تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


نساء العالم الاستهلاكي المعدلات صناعياً


لطفية الدليمي

 في عالم استهلاكي يقوم على التداول السريع للسلع والتخلص منها واستبدالها بسواها حين لا تعود صالحة لإرضاء شهوات الامتلاك وإرضاء النزعات التنافسية، في هذا العالم تأثرت فئة بطرة ومريضة من النساء بقانون العرض والطلب والترويج الإعلاني والسلعي عن انفسهن وتحوّل حضورهن الإنساني الجميل بعمقه وعواطفه وعطائه وأشواقه وقوته إلى حضور زائف تغلفه مجموعة من الأقنعة الترويجية،


 وتخضع هذه النماذج الأنثوية القلقة القابلة للاستبدال والتعويض إلى عمليات ترقيع وتزوير وترميم مستمرة للمظهر الخارجي مما يجعل الواحدة منهن محض هيكل يحمل أثقالا من الإضافات التجميلية – الترويجية التي تعلن عن حقيقة واحدة لا حقيقة سواها وهي أن هذه المرأة (سلعة للعرض) وانها تتعامل مع ذاتها ككيان مادي لا يصلح لغير الاستهلاك المظهري باعتباره (شيئا) قابلا للتداول وليس كيانا واعيا قابلا للتعادل والتفاعل الإيجابي مع الأشخاص الذين تتعايش معهم وتحبهم وتعنى بهم.

 رأيت عددا كبيرا من النساء في أيامنا ومن أعمار متفاوتة تقع بين سن العشرين وما بعد الستين، مهمومات بالبحث عن (مرتقيات) تمنح شخصياتهن شيئا من الرضا عن النفس، فانصرف بعضهن للتحصيل العلمي والجهد الإبداعي وولوج ميادين العمل المختلفة وعملن بمثابرة وجد ليبلغن مرحلة الإنجاز التي تثبت وجودهن في مجتمع متغير، وتكسب أولاء النساء احترامهن الشخصي لأنفسهن قبل ان ينتظرن تلقي الاحترام من الآخرين – فيحصلن على تقدير الذات والاعتزاز بما صنعن، بينما تلجأ بعض النساء ممن تنقصهن الأهداف الواضحة ويجهلن قدراتهن ولا يملكن الطموح - الى التعويض المظهري عن نقص تقدير الذات وتحقيق الحضور الشخصي في المجتمع: 

 شاهدت قبل ايام في مكان عام سيدة لا يمكن تخمين عمرها الحقيقي بسبب عمليات التجميل والحقن والإضافات على وجهها وجسدها، ولعلها كانت في نحو الخامسة والستين، وكان حديثها متمحورا حول رحلاتها واستعراض ما حظيت به من ثراء الزوج وبدأ ان شخصيتها الأنثوية الحقة قد تراجعت وتوارت بل وألغيت إزاء الأقنعة التي تحيط نفسها بها وما تعرضه من حلي وسيارة فارهة وشعر مستعار ورموش ملصقة وأظافر اصطناعية، وقد لفت انتباهنا انا وصديقتي ان تلك السيدة (المعدلة صناعيا) وليس وراثيا - لم تكن تتحدث عن شيء ذي قيمة أوعن موقف او قضية تخص مجتمعها او إنسانيتها او أسرتها، او تبدي بعض تقدير حقيقي للذات او تتباهى بما انجزت في حياتها، بل فاتها ذلك كله وما عاد يعنيها سوى التمركز المرضي حول ذاتها المنقوصة المريضة وتمحور جل اهتمامها وحديثها على الزهو بالإضافات المادية التي جردتها من كل قيمة ولم تحولها الى سيدة منتجة أو إنسانة فاعلة في مجتمعها تدرك مالها وما عليها بل مسختها نزعتها المادية إلى دمية مصنوعة من لدائن ومواد ميتة ومصنعة، فكان ان رأيتها أمامي محض هيكل عظمي مدجج باستعارات ملصقة وأصباغ فاقعة وصلصلة عقود وأساور تصلح معها السيدة ان توضع في متحف للكائنات الممسوخة، بعد ان تحولت إلى وعاء خاو ٍوفقدت انتماءها الإنساني ولم يتبق لها سوى ما هو مصنوع بأيدي جراح التجميل والحلاق وخبيرة الأظافر وصائغ الحلي وليس بما انجزته الروح والوعي وتطوير الذات.. 

 لقد انفصلت هذه السيدة عن ذاتها الإنسانية السوية وراحت تبحث عن تعويض زائف في تعديل جسدها ووجهها وتحولت الى سلعة أشبه بالمانيكانات اللدائنية المعروضة وراء واجهات الزجاج، بدل ان تبحث عن النور في أعماقها وتطلقه لتضيء فكرها وروحها وعالمها. 



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2