تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


المحمودية طائر رأسه في نهر دجلة و قدماه في نهر الفرات


من كويرش حتى الجنباصيات كان العباسيون يسيرون قوافلهم في هذا الطريق ذاته، بدليل أن آثارا ً من خرائب و أطلال ركامات طين هي قرى عباسية و قصور استخدمها العباسيون متنزهات لخاصتهم، تبدأ من كويرش و هي المقاطعة (9) في حيال (الجاون الغربي) من ناحية الرشيد التابعة لقضاء المحمودية و مرورا ً بتل عمر من مقاطعة (30) في حيال الهتمية، وحتى الجنباصيات في حيال المحمودية (القديمة)،


وينقطع طريق العباسيين في عركوب النبي شيت كلما اتجهنا إلى غرب دجلة لأن الطريق موات غير صالحة للزراعة وتكثر فيها الحصى والأملاح و المواد الجصية الأخرى، فيأخذ طريقهم رجوعا ً إلى طريق (تقاطع بغداد-بابل) ماراً بمقاطعة الحركاوي الشمالي وعلى الشريط الذي يمر في حدود مدينة اليوسفية بين مقاطعة إمام حمزة ومقاطعة الدحيلة، حتى يذهب إلى غرب ناحية اللطيفية.. من بابل الى آشور ونظرا ً للتغيرات التي حصلت في مجرى الفرات بين حقبة وحقبة تاريخية تقدر بمائتي سنة أو أكثر، فإن الأطلال التي تتموج خلال التغيرات هذه، تكشف لي أن العراقيين القدامى ابتداء من دولة سركون الأكدي وإلى آخر عهد عاشتهُ بابل نبوخذنصر، اتخذوا طريقهم من بابل إلى آشور عبر مدينة اليوسفية القائمة الآن، لكن بتعديل طفيف في الأرض التي تحادد الرضوانية وتعبرها إلى مقاطعة وقرى (الكيطمية) و (أبو المعالف) حتى حدود ( أبي دشير الغربية) إلى الكرخ.. وكان الآشوريون يجتازون بغداد عن طريق ناحية (ذات السلاسل) وينعطف نحو (الصابيات) ثم أراضي عقرقوف (أبي غريب) ثم قرية (ديرية وأم محار) التي هي بلا شك من طلائع المدينة التاريخية (أكد) أو أكادة، وهي المدينة التي وحد فيها سركون الأكدي (2752 ق.م) مدن العراق في علم واحد. قرية (المزريجية) وقرية (الجمبلاطية) من الطائرة تشاهد أراضي المحمودية تتجمع شيئا ً فشيئا ً في مخيلتك، كأنها طائر يخفق محلقا بتؤدة و سلام، وترسم خارطتها على شكل طير ملون، رأسه في نهر دجلة و قدماه تحطان في نهر الفرات، وجناحاه أبيضان، الأول يحلق في قرية (المزريجية) والثاني يحلق في قرية (الجمبلاطية) الجنوبية، وكنت بين آونة و أخرى أتسلق بناءً شاهقا ً في هذا الطريق، فأدير رأسي إلى الخلف، فأشاهد مقاطعة (السيدية) تبدو مدينة حديثة بينما كان يراها الرحالة الأجانب في ما مضى صحراء قاحلة بينما كان زميلي المصور قد رسمها في عدسته جامعا ً لأحد الخلفاء بنيت ركيزته على شكل مربع، وتهبط أعاليه بمدرجات أشبه بمدرجات الزقورة البابلية وعلى كل حال فإن الأراضي التي منحتنا في العهود القديمة في هذه المنطقة عطاء البذور الأولى ما زالت تحمل رائحة البذور الأولى وما زال العراقيون وان اختلفت أسماؤهم وبصماتهم ومنازلهم وأسماء أديرتهم و جوامعهم وأسماء أنهارهم وأسماء زعمائهم، ما زالوا يرسمون على هذه الأراضي إصرارهم على العطاء، في كل شيء يحمل البذور الأولى. سلالات العراق في العصر الرابع من العصور الجيولوجية ما قبل التاريخ كان قد حدث انخفاض شديد في أرض المحمودية، وتقارب هنا مجرى الفرات ومجرى دجلة في أقصر نقطة يمر بها الرافدان، إذ لا تتجاوز المسافة بينهما سوى 40 كيلومترا ً، وهذه هي الميزة الأولى التي جعلت هذه الأرض سهلا ً رسوبيا ً يجذب إليه الأدوار الحضارية المتنوعة، وبمغادرتك بغداد تشعر أنك بإزاء انحدارين لهذه المنطقة، يبدأ الأول من الشمال إلى الجنوب، بحيث تصبح المحمودية على ارتفاع 30 مترا ً فوق مستوى سطح البحر، ضمن دائرة عرض (33،12) إلى الشمال، وخط طول (30-44ْ) إلى الغرب، والانحدار الثاني يبدأ من الغرب إلى الشرق أي من الفرات إلى مصرف نهر دجلة، وهذه هي الميزة الثانية لأراضي وسط العراق، وإضافة إلى عوامل أخرى في طبيعة التشكيل الإنساني في هذه المنطقة، كان قد استقرّ نظام متكامل للري، وكان أن جهد العراقي في إخضاع هذا النظام إلى زراعتهِ، فمد شبكة عريضة من قنوات الري وشبكة طولية من الجداول والممرات المائية، وبنى على هذه الشبكات المائية مدنه الأولى ومعارفه الأولى، وليس بمستغرب أن ترى تلول الآثار منبثة على خارطة أراضي المحمودية، وكل تل يشير إلى أن دورا ً حضاريا ً ما أدى دورا ً إنسانيا ً و ذهب، وأن سلالة ما من سلالات العراق حفرت أنهرا ًو أقامت لها صرحا ً من نظام الري و الزراعة ثم توقف فيها النفس وذهبت، وهكذا فإنّ كلا ً من تلك الحضارات كان يؤدي دورا ً بحسب إتقانه ِ للحضارة ولظروف الحياة، لأن أدوارهم كانت حضارية فلابد من أن تبقى أسماؤهم و آثارهم شاخصة حتى هذه الساعة في تلول من التراب وفي مقابر وفي قصور أحالتها عوامل الطبيعة إلى خرائب. قلاع وتلال وبينما كنت أرحل مع انحدارات أراضي المحمودية مرة باتجاه الصحراء الغربية غربي نهر الفرات، وأخرى شمال مقاطعة (الحليجية) حتى بزايز (نهايات) اليوسفية، وبينما كنت أتخطى حواجز البساتين و مزارع العشائر القديمة، شاهدت و سجلت أهم المواقع الآثارية التي حفظت لنا تاريخ الأسر الأولى في هذه المنطقة، ومن أهم هذه المواقع: مدينة (ديرية و أم محار) مدينة سبار وهما من العصر الأكدي موقع (صرير) ويقع في قرية (صرير) ويرجع تأريخهُ إلى عصر العبيد (من العصر المعدني 4500-3800 ) وتعاقب عليه العصر الكلداني (البابلي الحديث) والعصر الفرثي (148 ق.م) موقع محسن و هو مجموعة تلول في أراضي اللطيفية، ترجع بتاريخها إلى العصر المعدني و تعاقب عليها عصر سومر و أكد 2400-2000 ق.م، والعصر البابلي القديم (أيسن، لارسا) 2000-1600 ق.م موقع (وطيوط) وهو مجموعة تلول قد مرت عليها عدة أعصر ابتداءً من عصر سومر وأكد و حتى العصر الإسلامي (636 ب.م) موقع( أبو رميل) وهو ( اشان) يرجع تاريخه إلى العصر الإسلامي الأول. موقع الشيشبار وهو تل يرجع تأريخه إلى العصر الفرثي موقع (الصيكل) يرجع تاريخه إلى العصر الإسلامي موقع الرجيمات (أبو رجيم) ويقع في أراضي الدرويشية وقد تعاقب عليه دور سلالة بابل الأولى. موقع عويرج وهو مجموعة تلول تعاقب عليها العصر البابلي الحديث (625-539 ق.م) والعصر السلوقي و هو من العصور التاريخية القديمة ( 148 ق.م-126 ق.م). تل أبو جرابيع وموقع أبو طنطير وهناك مواقع آثارية كثيرة ترجع تواريخها إلى الفترات الإسلامية الأولى ومنها: تل أبو جرابيع ويقع في منطقة اللطيفية وموقع أبو طنطير الشمالي و الجنوبي ويقع في منطقة اللطيفية وتل الاسحاقي وتل أم الويلاد وتل (حطيحط) الشرقي وتل الحمزة وتلول عطوان وتلول القرغوليات وتل نامير و تل أبو غزف ويقع في أراضي الدويلبية وتلول الحركاوي وتلول الحمر (جرعة) التي تقع في أراضي الزنبرانية وتل عذاب ويقع في أراضي شكري المحمود القديمة وتل عكر سعدان ويقع في أراضي سعدان وموقع عمر (خيط) ويقع في أراضي طرفة بن حمد القديمة و تل عواشة ويقع في أراضي خضير وتلول الملك وتقع في أراضي زيدان الخلف وتل (ديسير)، ويقع في أراضي (أبو عوسج).. وكنت كلما أمر بقرية قديمة أجد جدولا ً مندرسا ً أو خربة تشير إلى مئذنة أو محراب انطمست ملامحه، بل شاهدت سطوحا ً من أرض هشة حمراء أو صفراء تذكرك أن في باطنها قرى قد يرقى تأريخها إلى زمن سركون الأكدي مؤسس الدولة السامية الأولى، ومع أن كثيرا ً من أسماء المقاطعات قد تبدل اسمها القديم، وان قرى اختلطت بقرى جديدة، وأن ممرات مائية جديدة التحمت بجداول قديمة، الأمر الذي جعل الوصول إلى تلك الآثار صعبا ً غير أني بدأت أبحث عن تلك الآثار عن طريق خرائط التسوية وخرائط الآشوريين والبابليين والعباسيين وبمساعدة بعض موظفي التسجيل العقاري ورؤساء العشائر، ومن الطريف أنه حينما كنت أسأل بعض مسؤولي الإدارة المحلية في تلك المناطق عن مواقع آثارية تقع ضمن مسؤولياتهم الإدارية، كانوا يهزون رؤوسهم بالنفي وكأن هذه المواقع تقع في بلد آخر.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2