تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


مخدرات ذوي الدخل المحدود!!


الساعة الثانية بعد الظهر في احد أيام شهر تموز الحار جداً.. كان ثلاثة أحداث يجلسون خلف إحدى سيارات الأجرة في منطقة شارع السعدون..استغربت لمنظرهم لاسيما وإن درجة الحرارة تجاوزت العقول.. أين أهلهم؟ و


ما إن جاء صاحب السيارة.. تفاجأ لمنظرهم المريب وسألهم عن سبب تواجدهم خلف سيارته.. ففر اثنان وبقي ثالثهم لأنه لا يستطيع الوقوف على قدميه.. سحبه صاحب السيارة لكي يقف.. لكن من دون فائدة.. إذ كانت رائحة (البنزين) تتطاير من فمه.. فتألم الرجل على حال الحدث، فحمله على كتفه ووضعه بالسيارة متجهاً به إلى منزله القريب بعد أن أرشده المارة بذلك.. قرع باب المنزل ليسأل عن والده، فخرجت امرأة في مقتبل العمل بكل قسوة ولا مبالاة قالت له: اذهب به بعيداً.. فهذا الولد عاق.. أنا بريئة منه!! عاد الرجل أدراجه والحدث ما زال فاقداً للوعي.. وحين فاق قال بصوت خافت: والدتي لا تحبني، ووالدي لا يعرف عني شيئاً.. أنا أشم (البنزين) كي أنسى إنها أمي.. وأنسى إن لي أباً.. وبدأت الدموع تنهمر من عينيه.. أرجوك سامحني عمو.. لا تسلمني إلى الشرطة! ما كان للرجل إلا الاتجاه إلى مستشفى ابن الرشد لمعالجته.. وهناك استقبلوه وادخل إلى إحدى الردهات. وبدأ الحدث رحلة العلاج، لكن هل ينجح علاج الطب.. إن لم يكن هناك علاج اسري واجتماعي؟! ما خفي هو الأعظم هذه واقعة حقيقية لأحد ضحايا المجتمع.. فالخطيئة الوحيدة التي يمكن أن ترتكب هي أن نغمض عيوننا.. هنالك في الجانب الآخر من العاصمة جيل جديد.. يشم (التنر) و(السيكوتين) و(البنزين) ويتناول الأجنحة المحترقة للحشرات.. يشرب كوكتيل الكولونيا بالبرتقال.. ويخلط الكبسولات بشراب التفاح.. ويكتشف بعبقريته استخدامات أخرى لمبيد الحشرات.. ولا يجني بعد ذلك كله غير قليل من نشوة موهومة، وكثير من القيء والغثيان واختلاط الذهن!! حالات قليلة ربما. تظهر للضوء لكنها كافية للدلالة على أن ما خفي هو الأعظم!! أنواع كثيرة للتعاطي.. تعالوا نتتبع ونصنّف ونحاول رسم خريطة للأساليب الغريبة!! الارتفاع عن مستوى سطح الأرض!! في جولة ميدانية.. وعلى مرأى نصب الحرية لجواد سليم وسط بغداد والمناطق المحيطة به.. وجدنا إن بعض الأحداث وحتى الشباب يتعاطون شراب التفاح أو الزبيب بعد أن يخلطوا ويفرغوا فيه احد أنواع الكبسول الخاص بالمهدئات، كبسولتان في كل زجاجة عصير تتفاعلان مع محتواها على الفور، وبعد ثوان من تعاطيه يشعر المتعاطي بنشوة غريبة أحياناً تكون أشبه بالهبوط وأحياناً أشبه بالصعود والارتفاع عن مستوى سطح الأرض!! هذا الصنف يتعاطاه بعض مدمني الخمر ممن لا يملكون ثمنه.. فيلجأون إلى خلط علاجهم أو علاج غيرهم مما يؤدي بهم إلى ما يتوقون إليه من وهم ونشوة، وبين الهبوط والارتفاع يسكرون!! أجنحة الحشرات لم تنته السطور بعد.. فقد اكتشفنا إن البعض من الإحداث لهم نشوتهم الخاصة، فقد ابتدعوا طرقاً عدة لذلك، الحدث (ن- ط) كان ينزوي بأحد الأماكن داخل حديقة الأمة اقتربنا منه خلسة فوجدناه بقطع أجنحة الحشرات الزاحفة ويضعها على (الفحم) واخذ يشم رائحتها بعد احتراقها. هذه الطرق انتشرت مؤخراً بين الأحداث الذين ليس لديهم أهل فتراهم يتسكعون.. هنا وهناك.. فابتكاراتهم هذه ليس انحطاطاً فقط.. وإنما هو نوع من الوصول إلى حد التخريف!! وهم في الواقع لا يستنشقون غير المرض!! كولونيا وعصير البرتقال وتعال معي عزيزي القارئ لنقرأ سطوراً أخرى من الظواهر الغريبة، فبعضهم يستعمل عصير البرتقال لخلطه بأي نوع من أنواع الكولونيا ثم يتناولونه بعد ذلك كي يصلوا إلى حالة الفقدان والتكيف!! وعن هذه الحالة يقول د. أزهر الشحماني/ أخصائي أمراض باطنية بان الكولونيا تحتوي في تركيبها على عنصرين: الكحول والزيت العطري الطيار، وتعاطي مثل هذه المادة يؤدي إلى إدمان، بينما تهيج الزيوت الطيارة المركبة، ومنها الكولونيا غشاء المعدة مسببة التهابات وآثاراً سيئة وتفقد متعاطيها شهيته للطعام وتصيبه بحالة تقيّؤ وغثيان.. باع الموبايل والملابس هذه نماذج لما يحصل في هذا الجانب من بغداد.. هذه قصة أخرى من الواقع الأكثر غرابة من الخيال!! عاش حياته يتيم الأب بعيداً عن والدته.. جدته هي التي كانت ترعاه وتعطف عليه، لم تبخل عليه بأي شيء.. طلباته مجابة.. المال كان هو التعويض عن الحرمان كما كان في نفس الوقت الانطلاق نحو الهاوية والفساد.. اتجه إلى تعاطي الخمر وهو في سن المراهقة إلى إن اكتشفت الجدة أمره، فاتجه إلى ما لا تكتشفه جدته، إنها الآفة القاتلة (الحبوب المهدئة)، بدأ بكميات قليلة، ثم زادت الجرعات، ثم أصبح لا يعي ما يدور حوله، بلغ سن الرشد فتسلم (الورث) وبدأ العبث الحقيقي، فأخذ يصرف على كل أصدقائه.. إلى أن باع حتى موبايله.. وأحياناً ملابسه.. بعد أن امتص الأصحاب ما لديه فابتعدوا عنه!! لم يحتمل هذه الخيانات كما كان يطلق عليها- وأصبح يحصي أياماً في مستشفى ابن رشد.. ثم يخرج إلى الشارع تائهاًً.. تهميش وعزلة اسمها (و – ن) لا تتجاوز الثامنة أو التاسعة من عمرها، يترك منظرها وهي تأخذ مكانها اليومي في أحضان شارع السعدون إحساساً بأسى عميق، لا بيت لها ولا عنوان سوى الشوارع العريضة التي تؤويها ليل نهار، عنيفة ومتمردة في عيونها ذكاء وفطنة أكبر من سنها، فماذا عن حكايتها وكيف يتحمل جسدها النحيل شم (الثنر) و (السيكوتين)؟ ولماذا تحمل أيضاً كل هذا الحقد على الآخرين؟! عندما أردنا اللقاء بها بحثنا عنها كثيراً من دون جدوى، وأخيراً أرشدنا احد العاملين في مطعم قريب من مقهى تتردد عليه (و- ن) واخبرنا بأنها تأتي كل ليلة، حيث تأخذ ورفاقها مكاناً عند مدخل المقهى، وكان العامل يتحدث عن (و- ن) وكأنه يتحدث عن بطلة كبيرة أو على الأقل طفلة خارقة للعادة، ما زاد من إصرارنا على اللقاء بها بأية وسيلة، وفي داخل المقهى وجدنا أنفسنا على موعد مع عالم غريب تكونه نماذج خاصة من المجتمع يصعب اللقاء معها والاحتكاك بها في النهار، شباب وأطفال من اعمار مختلفة تفضحهم ملامحهم الشاحبة وثيابهم الرثة وتجعلهم يعانون لا محالة التهميش والعزلة، وهذا ما يفسر وجودهم بهذا المكان.. بدأنا نبحث عن (و- ن) وسط هذه الوجوه، فقد لمحنا بعض الفتيات، لكن لم تكن أي منهن تحمل أوصافها، اعتقدنا بأنها قد لا تأتي هذا اليوم فربما غيرت مكان تواجدها، لكن ما هي إلا دقائق معدودة حتى لمحنا مجموعة من الأطفال تتوسطهم طفلة تبدو من ملامحها إنها هي التي نبحث عنها.. كانت قصيرة القامة.. نحيفة.. كثيرة الحركة، من السهل أن تجد في عينيها ذكاء ودهاء من نوع خاص.. ومن دون مقدمات اقتربنا منها وسألناها إن كانت هي المقصودة، فردت بالإيجاب، وحينما طلبنا منها التحدث إلينا ترددت في البداية، لكن بعدها عرفت بهدفنا من التحدث معها طلبت بكل جرأة أن نطلب لها طعاماً في المقهى، وننتظر حتى تعدل مزاجها!!! لم يكن أمامنا من اختيار آخر سوى القبول لمعرفة حكايتها وسر قوة شخصيتها التي يتحدث عنها الجميع.. لاحظنا ذلك من حلال طريقة تعامل رفاقها معها لدرجة إن البعض يخاف منها ويعمل لها ألف حساب!! بعد ان انتهت من تناول وجبتها الغذائية، أخذت تشم الممنوع بطقوسها الخاصة، بعد ذلك علمنا من خلالها بأنها لا تعرف شيئاً عن أصلها أو اسم والديها، فقد فتحت عينيها في إحدى دور رعاية الأيتام في بغداد، كانت كلما سئلت عن والديها وعن سبب وجودها في هذا المكان لا تجد سوى الصمت. تقول (و- ن): لا اعرف مشاعر الحب والحنان حتى أقبل بدوري على حب الحياة وحب الناس، كل ما كان يحيط بي كان يدفع بي إلى التعامل بقسوة والى الحقد والكره للجميع، حتى أصبحت شخصية عنيفة قبل الأوان، لا أتردد في التسبب في الأذى للآخرين وفي إزعاجهم، وهذا ما دفعني إلى التفكير بالهرب من دار رعاية الأيتام، لاسيما بعد أن عجزت في إيجاد جواب على مصير أهلي ومن أكون أنا، وان كانت إحدى العاملات في الدار قد أخبرتني ذات يوم بان احد منتسبي الدار وجدني أمام باب الدار، ولم يكن قد مضى أسبوع على ولادتي، فلا جدوى في البحث عن حقيقة أصلي لأنه من الصعب معرفة اسم أمي وأبي في مثل حالتي!! وتضيف: وأخيراً لم يكن أمامي من اختيار آخر سوى استعطاف المارة من اجل الحصول على المال لكي أسد رمقي، كما لم أكن استطيع التنقل بعيداً، ويصعب على مثل عمري فعل ذلك، لم يكن أمامي سوى الإقامة هنا، فعلى الأقل هنا من هم في مثل وضعي واستطيع تدبر أموري بجانبهم، ومؤخراً تعرفت على امرأة متسولة ساعدتني كثيراً، وبدأت تدربني على التسول.. حتى بدأت اعرف شوارع بغداد وأتنقل بين أزقتها بكل حرية!! هل يتمكنون من تطهيري؟ وبألم بالغ تصف (و- ن) حالتها اليوم، فتقول: أسمع إن هناك دور رعاية تهتم بالأطفال في مثل ظروفنا، لكن برأيي لا تستطيع كل هذه المحاولات تعويضي عما ضاع مني، فهل تستطيع أن تجعلني أولد من جديد وأفتح عيني على والدين يهتمان برعايتي ويمداني بكل الحب والحنان؟ هل سيتمكنون من تطهيري من كل هذا الحقد الذي يملأ نفسي من الداخل ويجعلني اكره كل شيء ولا اقبل على العيش، الجميع ينفر منا ولا نستطيع الجلوس بسلام إلا في الأماكن الخالية وسط المزابل والأبنية المهجورة، ولا نستطيع الخروج إلى الشارع إلا في الليل! الوصول إلى الهدف بواسطة!! هنالك أنواع كثيرة من مادة الغراء دخلت البلاد حديثاً ذات تركيز فعال ومؤثر.. اكتشف بعض الأحداث استعمالات أخرى له، فبعد تفريغ علبة البيبسي المعدنية من محتوياتها يتم وضع بعض الغراء في هذه العلبة الفارغة ويتم استنشاق الغراء عن طريق الفم.. ثم الوصول إلى ارتخاء أعصاب المخ!! وهناك أيضاً مبيدات الحشرات التي تحتوي على مواد سامة، يتم خلط هذا السائل مع شراب السعال للوصول إلى النكهة أو الحالة المطلوبة، بعد ذلك يتم تناوله، ومن الحيل أيضاً يقوم بعض الأحداث بتبليل قطعة من القماش بالبنزين ثم عصرها واستنشاق القطعة المبللة عن طريق الفم، ومع تكرار العملية عدة كرات ولفترة زمنية قصيرة يصل الحدث إلى حالة (الفقدان)!! رأي الطب ولتأثير آثار تعاطي هذه المواد التقينا د.فؤاد ياسين السلطاني/ أخصائي الأمراض العصبية، فقال: يوجد الكثير من أنواع المهدئات والممنوعات يستخدمها البعض للنشوة والوصول إلى حالة من الغثيان والفقدان عن طريق خلط هذه المهدئات في شراب التفاح والزبيب، وتأثير هذا يتركز في الرأس ويهاجم أساساً قشرة المخ.. ويضيف: إن التأثير يرتبط أيضاً بمراكز النعاس في المخ ويبدأ الفرد بعد التعاطي في النوم، وإذا زادت الجرعة ربما يتوفى المريض أو يذهب في غيبوبة أو هبوط، وأحياناً يحدث شلل في مراكز التنفس بالمخ، وذلك يعني الموت المحقق.. ويتابع: يبدأ الفرد بقرص أو اثنين.. يزيد عدد الأقراص تدريجياً إلى أن يصاب بحالة تسمم، ويبدو لك عند مشاهدته وكأنه مخمور أو غير متوازن مع ارتخاء في عضلاته، كما يصيبه أحياناً نوع من المرح أو الهوس يتناوب مع فترات من التوتر والإثارة الشديدة. مجرد وهم ويستدرك السلطاني، ويقول بأن الحالة التي تعقب خلط الدواء بشراب التفاح أو العنب هي مجرد وهم نابع من نفسية المتعاطي حيث يشعر بأن ما يحتسيه خمر (وما هو بخمر)!! وعند توقف المريض فجأة عن تناول هذه الممنوعات، تبدأ الأعراض الجانبية، ومنها القلق والصداع والرعشة والضعف العام والقيء وهبوط الدورة الدموية، وقد يصاب بنوبات صرعية ويتبع ذلك خلل عقلي!! الباحث الاجتماعي وفي هذا الشأن يقول الباحث الاجتماعي/ سمير الحيدري: الأهل لا يعفون تماماً من المسؤولية، فقد أثبتت جميع الدارسات التي قمنا بإجرائها على شرائح مختلفة من متعاطي المواد المخدرة ان هناك أجراس إنذار تدق لتعلن للمحيطين بالمدمن انه في بداية الانزلاق في هذا الطريق المظلم مثل الكسل الشديد أو النشاط المفرط، فقدانه الشهية، أو إقباله الملحوظ على الطعام، كذلك انطوائه على نفسه، باختصار التغير الواضح في طباعه وعاداته، وهكذا فإن ملاحظة الأهل لأبنائهم والوقوف على حالاتهم ومستواهم الدراسي أولاً بأول يقي الكثيرين من التوغل في هذا الطريق ويتيح لهم فرصة العلاج المبكر والوقاية الأكيدة. ويضيف: من الأسباب الرئيسة التي تدعو هؤلاء الأحداث إلى اللجوء إلى هذه الأساليب الخطيرة والمدمرة على الفرد والمجتمع هي الضياع الاجتماعي وعدم التوافق الأسري بين الأب والأم، فضلاً عن الحالة الاقتصادية الصعبة.. ويتابع/ وهنا أود أن أقول وللأسف إن بعض شبابنا العراقي ازداد من استخدام هذه العقاقير الخطرة وخاصة طلبة الجامعات في أيام الامتحانات بهدف السهر، وأود أن أقول لهؤلاء: أنتم عماد المستقبل لبناء عراق الحرية والديمقراطية.. إياكم واستخدام هذه السموم لأنها تؤدي بكم إلى الضياع والى ذهان شبه فصامي واضطراب في الذاكــــرة!!



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2