تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


تأثيرات الواقع وكيفية تناوله في الأدب والفن


بغداد/ عادل الصفار

 اجمع ادباء وفنانون على ان الابداع هو انعكاس لواقع الفنان والكاتب بعد مروره بمراحل التأثر والتفاعل والخبرة.. ولكن في الوقت ذاته قد يحد التأزم من نشاط المبدع ويشل تفاعله ويدمر طاقاته فلم يعد يرى الدنيا من حوله إلا غمامة سوداء باعثة للقلق والخوف والترقب لانفجار آخر ينتج موتاً جديداً ويولد أزمات تتبعها ازمات. 


أزماتنا تتفاعل

وفي هذا الصدد يقول الدكتور حسين علي هارف: لدي في هذا الخصوص وجة نظر شخصية مفادها ان المثقف العراقي برغم امتلاكه لناصية الابداع والموهبة الا انه لا يتفاعل بالقدر الكافي مع الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي المتغير على الدوام بسبب الوضع المتأزم للبلد خاصة ونحن نعد من بلدان الأزمات المتواصلة بفعل الارادات الخارجية والداخلية. وعلى مستوى الكتابة والفن نفتقر الى المثقف المتفاعل مع الوسط الاجتماعي الذي يتأثر ويؤثر. مستدركاً: ربما على مستوى التأثر نحن متأثرون ومثقفنا يحاول ان يستمد موضوعاته مما يجري في المحيط الاجتماعي، ولكن هل هو مؤثر في هذا المحيط..؟ لا اعتقد، ولو اخذنا على السبيل المثال المسرح العراقي الذي كان في السابق يعتمد هموم الفرد والمجتمع ولكن بسبب وجود الرقيب كان يهرب الى محاولة اخفاءها بالرمز او من خلال الوسائل المسرحية مما كان يجعل المسرحية غامضة ومبهمة يصعب فهمها من قبل الجمهور المتلقي.. اما بعد 2003 برغم انفتاح فضاءات واسعة يمكن من خلالها معالجة امور كثيرة ولكن وجدنا انفسنا نقع في مشكلات أخرى من أهمها عزوف الجمهور وابتعاده عن الاوساط الثقافية والفنية فلم نعد نرى قراء للأدب ومشاهدين للمسرح، وبذلك اصبحنا نفتقد لجمهور يتأثر بما يعرض وينشر. 

 

الواقع معادلاً فنياً

وتقول الدكتورة نوافل الحمداني: لأي عمل ابداعي صلاته غير المنقطعة عن مصادره وغائياته، ويشترك في تفعيل هذه الصلات وعي المبدع المفهومي للاشياء وما حولها.. وكثيرة هي الدراسات والتنظيرات التي عدت الواقع وظروفه المحرك الذي يستثمر في انتاج النصوص بوصفه احد منابع الابداع واليه تنتهي غائية العمل.. ولو اخذنا بمقولة ان الأدب مرآة المجتمع، والأديب الشاعر ابن عصره وبيئته لا نبتعد كثيراً عما نراه اليوم من تأثير الواقع الاجتماعي والسياسي على نتاجات الأدب شعراً ونثراً وتشكيلاً، بل يمكن عدّ ما ينتج هو امتصاص وتشبع للواقع، حتى اصبحت النصوص ذات مدلولات وحمولات لشفرات فكرية وسياسية وثقافية متعددة، ولا شك في ان زوايا التعامل الابداعي تختلف من حيث الانماط الابداعية ومبدعيها، فقد تطفح نصوص بحمولاتها الدلالية المجسدة للواقع من تأزيم وعنف وخوف واستحواذ.. بشكل واضح يبين ذلك لغة النصوص وعناوينها وموضوعاته، وألوانها التشكيلية بما تحمله من طيات سوداوية وعنفوية.

 

الاشارة والرمز

 واضافت الحمداني: في بعض الاحيان تعتمد الاعمال الأدبية والفنية الترميز والاشارة الى مأساوية الوضع السائد في نصوص تكتنفها اللغة الشعرية الاشارية او السيميائية، فضلاً عن استعمال اللعب الفنية مثل: الميتا/ الما وراء، وتتلون تقاسيمه الجمالية من سخرية وتهكم الى توثيق مذكراتي، او توظيف التاريخ في رصد ماض مقارب بالأحداث والشخصيات، فضلاً عن الانعكاس الفنتازي وهروب المبدع اليه لرسم عوالم خيالية مغايرة تجسد رفض الواقع والتوق الى تغييره، فتسير بالعملية الابداعية بعض التقنيات الفنية والجمالية في كشفها الواقع وكيفية رؤيته، وهي لا تكون واحدة عند المبدعين كما اسلفنا، فقد تتشرب تأثيرات الواقع ومعطياته بوعي من المبدع، وأحياناً تنساب بين انامل ابداعه فتطفوا النصوص بمؤثرات خارجية من غير وعي منه او قصد.. ويمكن ان نخلص الى عد امكانات الابداع المختلفة صورة تؤطر علاقة المبدع بمجتمعه وتأثير الواقع وتمثلات افرازاته على النتاج الأدبي، وهي وان تشظت تبقى محفزاتها واحدة ومصبها واحد.

 

التأزم قتل للحياة والابداع

فيما يقول الشاعر ياسين طه حافظ: لكي نكتب يجب قبله ان نكون قد قرأنا وشاهدنا واختلطنا بعوالم ثقافية واجواء تغني الموضوع فلا احد يكتب من فراغ.. الكتابة الجيدة تأتي من ثقافة متواصلة بالاجواء الثقافية من كتب ومجلات ونشاطات ثقافية ودورات فنية وادبية كلها مطلوبة وفي حياة آمنة مستقرة يستطيع الكاتب والفنان والمفكر ان يكتب فيها، لكن هذه كلها قد تنسفها قذيفة مدفع او انفجار او حوادث اغتيال. هذه الاحداث الشريرة تنسف الحياة وتشوهها وتحرف كتابات واخلاق وتلغي الهدوء اللازم للقراءة وللكتابة والتفكير. ولهذا تقف الانسانية، وقد وقفت كثيراً في الماضي ضد الشر وضد ارباكات الحياة التي تدمر المشاريع فلا تكتمل وتصادر فرصة التطور كما تصادر من الانسان فرصة عيشه. الاوضاع المتأزمة هي اوضاع تأهب لمهاجمة الشر، فانت في حال توتر وترقب وخوف تخسر فيها أي ميل للحياة المرفهة التي تثيرها الثقافة والفنون. انت خائف على سلامك اليومي وسلامتك العامة. هنا الخطر، خطر التدمير النفسي وتشويه الحياة، فلا ثقافة ولا حرية فردية ولا جمال. كيف يجيء الانتاج الأدبي او الفني، واذا جاء يأتي قلقاً فنياً وقلقاً من حيث قيمته الجمالية كمثل نتاجات الأزمنة المضطربة. لا ثقافة ولا فنون ولا كتابات ادبية تحمل مجداً للمستقبل الا تلك الكتابات التي تنضجها الحضارة في اجواء تحترم المستقبل وتحترم قبل كل شيء انسانية الانسان! بعد هذا أول ضحايا التأزم والاضطراب هو الانسان الذي يريد حياة ليكتب ويحيي عوالم يعلن للناس كشوفاته لها.. لكن انساناً «نوعيا» مثل هذا قد تذبحه شظية انفجار!.

 

مرآة الواقع

ويقول الكاتب سعدون جاسم المالكي: الأديب والفنان في مجالات المسرح والتشكيل وتأليف النصوص القصصية والروائية بحسب اختصاص كل منهم يعد مرآة عاكسة للواقع يتأثر ويؤثر، ولكن هناك تحديات جسيمة وقامعة وقاتلة ومنغصة تقف في مواجهة هذا الانعكاس لتمنع وصوله للجمهور كي لا يؤدي عرضه المنشود ويفعل فعله في نفوس المتلقين وضمائرهم.. ففي زمن النظام السابق كان القمع بالحديد والنار وزهق الأرواح وكتم الانفاس.. اما ساسة اليوم فلهم اساليب مختلفة لكنها تؤدي للنتيجة نفسها من خلال المحاربة النفسية وتهميش المبدع وتسفيه نتاجه فلا يجد طريقه للنشر او الانتاج او التسويق ليبقى مهملاً يغطيه غبار النسيان.. بينما نجد اعمالاً أخرى يغدق عليها الملايين برغم افتقارها للكفاءة الأدبية والفنية وعناصر الابداع وفي احيان كثيرة تكون مسرقة او مقتبسة عن مادة ثراثية او غيرها، ولكن ما يبرزها ويجعلها في دائرة الاهتمام هو ولاء اصحابها وتملقهم لساستهم من خلالها.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2