تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


صحفيات في المناطق الساخنة بين الموت والحقيقة ونظرة المجتمع


نرجس- خاص

اعتاد الصحفيون تسليط الضوء على الأخبار والأحداث المهمة ونقل معاناة الناس وخاصة في المناطق الساخنة لكنه لم يسبق أن سُلط الضوء على تفاصيل حياة الصحفيات اللاتي يعملن كمراسلات في المناطق الساخنة لنقل الأحداث الأمنية هناك، وما بين الكواليس وخلف شاشات التصوير وما يحدث لهن وكيف هي حياتهن في ظل أجواء مهنة الموت التي قد تخسر المراسلة هي وطاقمها الصحفي حياتها بسبب زيارتهم لمناطق العنف أو تغطيتهم أخبار الجماعات المسلحة، 


أو قد تكون الكلمة الحق التي تنطق بها  اكبر سبب لتعرضها للتصفية الجسدية أو للتهديد من جماعات مسلحة وربما تكون عرضة لان تقع رهينة بأيدي مسلحين، حيث امتاز العراق في الآونة الأخيرة وخاصة بعد عام 2003 أن يكون البلد الأكثر في دول العالم يتعرض فيه الصحفي بصفة عامة للعنف والمرأة الصحفية بصفة خاصة للخطر والتنكيل والخطف والاغتيال حيث قدم العراق قرابة (391) شهيدا من الصحافة وقرابة (200) معوق من الصحفيين أثناء تأديتهم للواجب الصحفي، وهاجر قرابة ألف صحفي خارج البلاد جراء الضغط والتنكيل والتهديدات والخوف الذي تعرض له وهناك (18) صحفيا لا يعرف مصيرهم لغاية ألان بعد اختطافهم من بينهم امرأتان صحفيتان اختفيتا بعد خطفهما، كما وتعد ابرز شهيدات الصحافة العراقية بعد اختطافها وبقيت صورتها ملصقة في ذاكرة الجمهور العراقي والصحافة العراقية (الشهيدة أطوار بهجت). وان هذه النتائج المرعبة لعمل المرأة كمراسلة في القنوات الفضائية ساهم في تحجيم عدد العاملات في مجال الصحافة وتقليص النظرة المجتمعية للمرأة العاملة في المجال الصحفي ورفض العوائل العراقية عمل بناتهم في هذا المجال حفاظا على أرواحهن وسلامتهن ناهيك عن النظرة الاجتماعية الضيقة التي ينظر بها للمرأة الصحفية، واعتبرت الصحافة مهنة اقتصرت على الرجال فقط وغيبت دور المرأة وخاصة في بعض المحافظات العراقية التي تعتبر الصحافة هي أيقونة ذكورية لا يحق للمرأة التقرب منها أو العمل فيها، وإذا اقتربت من هذا العمل فسوف يتم ابتزازها من المكون الذكوري وتعرضها لمحاولات المساومة والابتزاز وإشغالها لتغطية مساحات صحفية لا تليق بأخلاقها الاجتماعية وزجها في مجال المنافسة لعرض المفاتن والجمال دون أداء الرسالة الحقيقية لمهنة الصحافة، حتى باتت الفكرة الشائعة في نظر الناس عند ذكر كلمة صحفية يرسم في مخيلة المتلقي إنها عبارة عن كائن يجيد ارتداء الملابس مبتذلة وازدحامات لونية على معالم الوجع وسمسار لمساواة ذكورية لحل نزاعات بين المرؤوسين، وعنصر ترفيهي لتلطيف أجواء العمل الصحفي دون امتلاكها الخبرة الصحفية أو الرسالة الشريفة لمهنة الصحافة، ويبقى التساؤل إذا كان الرجال الصحفيون لا يسلمون من التنكيل بهم في المناطق الساخنة فكيف للمرأة الصحفية النجاة من مثل هكذا ظروف وبالأخص بعد أن أعلنت الجمعية العراقية للدفاع عن حقوق الصحفيين في ندوة حوارية عن العنف ضد المرأة الصحفية استعرضت خلالها أنواع الانتهاكات التي تتعرض لها الصحفيات في العراق.

 وقال إبراهيم السراجي (رئيس الجمعية العراقية للدفاع عن حقوق الصحفيين) إن العنف الذي يطال الصحفية العراقية هو نفس ما يواجهه الصحفي في العراق من اعتقال وتهديد واغتيال وضغوط وان في عام 2014 حدثت حالتين اغتيال طالت صحفيات عراقيات في صلاح الدين والموصل، وفي الندوة نفسها أكد السراجي إلى تعرض الصحفيات العراقيات للتحرش الجنسي داخل بعض المؤسسات الإعلامية وان الصحفيات يرفضن الكشف عنها خوفا من تشويه السمعة لاسيما وان مجتمعنا مجتمع ذكوري وكذلك احتراما ً لمشاعر ذويهن وخوفا على صيت العائلة وسمعتها، ولفت ألسراجي إلى إن المؤسسات الإعلامية تغبن حق المرأة في الحصول على المناصب الإدارية وكشف إن مؤسسة إعلامية واحدة في العراق تديرها امرأة من أصل أكثر من 250مؤسسة إعلامية تدار من قبل الذكور أي إن نسبة العمل الصحفي النسوي في إدارة الإعلام اقل من واحد في المئة.

 

تركت العمل الصحفي 

صحفية فضلت عدم ذكر اسمها احتراما لسمعة عائلتها واسمها الصحفي حيث عملت في احد المؤسسات الإعلامية وكان الملفت للنظر إن رضا مسؤول المؤسسة الإعلامية كان بالغ الرضا عنها حتى بدأ بتسليمها منصب مديرة القسم الإعلامي والكلام لها حيث تقول «كنت أتوقع انه يسلمني هذه الميزات تلو الأخرى تقديرا لعملي وتميزي الصحفي لكني لم اعلم ما كان يبيت لي من نية حتى ذهبنا في مهمة إلى اربيل بواجب صحفي وكان الطاقم الصحفي معنا وهو لأول مرة يخرج معنا في الواجب الصحفي وابلغنا بعد إنهاء مهمة العمل نذهب للاستراحة في اربيل كنوع من المكافأة على إتمامنا العمل وبعد وصولنا إلى اربيل بعث بالسائق ليطلبني للذهاب إلى غرفته في الليل وقال لي بالنص «عليك أن تراعي مديرك كما يراعيك»، لم افهم ماذا يقصد فعاد السائق ليقول «أنا مثلما مدحتك أمام المدير استطيع أن أذمك وارفع كل ما حصلت عليه من ميزات فاذهبي من سُكات إلى غرفة المدير».

 حينها علمت وبصدمة انه يطلب مني عملا لا أخلاقي اضطرني على الفور لرفع صوتي عليه ونشوب مشكلة معه وفي الصباح الباكر عدت إلى بغداد وانتظرت قدوم طاقم العمل من اربيل وقدمت استقالة وأنا الان اجلس في المنزل ولا أزاول العمل الصحفي لأني بصراحة صدمت كيف يتجرأ لمثل هكذا طلب وهو رجل يعرف والدي وأهلي وزوجي وبالمقابل لم استطع أن أبوح لوالدي أو زوجي عن سبب تركي للعمل أو استقالتي وتحججت بقلة الدخل المادي مقابل الجهود المبذولة واني اشعر بالندم الحقيقي لأني أكملت كلية الإعلام وكنت أتوقع إن العمل الصحفي هو عمل شريف لكنه اتضح انه مجال تخيم عليه أفكار وتصرفات موبوءة لنماذج تشتري أقلام الصحفيين وأعراض الصحفيات..  

وأثناء حديثنا معها قالت:  أنا أؤمن بعملك لأني اعرف إن مسؤولة عملك امرأة لهذا أنت ستقومين بنقل الحقيقة دونما تشويه لكن لو كان مسؤول عملك رجلا لما أعطيتك ولا كلمة لأني بصراحة سأشك حينها في قدراتك الصحفية.. لكن صراحتها المفرطة لم تثننا عن إكمال التحقيق، وكان ردنا عليها إني كنت أتوقع أن اسمع منك الأشد لان لقاء الصحفيات لا بد أن يكون إيقونة استجواب مشتركة فبدل أن أسالك بدأت أنتي بتوجيه لي الأسئلة.

الصحفية إيناس إبراهيم مراسلة قناة الصين العالمية اختلفت تماما في آرائها وطروحاتها فهي تعمل في مؤسسة ليست بالعراق وتحت إدارة صينية مما يعني اختلافا كاملا في طبيعة الطروحات الفكرية لكادر العمل الصيني الذي تعمل معه ..وأجابتنا مشكورة عن طبيعة عملها ومشاعرها ..حيث تعمل كمراسلة حرب ومترجمة ومحررة أخبار في قناة الصين وتذهب للمناطق الساخنة مع كادر قناة الصين والذين غالبيتهم من الصحفيين الصينيين وعندما سألناها عن مخاوف الخطف والقتل والتهديد والمساومة التي تتعرض لها المرأة الصحفية في هذا المجال أجابت:- 

-بصراحة ليس لدي أي مخاوف من القتل أو الخطف لأننا لا نذهب بمفردنا إنما بصحبة الجيش العراقي أو احدى الميليشيات المعروفة لكن عندما ذهبنا لمنطقة أبو غريب سيطر الخوف على المصور بسبب ما تناقلته بعض وسائل الإعلام من خبر كاذب حول دخول داعش إلى أبو غريب فكان المصور خائفا جدا مما انعكس على حالتنا النفسية وأربكنا رغم تطمينات عمليات بغداد التي رافقتنا وأكدت لنا بعدم وجود ما يثير القلق والخوف وبالفعل وصلنا وتجولنا في أسواق أبو غريب وكانت والحياة كانت طبيعية جدا.

 

المرأة بطبيعتها كتلة مشاعر فكيف تؤثر هذه الواجبات إلى المناطق الساخنة على حالتك النفسية وطبيعة تعاملك مع الناس هل تشعرين بعد كل واجب انك تحتاجين إلى استجمام نفسي يلملم مشاعرك؟

-بالنسبة لي اعتقد بما أني أعيش في العراق واعمل منذ سنوات في أجواء لا تقل خطورة بل تزداد الخطورة وبشكل يومي ومع ضغوط العمل بسبب زيادة عدد التقارير المطلوبة وتغطية ما يحدث اشعر كثيرا بالحاجة إلى سفرة قصيرة للراحة النفسية لكن بالوقت الحالي ومنذ بدء أزمة داعش لا نستطيع اخذ إجازات بسبب كثرة العمل ومع هذا فانا لا اعتقد إن الصحفي أكثر عرضة للازمات النفسية فربما هناك من يعمل في أماكن أكثر خطورة فالصحفي عمله اقل من الجندي الذي يدافع ويقاتل في سبيل الوطن كما إني احزن كثيرا وأتأثر عندما اسمع بمقتل صحفي أو اختطافه أو اغتياله فالصحفي هو إنسان مستقل وعمله ينقل الحقيقة فقط ويجب إن لا يكون طرفا في النزاعات والصراعات المسلحة .

 

هل قانون حماية الصحفيين الذي أقرته نقابة الصحفيين العراقيين كاف لحماية الصحفي وبالذات المرأة الصحفية؟

-لا ..سمعت بهذا القانون ولا أؤمن به واعتقد انه حبر على ورق وربما بعد موت الصحفي يعمل القانون لصالح ذويه لكن في حياة الصحفي لا يستطيع أن يردع عنه مكروه ونحن الصحفيات رغم كل ما نتعرض له من متاعب فنحن نشعر بالقوة فالروح المعنوية لدى المراسلة الصحفية تكون دائما عالية لأنه إذا لم نتمتع بالروح المعنوية العالية لا نستطيع إن نسيطر على الوضع ولا نقنع الجمهور بصدق الرسالة التي نبعثها من مكان الحدث وعندما نخرج في واجب نمتلك ثقة قوية بجيشنا وقوته والحشد الشعبي وعشائرنا العراقية في المناطق الغربية لأنهم أهلنا ولن يتخلون عنا في المواقف الصعبة وأحيانا تقرير واحد ينشر من موقع الحدث ينشر الكثير من الطمأنينة ويزرع الأمل في قلوب الكثير من الناس، كما إننا حين نذهب في واجب ما لا نبلغ أهلنا بطبيعة هذا الواجب أو مكان الواجب حفاظا على مشاعر العائلة من القلق والخوف على سلامتنا وحتى لا نثير جو العائلة فانا حين اشعر إن أهلي قلقون بسببي لا استطيع التركيز في العمل فاخفي ذهابي للمناطق الساخنة عنهم وهذه الحالة علمتني الكتمان في العمل هو من يجلب النجاح.

 

ديالى تفرغ من المراسلات الصحفيات

أما محافظة ديالى فقد فرغت تماما من المراسلات الصحفيات بشكل كامل رغم بحثنا لكننا لم نجد حيث جزم لنا مراسل قناة الشرقية (سيف طلال) في ديالى إن هذه المحافظة تخلوا تماما من المراسلات الصحفيات إلا ما ندر وهناك مراسلات يعدن على الأصابع وهن لا يخرجن في واجبات في هذه المناطق بسبب الطابع العشائري في ديالى، والتي دائما ترفض العوائل عمل بناتهم بهذه المهنة وهو يكون السبب الرئيسي في اختفاء المراسلات الصحفيات في ديالى، ناهيك عن الوضع الأمني الصعب الذي تعاني منه المناطق الساخنة وهذا يعتبر خطر بالنسبة للنساء وكذلك لا تستطيع أي مؤسسة أن تعرض سلامة المراسلات الصحفيات للخطر كون النساء يعتبرن خطوط حمراء في التقاليد العشائرية والعربية يصعب التضحية بهن وزجهن في مناطق خطرة خشية على سلامتهن، كما إن طبيعة الأوضاع الساخنة تجبر أحيانا المراسل الصحفي العبور والركض كما حصل معي فأحيانا اعبر من على الجدران للهرب من مداهمة مفاجئة لمسلحين فإذا كانت مرأة كيف ستهرب!



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2