تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


المطران يوسف داود موصلي جاور البابا الكبير ولمع في الفاتيكان


حميد المطبعي

المطران يوسف داود ( 1829- 1890 ) من ثمرات المعرفة العراقية في القرن التاسع عشر، وكان من رواد النهضة العربية في الوطن العربي وأعمدتها باعتباره مصدراً مهما في اللغات السامية والعلوم الشرقية فضلاً عن اجتهاده في الفنون وبدراستنا جذور اليقظة الفكرية العربية نجد اسمه يحتل مكانة رفيعة في حقول تلك اليقظة مثلما احتلها رفاعة الطهطاوي وناصيف اليازجي واحمد فارس الشدياق ومحمود شكري الالوسي ومحمد حسين كاشف الغطاء وبطرس البستاني .. اولئك اسسوا لنا بذور التحول من عصر الى عصر، وفي ذائقة تستجيب لنداء   التغيير..! 


 وفي المصادر السريانية والاسلامية يرد اسمه في عدة صيغ او القاب قد تربك القارئ او الباحث في أي هو منهم ، وسبب هذا الاختلاط : 

ان يوسف داود مر بمراحل دراسية كنسية طويلة ، وفي كل مرحلة يمنح اسما او لقبا كنسياً معيناً ، وحملت وثائقه هذه الالقاب : ( القس يوسف داود السرياني ) او (اقليمس يوسف داود ) او ( الخوري يوسف داود الموصلي ) فهو واحد كما جاء في وثائقه الرسمية القديمة : ( يوسف بن داود بن بهنام بن جرجس ) .. وينتمي الى اسرة ( زبوني ) التي وجدت اوائلها في قرى الموصل منذ زمان طويل ، وكانت ولادته في ( العمادية ) من اعمال نينوى القديمة .. ! 

ومنذ بدايته هيء بأن يكون كنسياً ، فضم وهو في السادسة الى مدرسة السريان الكاثوليك فتعلم لغة عربية وسريانية ، ومنها انتقل الى مدرسة كهنوتية انشأها المرسلون ، وفيها تلمذ لانطوان الكلداني على النحو ومبادئ الصرف العربي .. وهو في الرابعة عشرة تلمذ لاب دومنيكي في مبادئ دينية ، وعليه ايضا تفتح على قراءة اللغة الايطالية .. وفي وثيقة كنسية : ( يوسف ذكاء مفرط .. ) ثم قرر الاباء ارساله في بعثة خارجية ، ورحل عام 1845 يدرس مقدمات اللاهوت في ( مدرسة غزير اليسوعية ) بلبنان ، ولما وجد على ذكاء الاباء ارسل الى روما ليدشن عالماً جديداً في دراسة الطقس اللاهوتي .. وكان يتدفق في عقله .. ! 

وفي روما انتمى الى معهد ( بروبغندا ) الشهير بتخريجه الاباء ، وعلى مدى عشر سنوات تلقى في ذلك المعهد : الفلسفة واللاهوت والفكر الانجيلي ، كما درس التراث اللاتيني واللغة الفرنسية والانكليزية والايطالية ، وبحث ودرس ايضا لغات قديمة .. يونانية وعبرانية وسريانية ، وفي رواية لدارسين مسيحيين ان يوسف داود اتقن في حياته عشرين لغة وكتب في بعضها ، ووصف دماغه بانه دماغ اممي اجاد به صياغة الافكار العالمية ، وكان في روما مثار اعجاب كبار 

مؤلفي المسيحية ، في جداله او في محاضراته ، وتخرج في ذلك المعهد بشهادة (براءة الملفنة ) حيث تمنح لضليع في الدراسات الفلسفية واللاهوتية والطقسية ، وعاد الى الموصل ترصع صدره جوائز ذهبية وشهادة تذكر بمنحه ( درجة الكهنوت ) عام 1855، وتقول احدى الوثائق : ( وعند تخرجه كان من جملة الاثنى عشر كاهنا الذين غسل الحبر الاعظم البابا بيوس التاسع ارجلهم ثم خدمهم على العشاء ) وفي الموصل اقيم له احتفال طقسي.. ! 

ومنذ بدء اتصاله برعيته في الموصل انجز : 

تأسيس مدارس تولى فيها تدريس النحو والصرف العربيين منذ سنة 1856 . 

تأسيس الاخويات كأخوية ( العذارى العوابد ) تعاونية اجتماعية طبية . 

وكانت الموصل تفتقر الى مؤسسة طبية ، فقام هو يؤسس وحدة طبية ويمارس فيها تطبيب الناس اعتماداً على خبرته في التراث الطبي العربي واليوناني ، وعمل جاهداً على ايقاف زحف الكوليرا ، ونال بعمله هذا ( الوسام المجيدي ) من الدولة العثمانية .. ! 

والى ذلك اجتهد في صيانة اللغة بتأليفه كتب النحو ، وتنقية الطقس الكنسي من الـهرطقات التي تعيش خارج العصر ، فاشتهر باصلاحه ، ولقب بالمصلح الكبير .. وفي عام 1863 رقي الى درجة ( الخوراسقف ) ولبس الصليب والخاتم ونيطت به النيابة العامة على أبرشية الموصل .. ! 

وفي عام 1869 -1870 دعي الى روما لمجاورة البابا الكبير والعمل على التطوير الفكري في منهج (المجمع الفاتيكاني) .. وعين مستشاراً شرقياً لذلك المجمع كما عين لاهوتيا فيه وهو الاول في ذلك المنصب من بين جميع الطوائف المسيحية الشرقية ، وفي نهاية اجتماعاته بالمجمع قدم مناهج جديدة بشأن ( الدرجة الكهنوتية) و ( منظومة الطقوس الشرقية ) و ( موانع الزواج ) كما قدم دراسات   في ( العلوم الطقسية ) باللاتينية والفرنسية والايطالية .. واثناء وجوده في روما طبع بعض كتبه بلغات شرقية ، بل زرع في روما اسمه الذي عرف في اوساطها بعبقري الشرق.. ! 

ثم عاد مرة اخرى الى الموصل وحتى عام 1879 عمل على تجديد مطبعة الكنائس وانشاء مكتبة واسعة له وتوحيد الجهد الوطني في مائدة وطنه العراق ، وكانت حقبته هذه من البؤر الفياضة في عقله المفكر ، اذ كرس اجتهاده في ترجمة واعداد ( الكتاب المقدس ) وخلال اربع سنوات طبعه في الموصل وكان من افخر الترجمات العربية 1871 ، واصدره ايضا بترجمة سريانية 1872 .. كما قام بضبط المناهج المقررة لغة وفكراً ، ولا سيما ( الحسابيات ) التي بالعربية في الاحتفالات الكنسية ، كان جهداً واجتهاداً ومنارة طريق.. ! 

وفي عام 1879 حتى وفاته انحصر دوره في : 

ادارة اسقفية دمشق ، وفيها اخصب الاصلاح وانشغل بتأسيس الجمعيات الاجتماعية وضبط وتصحيح ( الفناقيث) وهي تشبه الادعية الكنسية والصلوات الطقسية ، حيث طبعها بسبعة مجلدات ، كما هيأ لكنائس الشام ان تحاور على لغة ديمقراطيته .. ! 

وأبتكر منهجا جديداً لقراءة تراث الطقس الكنسي ، وبه تألف ( المجمع السرياني ) .. حلمه منذ كان في الموصل ووضع للمناقشة في هذا المجمع ( 1500) مسألة  وكل ماقيل في ذلك المجمع ترجمه بمجلد في اللاتينية 1889 .. ! 

وكان على رواية ابناء جيله يملك جاذبية فيها شفافية بقدرتواضعه ، وفي اعماقه زهد لا تصنعه خشية الله بل على طريقة الروحانيين الكبار ، فينزل الى الناس هادئاً محباً ، مثلما  ينزل الى الارض صفياً بهي القسمات ، وتملأ وجهه غيرّية حليمة.. ! 

وكان عقله يوزع ادواره على محاور: 

التاريخ : فألف فيه ثمانية كتب مطبوعة عدا الخطية وبالفرنسية واللاتينية والعربية ولغات اوربية ، وينصب تاريخه على تراث الكنائس في الشرق وفي رجالاتها ، ويعد المصدر الاول . 

علوم اللغة : والف فيها عشرين كتاباً مطبوعاً ، في نحوها وصرفها ومشتقاتها ، ويعد اول عراقي طبع كتاباً نحوياً عام 1859 بل تعد كتبه النحوية مراجع لما بعده.. ! 

في الآداب : وله فيها اكثر من عشرة كتب مطبوعة .. في الشعر والعروض وطـرق الانشاء وكنوز اللغات واكثرها محقق ، وكررت طبعاتها في غير مرة . 

في الطقس الكنسي : وطبع فيها اكثر من اربعين كتاباً وبمجموعها تشكل ارثاً في تاريخ كنائس الشرق ، وكل من الف بعده في هذا الجانب كان عيالاً عليه . 

الفت بحقه وبنبوغ عبقريته عشرات الكتب وجميعها استقت من مصدر واحد هو القلادة النفيسة في فقيد العلم والكنيسة لمؤلفه ( فيليب طرازي ) 1891 وهو مجموع ما ورد في تأبينه ، وطبع في عشرين لغة ، وكل تلك اللغات رثته وباركت فيه مرجعيته في الفكر والتاريخ .. !  



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2