تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


أمجد الزهاوي (1882 – 1967)ميز بعدالة ابعد من عدالة القانون، ونظر الى (الحق المغتصب) نظرة حكيم متصوف


حميد المطبعي

امجد الزهاوي (1882 – 1967) اسس ورأس (جمعية انقاذ فلسطين) في ثلاثة عقود ، ولأنه جمع الى لقب العلامة .. علوم الفقه والدور الرسالي ، لقبه المؤرخون (بشيخ العلماء) ورأس اتحادهم في (رابطة العلماء في العراق) عام 1953 ، وكان رجل دين : عربي العقيدة ، متنورا .. ولسانه بحجم عقله الاستقرائي..!


تتحدث وثائقه بأنه : امجد ابن الشيخ محمد سعيد (مفتي بغداد) ابن الشيخ محمد فيضي (مفتي بغداد) .. ثم يستمر نسبه حتى يصل بالامير سليمان باشا (عميد اسرة آل بابان) حيث تقول احدى روايات نسبه بأنه يتصل تدرجا بالقائد العربي خالد بن الوليد المخزومي ، ويؤكد هذا التوريث السلالي الشاعر المشهور جميل صدقي الزهاوي (عم الشيخ امجد الزهاوي) اما شهرتهم بالزهاوي فهي نسبة الى قرية (زهاو) على الحدود الشرقية ، حيث هاجر اليها جد الشاعر جميل صدقي وفيها تزوج بسيدة زهاوية وانجبت له والد جميل صدقي ولقب بالزهاوي على هذا التخريج .. لكن هذا النسب الذي أورده الشاعر الزهاوي المتصل بنسب خالد بن الوليد غير دقيق في عرف روايات نسبية اخرى : اذ تذهب الى ان الزهاوي اسرة من ( آ ل بابان ) كردية عريقة ، من الاسر الكردية الرئاسية التي تأسست في ( منطقة بشدر ) بشمالي العراق في بداية القرن التاسع عشر ، وما زال قائما في تلك الروايات النسبية .. !

ولد الشيخ امجد الزهاوي في بغداد ، في اسرة اصطلح عليها مؤرخون ( بأسرة الفتاوي ) لأنهم اختصوا وتصدروا الفتاوى في العراق ، وكان الفقه طريقهم الى مركز الفتيا .. وعلى والده اتقن قراءة مباديء النحو والاداء اللغوي ، واتقن الحوار مع الكبار ، وهي الطريقة الاولى المفضلة في الاسر الرئاسية التي تهيء شبانها الى ترؤس وتزعم الجماعة ، وحيث برع الشيخ امجد في صياغة حواره في مجلس اسرته الادبي بدأ لمرحلة اخرى ..!

فقد تلمذ لثلاثة من اساتذة الاجتهاد الديني : 

الشيخ عباس القصاب ( 1859 – 1916 ) .. وعليه اكمل دراسة علوم ( الجادة الصغرى ) واجازه : ( انت فطرة ونباهة في تحصيلك ) .. 

الشيخ غلام رسول الهندي ( ت 1906 ) ، وبه تخرج في علوم (الجادة الكبرى ) وعرفه على فقه يفحص به احوال ومشاكل العامة ، وكان يقول له : ( .. انت الان مهيأ لأن توزن ضميرك بين ضمائر الناس ) في اجازة اتاحت له ان يفصل في الشؤون العامة ، ولاسيما في الاحوال الشخصية .. !

السيد محمود شكري الالوسي ( ت 1924 ) وتعلم في حضرته طريقة البحث عن الادلة العقلية في الحكم على قضية دينية ، واعجب به الالوسي قائلا : ( .. انت ذو نظر صائب لأنك تنهج الاثر ) .. وكان طلبة العلم اذا تخرجوا بطراز القصاب والهندي والالوسي ، امتازوا بالالمعية الفقهية : وعي بالاثر القديم وتوازن في تقديم الحجج .. ) ! 

وكان لابد من أن يدرس الاطار القانوني كي يتسع في علم الفقه ، فرحل الى الاستانة وأنتمى الى ( معهد القضاء – مدرسة الحقوق ) ودرس فيها الطرق القانونية لاستنباط الفتاوي من حالات تعرض عليه في المحاكم اذا اراد ان يصبح قاضيا في ( الاحساء ) ومفتيا فيها . . وحتى عام 1920 مارس القضاء في البصرة ورأس قضاء الموصل ، وفي عضوية محكمة استئناف بغداد ، وأشتهر في كل ذلك القضاء : عادلاً صارماً ، واقام التوازن في أدب القضاء العربي . . ! 

ومارس المحاماة 1920 – 1921 . . بعمامة لاتتوكل دعاوى الاعلى ضوء التشريع الاسلامي ، مدعوماً بثقافة أسرته الفقهية ، وبتجربة مستخلصة من أضابير الماضي العفيف، فكانت محاماته وسيلة نجاة الذمة وليست وسيلة جمع المال الحرام ، وكان أثناء مرافعاته يقول للقضاة :  (المحاماة درس لفقه الناس فأتبعوه). . ! 

وأستمر على حقوق وزارة الاوقاف ، فكان : مشورة تحققت فيها عدالة الاطراف كافة         1921 – 1922 . . ونقرأ في اضبارته ان الشيخ امجد شرعي في قراره ، اذ مزج فيه حصافة في الاداء وحصافة في تعيين الحق العام ، ونجح أديباً قضائياً . . ! 

وكان بين فترة وأخرى من حياته يمارس التدريس وعلى طريقة اساتذة الفقه الشرعي القدامى في الجوامع . . فقد درس ( المجلة – الشريعة ) في كلية الحقوق ، وعلم الطلبة كيف يطيلون النظر في حالة وكيف يعالجون مسألة شائكة بفقه وبمنطق وفي اطار الحالة الاجتماعية المعينة ، وجيل من المتخرجين به أعترفوا بفضل عقليته عليهم ، فقد افادهم بتشريع العقل فقهاً ، وبتشريع الحالة الاجتماعية قانوناً . . ! 

وكذلك درس في ( جامعة أهل البيت ) وفي جامع الامام الاعظم وفي مدارس الشرطة ، ويلقي محاضراته جامعاً شاملاً : ينير العقل بداية ثم يجعل العقول جدلاً ، وتلك كانت غايته : ان ينقل الطلبة الى حركة الواقع ، ويعالجونه باسلوب اطباء النفس ، بالتقوى أو بتسبيب الظاهرات . . وكان في الوقت ذاته لايفارق التدريس في ( المدرسة السليمانية ) العلمية ، فنهج فيها نهج والده بالتدريس فيها وهو ان يخرج طلبة على مستوى ائمة الخطابة : خطباء عاملين ، يجعلون العلم او النظرية واقعاً اذا خطبوا على الملأ ، وحين اشتهر مفتياً بتقوى القلوب واستاذاً اول لرجال العلم نيطت به رئاسة مجلس التمييز الشرعي ، وربح وقائع قانونية كانت مثالاً على ادب القضاء .

فميز بعدالة ابعد من عدالة القانون ، ونظر الى ( الحق المغتصب ) نظرة حكيم متصوف فأرجعه الى اهله ، وكان كما قال : ( يعالج الحق بضمير أشمل وأوسع من القانون ) فخلد فيه رضي النفس ، وخرج من الوظيفة عام 1947 . . وربح تاريخه ، بل ربح ثمن نزاهته . . ! 

وكان مرجعية في الافتاء ، اذ امتلك حصانة في داخله جعلته يصدر الفتوى بحرية المجتهد المتبحر في علومه الاستدلالية ، ومئات الفتاوي اصدرها وهي تجيب على مسائل الاحوال الاجتماعية ، معقدة او غامضة ، ارضى بها ضميره الفقهي اولاً والمستفتين السائلين ثانياً ، وبلغت عدة مجلدات ، صدر بعضها في كتاب ( الفتاوي الزهاوية ) وهو جزآن بتحقيق حسن العاني في اواخر ثمانينات القرن العشرين . . وكان الزهاوي قد أصدر في عام 1925 ( الوصايا والفرائض ) في فقه الاحوال الشخصية . .  عدا دراساته وأجوبته التي نشرت له في الصحافة فيما له صلة بسياسة الواقع . . . ! 

وفي سجله الاخر : يبدو الشيخ الزهاوي . . المصلح الاجتماعي الوطني ، فمنذ تخلقه بدور العلم انحاز الى الرأي العام ، بثوراته وانتفاضاته الوطنية ، فقد كان مع حركة الجهاد على المحتلين الانكليز 1915- 1921 ، ومع هموم العرب ، عندما رأس جمعية انقاذ فلسطين وزارها وتفقد ثوارها في اراضيهم عام 1948 ، او عندما رأس تبرعات لثوار الجزائر ، وطاف ارجاء العالم الاسلامي يخطب في نصرة احرار العرب ورأس مرتين مؤتمر العالم الاسلامي في كراجي 1953 وفي القدس 1954 باحثاً عن حرية ثوار العرب ، انما كان تاريخاً ورسالة اسمع بها صوت التاريخ العراقي بلغة المبشر الامين !    



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2