تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


سجينة عراقية سابقة:في السجن لم أنظر إلى جسدي كأمر يخصني


مديحة البياتي

  تتحدث شقيقة سجينة حكم عليها بتهمة الإرهاب لمدة عشر سنوات، عن حال السجينات العراقيات اللواتي «اغتالت ايامهن مصائب مجهولة» حسب قولها، لا قانون حكومي يحميهن، لا جهات اجتماعية ونفسية تعالج مشاكل يعانين منها في غياهب السجون. وتشير إلى عدم إمكانية الوصول الى ملفات السجينات والوقوف على أوضاعهن داخل المعتقلات، ويشمل هذا الطوق اية جهة من خارج الحكومة أو منظمة من منظمات حقوق الإنسان.


  تتحدث شقيقة السجينة التي تفضل الكتمان على اسمها، عن معاناة كثيرة تراها حين تزور شقيقتها، أولها، «هناك سياج عال بيننا وبين السجينات يمتاز ببعد السجينة عن الأهل وصعوبة المواجهة والكلام بيننا وتبادل احتياجات السجينة الخاصة إذ يتم تسلميها إلى الجلاد، يلتجئ المشرفون أحياناً إلى سرقة الحاجيات أو الابتزاز الطائفي ضد السجينات». وتشير في ذات السياق إلى المقايضة على أي فتاة جميلة حين السجن مقابل الاهتمام بوالدتها أو شقيقتها في السجن، ولكن الصورة التي تركت أثراً ثقيلاً على نفسية هذه المرأة البغدادية التي تزور شقيقتها بين حين وآخر في السجن، هي تلك التي تتعلق بالسجينات المحكوم عليهن بالإعدام إذ تظهر السجينة مكبلة الأيدي والأرجل حين يزورها الأهل والأقرباء.

وتشير سجينة سابقة قضت ثلاث سنوات في السجون العراقية بسبب هروب زوجها واتهامه بـ»الإرهاب» الى أوقات التعذيب، عتمة الغرف، النوم المهين، المقاومة اليائسة للآلام...الخ. تقول (ن.م) «كل سجينة كانت تعرف مواعيد التعذيب، يفتح الباب بقوة فتتبعه صرخة مكتومة، ذلك ان أبواب الزنزانات الضيقة تفتح للداخل وهي بهذه العملية تصيب السجينة يدفع للفتح ببعض الجراح والسجحات ان لم تكن مستيقظة او متنبهة، ثم تتلو ذلك حركة اقدام ، وأحيانا مقاومة يائسة من جسد يجره آخرون: انها سجينة في طريقها للتعذيب..الثواني والدقائق تمر بطيئة ومخيفة، كل سجينة تعرف أن هذا الوقت الذي يمضي يشهد تعذيب السجينة التي تم اقتيادها. وبعد هذه النافذة الوحيدة كانت تنقلب أداة تعذيب حين تحمل الهواء البارد بقسوة الى الضلوع، يبدو الهواء غير المرئي مثل سكينة قاسية، ثمة عدالة في هذا؟ من أجل ماذا يتم تعذيبنا نحن ألسجينات؟ ولأي هدف تتحرك الوحوش وتتصرف بهذه الضراوة؟ أيستحق شيء تحت الأرض وفوقها كل هذا العذاب؟ أنا التي أتعذب يوميا وأكاد لا أميز بين الغيبوبة واليقظة يقول لي كل من يعذبني أنني محظوظة لأنني لم أر شيئا بعد. فماذا عن الذي تعرض له غيري؟! ومن أجل أي شيء؟!

لا يمكنني إيقاف (ن.م) عن الكلام ووصفها للسجن أو توجيه سؤال لها، ذاك انها تمتلك قدرة غير عادية لسرد ما رأته وعاشته في السجون، فاترك لها الكلام: «ساعة، او ساعتين، يفتح باب ثم يغلق بقوة : لقد عادوا بالجسد المدمى من حفلة التعذيب ويتم التأكد من كون السجينة ما زالت على قيد الحياة بالضرب على الحائط ، يتنقل الضرب من زنزانة الى اخرى معلنا ان ثمة حياة أقوى من وحشيتهم.

تأتي السجينة وفي نيتها ان تطمئن سجينات أخريات ، لم تر وجوهن ولم تتعرف على أسمائهن ، فتضرب على الجدار رغم شراسة التعذيب الذي تعرضت له ثم تستطيع ان تستسلم لغيبوبتها، ما جدوى هذه الحركة؟ ما قيمة ان تضرب على حائط أصم في زنزانة تحت الأرض؟ لا ينبغي البحث عن المعاني الكبيرة وراء ضربات من هذا النوع، فهو ليس اكثر من اعلان عن الحياة فيطمئن الآخر أن الحياة ما زالت بجواره، ان الحياة البشرية قائمة رغم وحشية المخلوقات التي شيدت هذا الكابوس!

وتصف (ن.م) الزنزانة الضيقة والظلام الثقيل: «كدت انسى شكلي، فأنا ومنذ شهرين تقريبا من سجني لم أر وجهي في مرآة ..انني في الظلام اكاد لا اتعرف على نفسي، ليس من الضروري ان يكون المخلوق امرأة حتى يفتقد المرآة، الرجل ايضا يريد ان يتعرف الى شكله والصورة التي صار عليها بعد هذا التعذيب والعيش المتواصل في الظلام، خلال الشهرين كان التعذيب يتم بشكل يومي باستثناء الأيام التي كان يحددها الطبيب: اذا اردتموها حية فلا تضربوها غدا».

وتستمر السجينة السابقة في الكلام، «لا يستطيع المرء النوم في السجن، عليه ثني الظهر او الركبتين عند النوم. الظلام عنصر آخر في العنابر، فتحة الباب كانت صلتي الوحيدة بعالم خارج الظلام، ومنها كنت أخمن أن الوقت ليل أو نهار. في السجن لم أعد أنظر الى جسدي كأنه أمر يخصني، لقد اعتبرته أداة لتعذيبي طيلة اليوم، ولطالما تمنيت لو انهم يقطعون يدي أو رجلي أو أي جزء يستمر فيه الألم بعد تعرضه للتعذيب. لم أتمن خلاصا من شيء مثلما تمنيت الخلاص من رأسي. كان يؤلمني بشكل رهيب. انه يؤلمني في كل لحظة، لم أشعر مرة أنه كف عن الألم بسبب الاغتصاب وبأدوات وحشية!

تتحدث الباحثة الاجتماعية (ن.ج) التي تعمل في احد السجون في بغداد العاصمة عن التعذيب واللجوء إلى الإغتصاب وما شابه ذلك بالقول: «نعم تتعرض النساء السجينات الى تحرش جنسي مشرعن والى اغتصاب ممنهج ، لا تبرير لهذا الفعل اللاأخلاقي سوى الاستخفاف بالإنسانية والاستخفاف بالقانون، هو في جوهره فعل يتجسد في استهتار علني بالقيم الإنسانية، قد تكون سياسية بالدرجة الاولى وقد يكون انحراف اجتماعي خطير وقد يكون استهتار ذكوري حقير وقد يكون صوت تشريعي جديد او بالأحرى جديد قديم. لكن الهدف في النهاية هو النيل من المرأة وزجها في طريق رخيص. وتشريع اغتصابها وتعميم ظاهرة الاعتداء على المرأة واستلاب انسانيتها». ومن جانبها أكدت الناشطة (و.ف) رئيسة منظمة حرية المرأة على حصول الكثير من الممارسات غير الأخلاقية بحق السجينات، مؤكدة بان ضباط التحقيق يستخدمون مختلف الوسائل ضد السجينات. وتؤكد (و.ف) على معلومات حصلت منظمتها عليها من سجينة سابقة حول التعذيب والاغتصاب دون استطاعة أية سجينة رفع دعوى قضائية على من قام بتعذيبهن خوفاً على مستقبلهن وحياتهن بعد الخروج من السجن.

تتحدث الصحفية (ا. ج) عن لجوء الحكومة الى ترهيب من يكتب و يتحدث عن أوضاع السجون في العراق، وأوضاع السجينات تحديداً.. كما تم إصدار مذكرات اعتقال بحق كل من تحدث عن وضع السجينات داخل المواقف والسجون..ازاء الموجة التي تتعرض لها النساء في المواقف والمعتقلات والسجون حيث يتعرضن للمرض والذل والإهانة والتعذيب والاغتصاب القانوني. 

زارت أحدى النائبات البرلمانيات عن القائمة العراقية السجون العراقية السيدة انتصار الجبوري رئيسة لجنة المراة في البرلمان (سجن النساء في الكاظمية تحديداً) لتؤكد أن التحرش والاغتصاب بحق السجينات موجود ومبرمج، وتقول النائبة «ان القصص كثيرة والأحداث كبيرة والمعاناة أكبر وأوسع للنساء في معتقلات وسجون الدولة، فهن يواجهن التحرش الجنسي والاغتصاب وهناك حالات حمل وبشكل متكرر وعلني، هناك اطفال رضع داخل السجون مع امهاتهم يعانون ويتقاسمون معهن المأساة والأذى». وتضيف «حسب تصريحات سجينات خرجن من السجن ان الوضع مأساوي ويجب أن يتم تداركه وإنهائه بشكل تام وجذري لا عن طريق المزايدات السياسية. يرفض وزير العدل أعطاء تصريحات لزيارة سجون ومعتقلات النساء، وقد يدل هذا على مدى بشاعة ما تواجهه النساء في سجون وزارته. 

 يعد التعذيب انتهاكا خطيرا لحقوق الإنسان حظره القانون الدولي حظرا كليا. وقد مثل رأس قائمة المسائل التي بحثتها منظمة الأمم المتحدة عند إرساء قواعد حقوق الإنسان باعتبار أن استخدامه يمس صميم الحريات المدنية والسياسية بدأ من اجتثاث العقوبات البدنية كأول تدبير اتخذته منظمة الأمم المتحدة منذ سنة 1949.

يقول الناشط في محال حقوق الإنسان (ر.م) «القانون الدولي منع التعذيب و غيره من ضروب المعاملة اللا إنسانية و المهينة التي لا يمكن قبولها مهما كانت الظروف. فإضافة إلى ضروب الألم و الأذى الشديدة المذكورة آنفا يندرج ضمن صنوف التعذيب الإجبار على الوقوف قبالة الحائط ممدد الذراعين و الرجلين لمدة ساعات، التعرض المتواصل لأضواء ساطعة أو تعصيب ألعينين التعريض بصفة مستمرة للضجيج ألعالي الحرمان من النوم أو الأكل أو الشرب الإكراه على المكوث واقفا أو منحنيا، أو الهز العنيف». ويشير الناشط المذكور إلى ان التعذيب لا يقتصر على الأذى الجسدي فقط، بل يتعدى ذلك ليشمل الممارسات التي تسبب أذى ذهنيا مثل تهديد عائلة الضحية أو أقاربه.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2