزيح ما التصق برأسي وجسدي منذ دخولي بيت الايتام  خلال معركة حامية مع الليف والحجارة والصابون والماء الساخن بيد سهاد التي لم تكن يد بل كانت قطعة من الحديد حتى خرجت من الحمام وكأنها قد سلخت جلدي وكان رأسي يئن من تعاقب الفرك والشد والاصطدام برأس زهرة. صرنا جاهزتين للمثول امام رجل البيت، دخلنا غرفة على شكل مكتب وانتبهت على صوتها وهي تقول: ما هو رأيك اتممت معاملة التبني وجلبت البنات معي، رفع النظارة عن عينيه وحدق بنا وهو يقول: كان يمكن ان تجلبي على الاقل واحدة بيضاء فسمعتها تقول له وهي تشير على زهرة هذه وجدت في القمامة في مدينة العمارة، والاخرى امها جاءت بها الى دار الايتام لأنها تقف حجرة عثرة في طريقها للزواج ثانية، احتفظت بتلك الكلمات في ذهني وكنت استعيدها بين الحين والاخ، وكنت المدللة  بالاحرى كنت احظى انا وزهرة بالجلوس الى المائدة معهم فيما كانت الاخريات يعملن في خدمتنا الا انني كنت ارى نظرات الحقد والحسد في عيونهن وما ان ننتهي من الطعام حتى استمع لسهاد وهي تقول: بنات الحرام  لديهم من يقوم على خدمتهن.

زينة والتي سبقتنا في المجيء الى هذا البيت كانت تلمح لنا باننا من الملجأ فيما كانت تؤكد لنا بأنها الافضل ولديها عائلة ونسب، فهي من اقارب صاحب البيت، وكثيرا ما دعتني بأني ابنة حرام، فيما كانت تطلق على زهرة بأبنة القمامة، هذا ما كان يستفزني ويثير غضبي، فيما كانت زهرة هي الاخرى تدخل في عراك وشجار يصل الى الضرب وشد الشعر وفي خضم هذا الشجار انطلقت الى غرفت تلك السيدة وشكوت لها ما تفعله زينة معي ومع زهرة وطلبت منها ان تشهد ما يحدث من عراك بين الاثنتين، وما ان شهدت السيدة منظر العراك حتى صرخت بوجه زينة: سأعيدك الى الدار ان افتعلت مشاكل معهن، وانت تعرفين حين تعاد فتاة من بيت مسؤول كبير في الدولة الى الدار بسبب سوء اخلاقها ماهو مصيرها، هذه اخر فرصة لك لتغيري من تعاملك مع الاخريات في البيت.

 

4 جمعنا بيت الايتام 

 وهكذا عرفت ان البنات الموجودات في البيت جاءت بهن السيدة من بيت الايتام وحين تجاوزن الثامنة عشر عملن باجور شهرية في هذا البيت الذي ضمني وزهرة وزينة وفتاة اخرى تكاد تكون بلهاء واسمها نوران لنكون اربع بنات، كانت تلك اللحظة قد عرفتني بأن زينة التي تكن لي الغيرة والحقد والكره ليست بأفضل مني، وان كنت كما قالت لي سهاد بأن لي اما واب واسمي هو ذات الاسم الذي اطلقته علي امي، الا ان الاخريات حصلن على اسم من قبل مديرة دار الايتام بعد ان صدر به قرار من المحكمة. لم تكن سهاد قد جاءت من بيت الايتام بل جاءت من الريف لتعمل كخادمة، بعد ان جاء بها شقيقها عن طريق احد اصدقائهم وكانت تغادر الى الريف كل شهر وما ان تغيب سهاد حتى تعم الفوضى بين البنات وما ان تعود حتى يتوقف الشجار والعراك والضرب بيننا نحن الاربعة، حتى قررت سهاد بأن لا تغادر الى بيت شقيقها بحجة ان زمام الامور تفلت من يدها لكني سمعتها تتحدث عبر الهاتف وتقول: اذا كانت زيارتي ثقيلة على زوجة اخي فلن ادخل بيتها ثانية والذي يريدني يأتي الى هنا. 

وجود سهاد لم يمنع الكره والحقد والغيرة التي تكنها لي زينة بالأخص حين نخرج لتعلم السباحة في المسبح الذي اعتقدت بأنه البحيرة، تعلمت السباحة بسرعة من قبل سهاد ونوران الا ان زينة كانت تخاف الدخول الى الماء وزهرة هي الاخرى أجادت السباحة وكنا نقضي ايام الصيف كلها في ممارسة السباحة بالاخص فترة الظهيرة كنا نقضيها في اللعب بالماء، حتى كان ذلك اليوم الذي جاءت الينا زينة وهي تصرخ بأعلى صوتها: اخرجن من الماء الان، يا بنات الحرام، لدي اليوم عمل كثير وقد اخذت الاذن من عمتي لتتعلمن العمل في المطبخ، والبيت، فاليوم هناك وليمة لصديقات عمتي هيا اخرجن، كانت زهرة تنظر الي وكأنها تقول لي علينا ان ننال منها الان، ظلت تردد كلمات الغضب والشتم،  حتى اقتربت من حافة المسبح فقلت لها ان كنت تريدين عراك هيا انزلي الى الماء، وما كنت اكمل هذه الكلمات حتى شاهدت زهرة وهي تقف وراءها وتدفع بها الى الماء، لم احرك ساكنا وزهرة كذلك كل منا كانت تتطلع اليها وهي تشهق الماء وتدخل ثم تخرج ومن ثم تصرخ حتى تلاشت زينة، خرجت من الماء وكانت ملابسي قد التصقت على جسدي وتعيق حركتي حتى دخلت من باب المطبخ وصرخت بأعلى صوتي زينة غرقت…



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2