تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


محمد جعفر ابو التمن ((1881 - 1945))


حميد المطبعي

كان من صناع القدر الوطني والحرب العالمية الاولى في بدايتها 1914 وكان قدره ان يستقل العراق من اسر الامبراطورية العثمانية، يتكتل داخل كتلته : بلدا فيه التاريخ اكبر واعظم من تاريخ الدول والممالك، وفيه اقيم اول برلمان للديمقراطية نادى بحرية الامم والشعوب، كان شعلة واكثر ضياءً..!


اسس اول مدرسة وطنية في العراق هي مدرسة (المثالية الواقعية) التي وازن فيها بين الحقيقة والواقع وبين الواجب والحق وبين حق العراق تاريخيا وما يفرضه التاريخ استراتيجيا، بعقل منفتح على الطوائف والملل كافة وبقلب اوسع من تاريخ الاشخاص، وكان يقول للملك فيصل الاول: ( الان ينبغي ان نصفى كالذهب في النار لان وحدها الازمات توحد الشعوب..)..!

وكأن التاريخ هيأ ابو التمن ليتصدر القافلة..!

فقد رزق قامة تاريخية تجلت عليها صفات المثالية الانسانية من نبل وعفة وفيض رحمة وسماحة شيوخ ونكران ذات وعدم النظر الى زخارف ومناصب الدنيا، والى ذلك كان يتمتع بتفكير متئذ وبعد رؤية للاحداث واقدام وكبرياء وكل هذه او غيرها جعلته محل اجماع القوى الوطنية في زمانه، أينما اجمعوا عليه اختيارا وليس زلفى.. ولأنه كان وطنا وليس طائفة، وبعدا تاريخيا وليس تاريخا فقط، فكان هو صنع التاريخ..!؟ ولنرجع الى المكونات التي اسهمت بتأسيس مدرسته الوطنية: 

تأثره واعجابه بجده (داود بن سلمان) فقد كان جده من المع تجار بغداد نزيها شريفا مضرب الامثال في العفة التجارية وانطبع سلوكه اليومي في قلب جعفر، وكان لداود مجلس ادبي من اشهر مجالس بغداد الادبية والفقهية يؤمه ادباء وشعراء النجف والحلة والكاظمية، وجعفر الشاب يستمع متأملا الى نقد للدولة والسلطان ولما بلغ العشرين اخذ ينسق مواعيد اجتماع مجلسهم ويدون ملاحظات رواد المجلس برغبة ان يتطور ادبا ونقدا وسخرية بواقع الحال وقامت الحرب العالمية الاولى وبريطانيا زحفت لاحتلال العراق ودخلت جيوشها البصرة ويقوم الجهاد العراقي ويلتحق جده ( داود ) بركب الجهاد وجعفر يرسل له المال والمؤن ويدير دفة تجارته في بغداد ويمشي القدر واذا بجده يجرح في معركة ( الشعيبة ) ويقبض عليه اسيرا وبعد فترة شهيد او هذه اول شرارة وطنية تسري في عروق جعفر ابو التمن، ويذهب النسابة الى عراقة اسرة ( ابو التمن ) وعلى امتداد تاريخ بغداد فهم يرجعون بأصولهم الى فرع ( الدريبات ) من عشيرة (الردينية ) من قبيلة القيسية المضرية العدنانية. وفي وثائق بغدادية ان لقب ( ابو التمن ) لقب اعتباري مهني يعني التجارة في الرز فقد كان جدهم (مهدي كاظم الدريبي) يبيع الرز الى دول الشرق وربح كثيرا في صفقاته وكل اولاده واحفاده عملوا في هذه التجارة واليها تعود نسبتهم الاسرية فهو اذن في الوثائق العثمانية : ( محمد جعفر افندي بن محمد حسن بن داود بن سلمان بن مهدي الدريبي الرديني القيسي ) ولم نقرأ انه كتب متفاخرا بنسبه العريق إنما تفاخر بانتمائه الى وطنه الذي نزف فيه حد العذاب ولم يبح صوته .

وبعد استشهاد جده فرض عليه دراسة اللغة والمعاني في فنونها وتخريجاتها على الشيخ العلامة شكر البغدادي ( 1855 – 1938 ) والبغدادي خريج المدرسة الفقهية بالنجف وأحد مؤسسي المدرسة الجعفرية الاهلية، وكان اول قاض من الامامية يعين في بغداد 1921 وكان درب تلميذه ( ابو التمن ) على اساليب وطنية اللغة ووطنية الفقه فتخرج به حاذقا في الحديث وبارعا في تخريج العربية..!

لما بدأت ملامح الثورة ترتسم على الافق 1919 صعد دور ( أبو التمن ) الى الواجهة الوطنية، فأسس مع محمد الصدر حزب ( حرس الاستقلال ) وراح يتصل بأقطاب الثورة على الانكليز في الفرات الاوسط ثم يصبح المعتمد الاول في بغداد لقطب الثورة الاول ( العلامة الشيرازي ) وعرف الانكليز به وبخبرته ولوحق يوما بعد يوم فهرب و لجأ عند مشايخ الفرات ( وكان في هذه الفترة عين عضوا في المجلس البلدي لبغداد مقتنعا لكنه رفض وصاية الانكليز... ) وبعد هدوء بنادق ثورة العشرين رحل مع رفاق له الى الحجاز ( 1/11/1920) لمحاورة الشريف حسين بشأن تعيين أحد أنجاله ملكا على العراق، وعاد الى بلده في ايلول 1921 مكملا شوطا نضاليا آخر في مسيرته التاريخية.. 

 في عام 1922 أسس ( الحزب الوطني ) وهو أول حزب يؤسس بعد أقامة الحكم المدني، وفي أول نشأته لعب دورا بطوليا في تشكيل الوطنية في نفوس الناس، فرأى الانكليز فيه عدوهم الاول، فأبعدوه الى ( جزيرة هنجام ) مع ثلة من قادة الثورة أطلق سراحهم بعد فترة أما هو أبو التمن فقد أطلق آخرهم أيار 1923 امعانا فيه بعذابه أوترويضاً لكن الاسد فيه لم يروض أبدا، وفي سجن غربته كتب مذكرات.. ! 

في تحليل الوثائق، شكل ( الحزب الوطني ) روحا وطنية جديدة هي صياغة آخرى لاحياء ثورة العشرين، وربما كان الحزب الوريث الشرعي لتراث الثورة العراقية الكبرى، فقد رفع شعارا كبيرا : ( لامساومة ورفع منشورا الى الجمهور ملخصه : ( لا خلاص الا بالسيادة الكاملة).

وكان أبو التمن في حزبه ( الوطني ) يرعى ثلاثة شبان : كامل الجادرجي لأنه وجده يمتلئ بوطنية المستقبل، ويوسف سلمان يوسف ( فهد ) حيث لامس في عقله أصالة الدرب الطويل، ورفائيل بطي الذي وجد نبوغه يسبق زمنه... ! 

وعظمة جعفر (أبو التمن) ان المبادئ التي رفعها طبقها بنفسه ميدانيا، وفي صور متعددة: 

1- كان على الصعيد الاخلاقي يرد المظالم بفدية من ماله الخالص على سنة جده داود او سنة وجهاء طائفته، وكان يزكي تجارته او ماله بإعاشة كثير من العوائل المتعففة، فضلا عن تعميره المساجد والمدارس وخانات الطرق الخارجية، وتكرر الوثائق العثمانية بأن ربع ثروة الاسرة قد صرفت على الجهاد 1915 وربعا آخر لاغاثة المحرومين واقل من الربع على تأسيس مكتبته في البيت على زمن جده وكانت مكتبة مجالس مشحونة بالمصادر والكتب الخطية. 

2- وقبل أشارة فيصل الاول بتعيينه وزيرا للتجارة 1922 ( ولم يجد في ذلك ضررا او لدفع ضرر ) وأستقال بعد شهرين لانه شعر ان المطلوب من تلك الوزارة الموافقة على المعاهدة العراقية البريطانية وقال لفيصل الاول في لحظتها : ( السيد الملك.. لا اتقرب الى النار.. ). ! 

3- وفي انقلاب بكر صدقي 1936 عين وزيرا للمالية وأستقال بعد ستة أشهر فرارا من دكتاتورية عسكرية رآها تتجمع في بكر صدقي وهو الديمقراطي الاول الذي حلم بأن يحكم الشعب نفسه بنفسه. 

وكان رؤساء الوزارة حين يشكلون وزاراتهم يعرضون على جعفر وزارة بحسب رغبته لكنه يعتذر: (عزيزي.. الدين ممنوع) ويبتسم كأن صرحا عاليا يبتسم. 

وأنتخب في المجلس النيابي 1928 – 1930، وكان معه في المجلس نفسه: محمد رضا الشبيبي وياسين الهاشمي وأحمد الداود وشكلوا (معارضة برلمانية) عارضت المعاهدة البريطانية وذيولها وفي أحد محاضر جلسات المجلس النيابي كلام لجعفر اشبه بأصوات البندقية.. ! 

وعين أيضا عضوا في (مجلس الاعيان) 1937 وكان دوره في عينيته كدوره في نيابته: الذي قرر ان لا يجزأ في دوره أو قراره وعجيب امر هذا الداعية فلا رأيته مرة ساكتا عن حق يهدر ولا رأيته متفرجا على ظلم الظالمين فقد أشعل كل جبهات زمانه بالبارود أو الكلمات الحادة أو بأجيال الشباب الذين دربهم على مسك الحقيقة وكان يخاطب العثمانيين: 

(آن الاوان أن ترحلوا..) وخاطب الانكليز: (العراقي يعشق السيادة بلا نقص) وكان الملك المؤسس يأنس له في الحوار لان جعفرا حديثه ذو جرس جميل أما نوري السعيد فخشي منه لان لانقص في جعفر يستغله نوري للتشهير به، وقالت وثائق العثمانيين (جعفر عمود ويجب أن نستند عليه في تهدئة مدن الفرات الاوسط 1916) وذهبت الوثائق الانكليزية الى ان في (جعفر أبو التمن ميلا الى سلم مخائل) وكان الانكليز يطلبون من الملك ( تحييد جعفر وجعله بعيدا عن علماء الدين ) وكل حزب وطني منحه عضوية فخرية وكلهم الاحرار منحوه لقب المرجعية أو لقب الزعيم الذي لايرد له طلب أعبثا منحوه الرتب والالقاب السعيدة ولا أظن ذلك عبثا إنما كان هو شجرة أظلت الاخرين فلهجوا بأسمه وغنوا بإيقاعه الخالد... !

وليس اجتهاده في السياسة فقط أنما كان يوزع طاقاته الاجتهادية على الاصعدة كافة فكان في مقدمة اوائل أسسوا غرفة التجارة وأحتل فيها عضوا في هيئة أدارتها 1928 ونائبا لرئيسها 1929 – 1935 ثم رئيس الغرفة 1935 – 1949 وقراءة لبعض مقالات نشرها في مجلة غرفة التجارة في حقبة الثلاثينات نجده بوعي متقدم مؤمنا بحرية التجارة التي هي في نظره الرابط القوي بين نهضة العراق الاقتصادية ونهضته السياسية التحررية فلا ثراء ولا رفاه بدون حرية التجارة او السوق الحرة، وكان في غرفته التجارية يرسم الخطط الاقتصادية لتجارة حرة في السوق العراقية ويوصي التجار بأتباعها في ندوات مستمرة، وفي أحدى ندواته قال : (لا نهضة وطنية بدون نهضة تجارية او اقتصادية) وطالما كان يوعز بشراء الكتب التي تنشر التجارب الاقتصادية للدول الديمقراطية ويوزعها على تجار الدرجة الاولى ويقول لهم : ( حتى نفيد من تلك التجارب في بناء السوق التجارية العراقية... ).. ! وفي ندوة أخرى نادى بصناعة وطنية، وقال (الاقتصاد تجارة وصناعة فان توازن فيهما الميزان ترسخت نهضتنا الوطنية...) وكان هو اول من عمل على تأسيس بدايات الصناعة العراقية الحديثة، فاسهم بتأسيس محلج القطن العراقي، كما أسهم بتأسيس شركة أستخراج الزيوت النباتية، وكان أذا خطط لمشروع تجاري او صناعي فكر بالاولويات وبالمواد الاولية المتوفرة في البلد، ثم فكر بأصحاب الخبرة واهل المشورة، وبالحرية التي تصنع القدر.. ! وهذا القدر اراد له ان يتحرر من انانية المادة والوزارة والقصر والانكليز والملوك، وفلت من كل ذلك باعجوبة، هو ارادها وليس غيره، فربح نفسه عندما ربح الحرية، وربح التاريخ عندما ربح الامة.. وانتصر على الركام... !



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2