تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


محمود شكري الآلوسي(1856 - 1924) قاوم العثمانيين والانكليز ورفض المناصب المرموقة


حميد المطبعي

محدث، فقيه، أديب، مؤرخ، وكان بحكم وثائقه التاريخية، أحد رواد اليقظة الفكرية في العراق في بحر القرن التاسع عشر، وهو في الثلاثين من عمره نال أكبر جائزة عالمية في زمانه عن موسوعته (بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب) وهو في ثلاثة أجزاء، وكان قد ألفها استجابة لطلب من لجنة اللغات الشرقية في أستوكهولم ومنح عليها وساما ذهبيا رفيع المستوى من قبل أوسكار الثاني ملك السويد والنروج . . 


الذي بعث للألوسي قائلا : (. .أنت أحد اركان الإصلاح الإسلامي في العالم . .) واحتفلت به الصحف العالمية، ومما قالت : (الحجة الالوسي ضليع في علم العرب، جلي العقل والتصور . .) وشبه الكونت كارلودي، دعوة السيد الالوسي بدعوة جمال الدين الافغاني، وقال في صحف السويد : ( حرر الاسلام من قيود التقليد . . )، وما زال لاسمه وسمعته ايقاع خاص في اعماق المؤرخين . . !

وارتفع اسم الالوسي الى مقام الرواد، لما بدأ في عشريناته يخط له منهجا خاصا في دعوته الفكرية الاسلامية، وكانت افكاره تنشر في صحف مصر وبلاد الشام وملخصها : 

1- الاجتهاد الاسلامي مستقل عن السلطات العثمانية .

2- اشتقاق المسألة الفقهية يعد من ابتكار العقل المستنير المستقل . 

3- تحرير الجوهر الاسلامي من قيود التقليد .

وكان يبث هذه الاسس ( التي شكلت اطارا ديناميا لأفكاره ) في جوامع بغداد في خطبه او في حلقات التدريس او في رسائله الى العالم الاسلامي، وامتد تأثيره الى الاستانة، وكثر طلابه ومريدوه، مثلما كثر حساده ومعارضوه، وصار السيد الالوسي بعد نيله جائزة من ملك السويد، عقدة مستعصية تقوض هيبة السلطان العثماني، واسم هذه العقدة ( محمود شكري الالوسي ودوره في بغداد ) فنصحه الولاة بالكف عن مجاهرته بافكاره الداعية الى فكرة الاستقلال، ولم يقبل نصحهم وقال لهم في كل مرة : ( خلقت واجدادي على منبر الحقيقة ) وضاق به ذرعا والي بغداد الالباني ( عبد الوهاب باشا ) وقام كتب الى السلطان العثماني ( ارادته ) في سنة 1905 . . ( اجلبوا الالوسي من بيته مخفورا الى الأستانة . . ) وقبض عليه وكتفوا يديه امام ملأ من الناس وحين مر موكبهم في الموصل ارتج علماؤها وأحرارها وأبرقوا للسلطان واستنكروا فعل الجندرمة، فأمر السلطان بالعفو عنه وبقي في الموصل مخفورا شهرين حتى عاد الى بغداد وفي عينه زهو انتصاره وأرتفع شأنه بين الطبقات كافة دورا ومنبرا . . وغدا هو الضياء الاول في عتمات الزمان العثماني، مبرهنا : أن الدين هو الحرية، بل هو السبيل الى الخلاص من العثمانيين . . ! 

والالوسي أيضا، كان الركن الرئيس في توسيع قاعدة الادب العربي، وفي مقدمة أعمدة النهضة الادبية في العراق، بعد أن أمسك بزمام تحرير القسم العربي من جريدة الزوراء سنة 1889، وأراه هو الاديب الاول الذي حول جريدة الزوراء الى ساحة جهاد لغوي فقد ساعد المنشئين على ضبط لغتهم ونحوهم وبلاغتهم وكتب يبشر بالفصحى وينشر القطع الادبية كنماذج يعلم فيها الشباب الاسلوبية الفنية في النثر العربي كأنه كان في دعواته في الزوراء يدعو إلى أمة عريبة تجاهد كي تتنفس في ظلمات العهد العثماني . . ! 

ووافقت دعوته لنشر لغة الضاد، رسائله الى علماء العربية في الاقطار العربية، وكان يضمن رسائله ادب الحوار والنقاش ليجعل أدب الرسائل دعوة أخرى في تطوير حركة الاستنارة العربية وجمع الى حب العربية الحوار القومي الرصين والى أصالة التوجيه حيوية الدور الرسالي كان تاريخا وحده في الاسلوب ولي العجمة بمناورة ذكائه . . ! 

وكان على جانب كبير من الفطنة التاريخية وكل ذلك قام على ثلاثة مؤثرات : 

فقد تأثر بجده المعروف بأبي الثناء ( محمود عبدالله الحسيني الالوسي ) حيث كان ثائرا على زمانه (1802- 1854) وتتلمذ محمود شكري لكتبه وسمعته، وأتخذه رمزا واقعيا يشتغل في أيحائه الداخلي، وجعله القدوة المثلى في حركة واقعه الديني والادبي، وكان جده مفتيا على بغداد مؤلفا كبيرا بتصانيفه المتعددة الاغراض . . 

وكان والده ( عبدالله ) علما فقهيا ناسكا زاهدا وبسيرته تأثر محمود شكري ولاسيما في جانبها الاخلاقي والتشريعي . . 

محمود شكري كان نقاوة في نقاوة، ويجتهد الحياة على هذا السياق النقي . هو ذاته محمود شكري الالوسي ولد في محلة الامام العاقولي برصافة بغداد في بيت جده أبي الثناء الأ لوسي الذي عرف بأنه سليل أسرة حسينية حسنية وهو في الثانية عشرة من عمره تتلمذ لأبيه في مبادىء النحو والمعاني وفي السادسة عشرة من عمره تخرج بعمه العالم نعمان خير الدين الالوسي ( في الحكمة والمنطق ) ثم لازم المجتهد أستاذ العلماء ( عبد الوهاب النائب ) فقرأ عليه أصول الدرس الفقهي كما أفاد  من دروس العلامة ( إسماعيل الموصلي ) في الحديث والتفسير، والعلامة ( عبد الرحمن القره داغي ) في العلوم اللسانية، وحين اكتملت فيه العلوم الجادة أو العلوم العقلية والنقلية أستقل في منبره وفي طلابه في عدة جوامع، فتخرج به جيل أحترف العلم والوطنية على منبر واحد كما تخرجت به عدة أجيال أتقنت العربية قوة وأستقراء، ومن تلامذته : ( الرصافي الشاعر وهو السيد الألوسي اسماه بالرصافي ومحمد بهجت الاثري الموسوعي العقل، ووحده الاثري نشر كتب أستاذه الألوسي في كل مكان، كما تخرج به مستشرقون شرقا وغربا ومنهم : ماسينيون .. ) 

وتنسب الآسرة الآلوسية الى جزيرة ( آلوس) على نهر الفرات بقرب عانات ( عنه )، كان قد فر اليها جد هذه الأسرة من بغداد في لحظة مجيء الغازي هولاكو، وعندما أنجلى عصره عاد ذرية جد الأسرة الى بغداد وأنتشرت في جوامعها وفي الوثائق النسبية أن الاسرة الآلوسية علوية الجذر، حسينية المنبت نبغ فيها زعماء وعلماء في عصر المماليك في المائة الثالثة الهجرية وفي الوثائق العثمانية والانكليزية : ( أن الآلوسية ليست طريقة صوفية بل علمية ) وفي العراق ثلاث أسر تسمى بالآلوسية وكل له طريقة خاصة في النسب ..

رفض المناصب المرموقة زهدا وتعففا لكنه قبل عضوية مجلس ولاية بغداد في العهد العثماني نزولا عند رغبة وجهاء بغداد، كما قبل عضوية مجلس معارف بغداد مجاملة للملك فيصل الاول وكان قد جاء اليه الاب الكرملي حاملا ذهب الانكليز في بداية الاحتلال، ورده قائلا له : (قل لهم أن الانكليز كلهم حرام .. ) وكانت هذه أستقامته النبيلة عهدئذ وهي الوطنية الحقة بكل المعنى الوطني النبيل وألف خمسين كتابا بين تحقيق وتآليف وأبداع وكلها تصب في الروافد الفكرية المتشعبة الجذور، وكان ينقل خطاه في حياته من نبل الى نبل، ويفكر ويكتب ويرسم العالم ويتسع به الى حيث تتسع آفاق الفضيلة ويغرق في المثال .



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2